معتز وفادي.. رفيقا الرحلتين السرمديتين

05.06.2021 05:17 PM

وطن: استوحشَ معتزٌ القبرَ، أمسى يشدو:"إليَّ يا فادي..عُدْ". تناهى إلى فادي هذا النداءُ، فانسابَ إلى عروقهِ صوتُ معتز الذي لم يتلاشَ طنينهُ عن أذنيه. منذُ طفولتهما؛ لم يراهما أحدٌ إلا وقال:"هذان صنوان". فسلكا قفارَ الحياةِ، ضحكا عندما كانا يتصارعان على قطفِ زيتون بيرزيت أو على قميصٍ استحسنهُ أحدهم لنفسهِ. مُذْ أَنْ استُشهدَ معتزٌ؛ حلّق فادي باحثًا عنه، لكنّه استخلصَ قناعةً؛ أنّ معتزًا لن يعودَ إلى شوارعَ بيرزيت؛ فقرّرَ فادي أَنْ يذهبَ إليه..إلى اللامكانِ أو الأفقِ اللامتناهي.

لم يكنْ فادي مطاردًا كما قالوا؛ إنّه طاردَ سلطويّةَ الاحتلالِ وجوعهِ إلى محاصرةِ الفلسطينيّ؛ لم يكنْ فادي جريحًا كما أخبرت عنه دماؤه؛ بل حبيباتُ ترابِ فلسطين كانتْ تنتظرُ أَنْ يذرفَ لها ما يروي ظمأها بعدَ أَنْ جفّفت عروقها هواءُ غريبُ لسكَّانٍ غرباء.

اعتُقلَ فادي للمرّةِ الأولى عام 2009، كان اعتقالًا ضروريًا لعلاقةٍ عاطفيّةٍ مع الوجوديةِ الفلسطينيّةِ، ثم أفُرِجَ عنه في صفقةِ وفاءِ الأحرار عام 2011، ولكن أنّى لمنْ سَكَنَ الوطنُ روحه أَنْ يستكين؛ ليتعرَض لاعتقالٍ آخر بعد ثلاثةِ أعوامٍ؛ بتهمةِ تنفيذِ عمليّةِ إطلاقِ نارٍعلى أهدافٍ للاحتلالِ برفقةِ ابنِ عمّهِ الشهيدِ معتز وشحة.

حينذاك اغتالَ الاحتلالُ معتزًا، واغتالَ فاديَ أيضًا؛ فموتُ معتز كان موتًا فيزيائيًا وهذا الموتُ المعترفُ به، أمّا موتُ فادي كان موتًا روحانيًّا وهذا غيرُ معترفٍ به؛ وهو أقسى أنواعِ الموت.

بعدَ الإفراجِ عنه عام 2019؛ آيسَ الاحتلالُ من هذا الشاب المتوقّدِ، فقرّرَ أَنْ يغتالَ جغرافيّةَ جسده، لذا؛ أُصيبَ بجروحٍ (3) مرّاتٍ خلالَ مواجهاتٍ كانتْ رائحةُ معتز فوّاحةً، فحالتْ بينه وبينَ غازِ الاحتلالِ ورصاصه.

حاولتْ قواتُ الاحتلالِ أَنْ تمارسَ لعبةَ الازدراءِ الزمنيّ؛ أيّ أَنْ تعيدَ  فادي إلى الاعتقالِ قبلَ خمسةِ أشهرٍ؛ لكنها لم تتمكن من ذلك، ورفضَ كما رفضَ دومًا الامتثالَ لاستدعاءاتِ وشِباكِ (الشاباك)؛ فأصبح مطلوبًا للاعتقالِ؛ ليقتفي الاحتلالُ متحرّقًا لدمائهِ فادي، وتنتظرهُ الأعينُ المقتنصةِ خلالَ معركةٍ شعبيّةٍ اضطرمتْ قبلَ أسابيعَ عندَ حاجزِ البيرة الشمالي.

"أنتظركَ..فلا تتأخّرْ" سمعَ فادي هذه العبارةَ، وحاولُ أَنْ يعرفَ قائلها، لكنَّ رصاصةً هاربةً من بندقيّةِ قنّاصي الاحتلال؛ قرّرتْ استعجالَ الموعد؛ إنّه موعدٌ حميمٌ انتظره فادي ومعتز؛ فبدلًا مِنْ أَنْ تقتلَ الرصاصةُ فادي؛ قتلتْ إرادةَ مُطلقها، وحلّقتْ بفاديّ إلى خليلهِ معتز مستقبلًا إياه بعتابٍ وسؤالٍ عن الأهلِ، ومعرّفًا إياه على أصدقائهِ مِنْ الشهداء والّذين قرّروا أَنْ يقطنوا في مكانٍ لا حواجزَ فيه، ولا جدارَ فيه، ولا قناصةَ فيه.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير