لماذا تحتاج المجتمعات الفلسطينية إلى عودة العمل القاعدي؟

كتبت مجد حثناوي: "أصبحنا وحيدين تماما لا حكومة تصل إلينا لمعرفة احتياجاتنا في القرية ولا مؤسسات مجتمع قادرة على تقديم الخدمات كما في السابق، ولا حتى الشرطة والأمن".
يتحدث الشاب سليمان منصور العضو في لجنة حماية بلدة سنجل عن صعوبة تلقيهم أو مشاركتهم في تقديم الخدمات للسكان أو المواطنين المتضررين جراء الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة على القرية، والحصار التي يلف عنقها بين حين وآخر.
وثقت الأمم المتحدة أكثر من 870 هجومًا استيطانيًا منذ بداية 2026 حتى 25 أيار/مايو، طالت أكثر من 220 تجمعًا فلسطينيًا، أي بمعدل يقارب 6 هجمات يوميًا، أحدها قرية سنجل.
أعادت الأزمات المتلاحقة على القرى الفلسطينية التفكير في إعادة الاعتماد على المجتمع ذاته في تقييم الأضرار وتقديم المساعدات المختلفة للمتضررين، بعدما سدت سبل الوصول إليهم من مؤسسات المجتمع المدني الأخرى.
يقول سليمان " بعد صعوبة وصول مقدمي الخدمات للقرية من مدينة رام الله، عملنا على تشكيل لجان حراسة بين عامي 2016 - 2020، مكنت القرية من تنظيم ورديات للحراسة، والاستجابة السريعة للاعتداءات، ومرافقة المزارعين إلى أراضيهم لفلاحتها في المناطق المهددة، وحماية السكان وممتلكاتهم".
ويتابع" رغم غياب الدعم الخارجي ومحدودية الإمكانات، استمرت اللجنة بالاعتماد على تطوع الشباب ومساندة الأهالي والمجلس القروي في البلدة، ما يعكس قدرة التنظيم المحلي على سد الفراغ وتعزيز صمود المجتمع في أوقات الأزمات"
أعادت تلك التجربة والتجارب المحلية الأخرى المشابهة، طرح سؤال أساسي حول علاقة الناس بمؤسسات المجتمع المدني، هل ما زالت هذه المؤسسات قريبة بما يكفي من المجتمعات التي يفترض أن تمثلها وتعمل معها؟
مشاريع "مسلوقة" بعيدة عن الناس
على مدى سنوات، تركز جزء كبير من عمل مؤسسات المجتمع المدني على تنفيذ مشاريع ممولة وفق خطط زمنية ومؤشرات أداء تضعها الجهات المانحة، وقد مكّن هذا النموذج المؤسسات من تقديم خدمات واسعة، لكنه جعل العلاقة مع المجتمع تمر أحيانًا عبر المشاريع بدل أن تنطلق من احتياجاته المباشرة.
تكشف تجربة أم محمد "32 عامًا"، النازحة من مخيم طولكرم والمنتفعة من برامج مؤسساتية، عن محدودية إشراك النازحين في تحديد أولويات البرامج الموجهة إليهم، وتقول إن بعض المؤسسات كانت تسألهم أحيانًا عن مكان تنفيذ المساعدة أو موعدها وطريقة توزيعها، إلا أن دورهم بقي في معظم الأحيان مقتصرًا على تلقي مساعدات جرى تحديدها مسبقًا"
وتوضح أنه لا يتم سؤالها عن احتياجاتهم حتى، بل تسقط عليهم المساعدات من البرشوت على حد تعبيرها وتتابع" في أيام رمضان المبارك، لقد كنا نلتقى يوميا نفس نوع وجبة الطعام طيلة أيام شهر رمضان المبارك، وكان ذلك غير إنساني على الإطلاق، وأغلب العائلات حينها إضطرت لإلقاء الوجبات في القمامة لكونها لا تعبر عن الاحتياج الفعلي لها، بل لا تعبر عن الاحتياج البشري أو الإنساني على الإطلاق، فمن غير المعقول أن يتناول شخص نفس نوع الوجبة يوميا، مما يدل على سلق المشاريع بطريقة غير متناسبة".
