ريما كتانة نزال تكتب لوطن: يهدمون نصب الشهداء أيضاً

27.10.2026 05:52 PM

ما الذي يخيف جيشاً مدججاً بالسلاح من اسم محفور على حجر؟ ولماذا تحتاج صورة شهيد إلى جرافة عسكرية لإزالتها؟

في المشهد الفلسطيني، تتقدم هذه الأسئلة كلما اقتحم الاحتلال ساحة أو شارعاً أو جامعة، ليهدم نصباً تذكارياً، كأن المعركة مع الفلسطيني لا تنتهي بقتله، وكأن الغياب نفسه يحتاج إلى ملاحقة، حتى لا يترك وراءه اسماً أو صورة أو حكاية.
في السابع من تشرين الأول الجاري، هدمت قوات الاحتلال النصب التذكاري للشهيد ياسر ذياب حمدوني في يعبد، وأزالت صور شهداء من وسط جنين، بعد إخطارات استهدفت نصباً ولافتات في المدينة والبلدة. هنا، يصبح حتى تذكّر الموتى موضوعاً لأمر عسكري؛ يقرر الاحتلال أي الأسماء يجوز أن تبقى في الشارع، وأي الصور يجب أن تختفي من عيون المارة.
وتكشف حصيلة أعلنتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن اتساع هذا الاستهداف؛ فقد وثقت ثمانية عشر اعتداءا نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون على النصب والرموز الفلسطينية في الضفة الغربية بما فيها القدس منذ مطلع العام وحتى العشرين من تشرين الأول، تسعة منها خلال الأيام العشرين الأولى من الشهر نفسه وقد شملت بعض الوقائع أكثر من نصب أو موقع.
يمكن قراءة الإصرار تدمير النصب التذكارية للشهداء كامتداد لمحاولات متواصلة لكيّ الوعي ومعانيه العنصرية: إخضاع علاقة الفلسطيني برموزه وتاريخه للمساءلة والعقاب، وإدخال الوعي لعقله أن الكُلفة مرتفعة في حال الاحتفاظ بذاكرة الشهداء، وإيصال رسالة للأحياء بأننا نستطيع الوصول إلى رموزكم وضمائركم، وإزالة ما تضعونه في ساحاتكم، والتدخل في الطريقة التي تقدسون فيها من نقتلهم.
لكن، ما لا تستطيع معركة تدمير الوعي إدراكه، أن مواصلة تدمير النصب التذكارية تمنح الذاكرة ذاكرة جديدة، فحين تدمير الحجر لا تسقط معه هذه الحياة كلها. قد يتحطم الشاهد، لكن الذين يعرفون حكايته يعودون إلى روايتها، ويضيفون إليها حكاية تحطيمه.
تدمير نصب الشهداء يعيد إليهم فردانيتهم وتفردهم، يقول إن لهؤلاء كانت وجوها وأسماء وعائلات، وأن غيابهم ترك مكاناً فارغاً في القلوب وعلى موائد الطعام وعلى الطريق الذي يسلكونه كل يوم.

سنعود إلى بناء ما يهدمه الاحتلال. سنجمع الأسماء، ونرفع الصور، ونعيد إلى الساحات شواهدها. وهذا حقنا وحق الشهداء في استرداد المكان لرونقه، ورفض لأن تصبح إرادة المحتل المرجع الذي يحدد ما نتذكره وما ننساه، رغم أن هذه العودة مكلفة وتحتاج إلى مال وجهد، وتضع الجميع أمام اقتحام جديد وهدم جديد.
ولهذا لا يجوز أن يتحول صمودنا إلى ذريعة لتركنا وحدنا في متوالية الهدم والبناء. لا نريد أن يصبح ترميم آثار العدوان مهنة شعبنا الأبدية، وأن يُكتفى بالإعجاب بقدرتنا على النهوض كلما أُسقطنا. نريد أن نبني بيوتاً تبقى، ومدارس يطمئن إليها أطفالنا، وساحات تحتفظ بأسمائها، وأن نمنح وقتنا للحياة التي نستحقها.
ومن هنا، ينبغي أن ترافق إعادة البناء حماية أوسع للذاكرة: توثيق كل نصب قبل هدمه وبعده، وحفظ الأسماء والسِيَر وشهادات العائلات، وإتاحة هذه المواد من الوصول إلى الأجيال وإلى العالم وإلى الأرشيفات. فكل تدمير لنصب يستدعي توثيقه وحفظ الدليل، وكل حكاية تستحق أكثر من رمز وشكل، حتى تتعدد الطرق التي تصل بها الحكاية إلى الناس، ويصعب حصارها أو إخفاؤها.
أما صحوة العالم التي ننتظرها، فلن تقاس بعدد عبارات الأسف أمام صورة جرافة تهدم نصباً. بل تُقاس بما يفعله لمنع تكرارها، شعبنا يحتاج إلى تضامن يحمي حقه في البقاء والحرية، ويضع حداً لهذا الاستنزاف، قبل أن يُطلب منه أن يقدم برهاناً جديداً على قدرته على الاحتمال.
سيهدمون، وسنبني، ما داموا يصرّون على الهدم. لكننا نعيد البناء كي تبقى الطريق مفتوحة إلى مستقبل آخر، يستطيع فيه أبناؤنا أن يمروا أمام أسماء شهدائهم بأمان، وأن يعرفوا حكاياتهم، ثم يمضوا إلى أحلامهم. نريد للأسماء أن تبقى، وللقائمة أن تتوقف عن الاتساع؛ وللحجر أن يستريح في مكانه، وللأحياء أن يعيشوا.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير