إسماعيل الريماوي يكتب لوطن: بين حسابات ترامب وأزمة نتنياهو.. الشرق الأوسط رهينة احتمالات الانفجار

لا تتحرك الحروب دائماً وفق حسابات الميدان وحده، بل كثيراً ما تتداخل معها حسابات صناديق الاقتراع ومصالح الحكومات وأزمات القادة الذين يجدون في التصعيد الخارجي وسيلة لإعادة ترتيب أوضاعهم الداخلية والشخصية، وفي الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، تبدو احتمالات المواجهة مع طهران مرتبطة بجملة من الحسابات السياسية والعسكرية التي تجعل الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية جزءاً من المشهد، وإن لم تكن العامل الوحيد القادر على تحديد مساره، فهل تتجه المنطقة نحو تسوية تحول دون الانفجار، أم أن ما يجري ليس سوى إعادة ترتيب للأوراق قبل مرحلة أشد خطورة؟
في واشنطن، يواجه الرئيس دونالد ترامب معادلة معقدة بين طموحه إلى فرض شروطه على إيران، ورغبته في تجنب حرب طويلة تستنزف الموارد الأمريكية وتنعكس على الاقتصاد وأسعار الطاقة ومزاج الناخبين ، او ان ترضي نرجسيته وميوله الدائمة الى الاستعراض والبلطجة ، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، تصبح كلفة أي مغامرة عسكرية واسعة موضع حساب سياسي دقيق، خصوصاً إذا أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود، واضطراب الأسواق، وسقوط خسائر بشرية أمريكية، أو فتحت جبهات متعددة يصعب إغلاقها سريعاً، فالإدارة التي تدخل مواجهة عسكرية لا تستطيع ضمان أن تنتهي وفق الجدول الذي رسمته، كما أن الضربة التي تبدو محدودة في بدايتها قد تتحول إلى صراع إقليمي تتسع دوائره وتتجاوز أهدافه المعلنة.
لكن الحسابات الانتخابية لا تعني بالضرورة أن واشنطن ستتراجع عن الخيار العسكري، كما لا تعني أن الحرب ستبدأ فور إغلاق صناديق الاقتراع، فقد يرى ترامب أن التلويح بالقوة يمنحه ورقة ضغط إضافية لانتزاع تنازلات إيرانية، وقد يفضّل تأجيل أي قرار كبير إلى حين اتضاح النتائج السياسية والاقتصادية، بينما قد تدفع تطورات ميدانية مفاجئة إلى تغيير حساباته في أي لحظة، وبين هذه الاحتمالات، تبقى السياسة الأمريكية محكومة بمعادلة صعبة: كيف يمكن فرض شروط قاسية على طهران من دون التورط في حرب مفتوحة، وكيف يمكن تسويق سياسة القوة داخلياً من دون تحميل الناخب الأمريكي فاتورة مواجهة جديدة في منطقة لم تنجح الحروب السابقة في إخضاعها لاستقرار دائم؟
وتزداد خطورة المشهد عندما ننتقل إلى إسرائيل، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، فإيران تحتل موقعاً مركزياً في الخطاب الأمني الإسرائيلي، ويقدّم نتنياهو نفسه باعتباره القادر على مواجهة ما تصفه حكومته بالتهديد الإيراني، ومن هنا، فإن أي تطور عسكري كبير قد يتحول إلى عنصر مؤثر بعد نتائج الانتخابات الإسرائيلية، لكن اتجاه تأثيره ليس مضموناً، فالنجاح العسكري الذي يحقق أهدافاً واضحة، ويحد من القدرات الإيرانية، من دون أن يجر إسرائيل إلى استنزاف طويل، قد يمنح نتنياهو فرصة لتعزيز وضعه السياسي ، أما إذا تحولت المواجهة إلى حرب ممتدة، وتعرضت المدن الإسرائيلية لضربات صاروخية متكررة، وتعطلت قطاعات اقتصادية واسعة، وارتفعت الخسائر البشرية، فقد تنقلب الحرب إلى عبء سياسي يفاقم أزمته ويمنح المعارضة فرصة لتوسيع نفوذها.
و قد يشكّل المأزق السياسي الذي أعقب الانتخابات الإسرائيلية، وعجز نتنياهو والمعارضة عن حسم الأغلبية وتشكيل حكومة، فرصة لنتنياهو لتوظيف التصعيد مع إيران في معركة البقاء السياسي، فرفع شعار التهديد الوجودي قد يدفع بعض الأحزاب الصهيونية إلى تجاوز خلافاتها والقبول بحكومة وحدة وطنية بقيادته، تحت ذريعة توحيد الجبهة الداخلية ومواجهة الخطر الخارجي، وهكذا، قد تتحول الحرب من
مواجهة عسكرية إلى ورقة لإعادة ترتيب التحالفات وإنقاذ مستقبل نتنياهو السياسي، وإن كان اتساع المواجهة أو فشلها قد يقلب هذه الحسابات رأساً على عقب.