لا تعكس تجربة أم محمد جوهر العمل القاعدي الذي يبجب أن يبدأ بسؤال من داخل المجتمع: ما المشكلة التي نواجهها؟ من الفئات الأكثر تضررًا؟ ما الأولوية؟ ما الموارد المتاحة؟ ومن ينبغي أن يشارك في الحل؟ لذلك، فإن قيمة العمل القاعدي لا تقاس فقط بعدد الأنشطة المنفذة، بل بمدى قدرة السكان على التأثير في القرارات وبناء تنظيم محلي يمكنه الاستمرار والمساءلة، وتختبر هذه الشهادة الفجوة بين ما تقوله المؤسسات عن المشاركة وما يعيشه الناس فعليًا؛ فعقد الاجتماعات وجمع البيانات لا يعنيان بالضرورة أن مقترحات السكان تنعكس في البرامج المنفذة.
جذور تاريخية سبقت الانتفاضة الأولى
شبكات مساعدة محلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم تشكلت أو توسعت لجان أخرى في ربيع 1988 داخل قرى ومخيمات وأحياء مدن. وكانت هذه اللجان، في حالات كثيرة، امتدادًا للجان التطوعية السابقة ومحاولة لإعادة تنظيم المجتمع من أسفل إلى أعلى .
توزعت الأدوار بدرجات متفاوتة. فهناك لجان أو وحدات اهتمت بالصحة والتعليم والحماية المدنية والتموين والزراعة. وشملت الوظائف الموثقة تنسيق العون المتبادل، والحراسة الليلية والتنبيه إلى الاعتداءات، وتخزين الغذاء وتوزيعه أثناء الحصار ومنع التجول، وتنظيم دروس بديلة بعد إغلاق المدارس، وتشجيع الزراعة والإنتاج المحلي . ولا يعني ذلك أن كل لجنة أدت كل هذه الوظائف أو أن النجاح كان متساويًا في جميع المناطق والقطاعات.
وتظهر المصادر تفاوتًا مهمًا في النتائج. فقد كانت لجان إعادة تزويد المخيمات المحاصرة أكثر نجاحًا من بعض لجان الاكتفاء الذاتي الغذائي، التي بقيت محدودة الفعالية بحسب المصدر التاريخي الرئيس . كما نظمت لجان الأحياء دروسًا للمرحلتين الابتدائية والثانوية في منازل خاصة في مناطق عدة، من بينها رام الله والبيرة وبيت ساحور وبيت جالا، لكن البدائل التعليمية لم تستبدل النظام التعليمي كله، ولم تحقق المستوى نفسه من النجاح في كل قرية أو مخيم .
وكانت هذه الهياكل عرضة للقمع. وتذكر المصادر أن سلطات الاحتلال أعلنت اللجان غير شرعية وهددت أعضاءها بالسجن مدة تصل إلى عشر سنوات . كما يورد تقرير أممي معاصر واقعة أفادت فيها التقارير باكتشاف 37 لجنة شعبية في غزة واعتقال نحو 200 شخص في 10 أيلول/سبتمبر 1988 . والأدق تحريريا أن توصف هذه الإجراءات بأنها حظر وتجريم وتهديد صادر عن سلطات الاحتلال، لا أن تُقدم بوصفها حكمًا قانونيًا دوليًا محايدًا.
من اللجان المرنة إلى المنظمات المهنية
كان اتفاق أوسلو عامل تسريع في مسار المأسسة، لا نقطة بداية مطلقة له. فقد بدأت عمليات الاحتراف وتوافر التمويل وتمايز الهياكل قبل عام 1993 بدرجات مختلفة، ثم اتسع بعد أوسلو قطاع المنظمات غير الحكومية المرتبط بالمنح والبرامج التنموية، وانتقلت مبادرات شعبية كثيرة، أو أجزاء منها، إلى مؤسسات ذات إدارات متخصصة وخطط وموازنات وتقارير ومؤشرات أداء بحسب خبير في المجتمع المدني مقابلة مع باحث في المجتمع المدني.