أما إيران، فهي ليست طرفاً ينتظر مصيره في واشنطن أو تل أبيب، بل تمتلك بدورها حساباتها وأدوات الردع وأوراق الضغط، وأي هجوم واسع على منشآتها النووية أو الصاروخية أو بنيتها العسكرية قد يدفعها إلى الرد بوسائل متعددة، بما فيها الصواريخ والمسيّرات واستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، وفق طبيعة الهجوم وحجم الخسائر والظروف المحيطة به، وقد يؤدي ذلك إلى فتح جبهات يصعب احتواء تداعياتها، وتهديد الملاحة وإمدادات الطاقة، ورفع كلفة التأمين والنقل، وإرباك الأسواق العالمية، وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون المواجهة مجرد تبادل للضربات بين دولتين، بل أزمة إقليمية ودولية تتأثر بها دول الخليج وتركيا والعراق ولبنان وسائر المنطقة، فيما يتحمل المدنيون النصيب الأكبر من نتائج التصعيد.
لهذا، تكتسب الوساطات الإقليمية أهمية تتجاوز محاولات شراء الوقت، فالدبلوماسية، مهما بدت فرصها محدودة في ظل انعدام الثقة وتضارب الشروط، تظل الطريق الأقل كلفة لتجنب مواجهة قد لا يستطيع أي طرف التحكم في نهايتها ، ويمكن أن تشكل الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني، والتفاهمات المتعلقة بمستويات التخصيب والضمانات الفنية، إلى جانب خطوات متبادلة بشأن العقوبات والأمن الإقليمي، أساساً لمسار تفاوضي إذا توافرت الإرادة السياسية، غير أن نجاح أي تسوية يتطلب التزامات قابلة للتحقق، لا مجرد تصريحات إعلامية أو تفاهمات مؤقتة تنهار عند أول اختبار، كما أن تجاهل المخاوف الأمنية لدول المنطقة أو التعامل مع أمنها باعتباره تفصيلاً ثانوياً لن يساعد على بناء اتفاق مستدام.
والمشكلة أن كل طرف قد يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته: واشنطن تراهن على الضغط الاقتصادي والعسكري لانتزاع تنازلات، وتل أبيب تسعى إلى منع إيران من امتلاك قدرات تعتبرها تهديداً استراتيجياً، وطهران تحاول حماية مصالحها وردع خصومها وتجنب تقديم تنازلات تُفسَّر داخلياً على أنها استسلام، لكن تضارب هذه الرهانات قد يقود إلى حسابات خاطئة؛ إذ قد يفسر طرفٌ ضبط النفس على أنه ضعف، أو يقرأ المناورة الدبلوماسية بوصفها استعداداً للهجوم، فتتسارع الأحداث خارج قدرة العواصم على السيطرة عليها.
إن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية ومستقبل نتنياهو السياسي قد يؤثران في توقيت القرارات العسكرية وطريقة تسويقها، لكنهما لا يكفيان وحدهما لتفسير مسار المواجهة مع إيران، فالحرب ليست موعداً انتخابياً يمكن تحديده على جدول زمني، ولا يمكن الجزم بأن ما بعد التصويت سيقود حتماً إلى ضربة عسكرية أو اتفاق تاريخي، وقد تفتح النتائج السياسية نافذة للتفاوض، كما قد تزيد الضغوط الداخلية من إغراء التصعيد، فيما تستطيع تطورات الميدان أن تقلب الحسابات رأساً على عقب.
وفي المحصلة، يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق لا يحتمل الرهان على أوهام النصر السريع، فالحرب التي قد يظن بعض القادة أنها تمنحهم فرصة لتعزيز مواقعهم يمكن أن تتحول إلى مأزق يهدد مستقبلهم ويضاعف معاناة شعوب المنطقة، وبين صناديق الاقتراع وطبول الحرب، يبقى السؤال الأهم ليس أي قائد سيخرج أقوى من المعركة، بل ما إذا كانت العواصم المعنية ستدرك، قبل فوات الأوان، أن كلفة المواجهة الشاملة قد تتجاوز قدرة الجميع على تحملها، وأن التسوية السياسية ليست علامة ضعف، بل اختبار حقيقي للحكمة والمسؤولية.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