ويفسر أبو دية هذا التحول سبب قيام مؤسسات السلطة، والتي أصبحت تتحمل مسؤولية توفير الخدمات، مثل الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية والأمن، ما دفع المجتمع، خصوصًا خلال السنوات الأولى من قيامها، إلى الاعتماد المباشر عليها على حساب البنى المجتمعية المحلية، وقد ساعد على ذلك توفر التمويل الخارجي للسلطة ووجود قدر من الاستقرار السياسي في تلك المرحلة.
تخلص دراسة أكاديمية اعتمدت على مقابلات مع 41 منظمة غير حكومية فلسطينية إلى أن القطاع شهد تحولًا بنيويًا نحو الاحتراف والبيروقراطية والاعتماد على المانحين، وأن هذا التحول أضعف، بحسب روايات المشاركين، قدرة بعض المنظمات على تلبية احتياجات المجتمعات . ولا تمثل هذه العينة مسحًا إحصائيًا لكل القطاع، كما أن المقابلات تعكس أساسًا تصورات قيادات المنظمات؛ لذلك لا يصح تحويل نتائجها إلى حكم بأن كل مؤسسة فقدت صلتها بالمجتمع.
وبحسب أبو دية للتمويل الخارجي أثر مزدوج، فهو قد يوفر استقرارًا مؤسسيًا وخبرة وموارد، وقد يمنح بعض القيادات استقلالًا نسبيًا عن تمويل الفصائل. لكنه يفرض في المقابل خططًا زمنية وأهدافًا قابلة للقياس ومتطلبات امتثال وتقارير، وقد يدفع المؤسسات إلى التكيف مع أولويات المانحين بدل ربط العمل بأهداف سياسية أو وطنية أوسع . وتصف دراسات أخرى هذا المسار بأنه انتقال من التعبئة والحركات الاجتماعية إلى العمل القائم على المشاريع، مع تجزئة القضايا إلى ملفات منفصلة مثل الفقر والبطالة وحقوق النساء والصحة، بما يصعّب بناء ائتلافات اجتماعية واسعة .
لا يعني ذلك أن العمل القاعدي اختفى، فقد ظهرت منظمات تطوعية قاعدية جديدة خارج قطاع المنظمات غير الحكومية الرسمي، واعتمد بعضها على التضامن المحلي والمساعدة المتبادلة والزراعة والأنشطة الجماعية بدل التمويل الأجنبي أو الحكومي / غير أن هذه المبادرات ليست تمثيلية تلقائيًا؛ فالقرب الجغرافي وحده لا يضمن شمول النساء والشباب والنازحين وذوي الإعاقة وسائر الفئات الأقل نفوذًا.
ما الذي خسره الفلسطينيون عندما تراجع العمل القاعدي؟
منذ بداية حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، واجهت مؤسسات المجتمعات تحديات أقرب لأن تكون وجودية في عملها، حيث شهدت المؤسسات حالات إغلاق متعددة لمؤسسات أهلية وقاعدية خصوصًا في القدس مثل مركز اللقلق وصندوق وقف القدس.
وفي ظل سياسات الاغلاق تلك، من وجهة وجدت المؤسسات نفسها قاصرة على تحدي سياسات الاغلاق لأنها خسرت القاعدة الشعبية التي كانت تمتلكها، ومن جهة أخرى خسر الفلسطينيون من قدرتهم على التأثير على مراكز صنع القرار والضغط والمناصرة على مستوى السياسات الحكومية أو حتى المناصرة الدولية، كما عبر أبو دية.
ومن جهة أخرى، بين أبو دية أن تراجع العمل القاعدي انعكس إلى حد كبير على قدرة المجتمع المدني على المساءلة المجتمعية عن السياسات الحكومية خاصة المتعلقة بالخدمات وجودتها وهدر المال العام ومظاهر الفساد وغيرها من الظواهر وانعكس سلبا على قوة وتأثير المجتمع المدني عموما
ويؤكد أبو دية على أن إعادة الاعتبار للعمل القاعدي تتطلب جهدًا كبيرًا، يبدأ باستعادة قيمة العمل التطوعي، ومعالجة مشكلة التمويل من خلال ربط تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية بعمل المؤسسات القاعدية وتقديم الدعم اللازم لها.
كما يدعو إلى أن تعمل المؤسسات القاعدية من خلال شبكات واتحادات، بدلًا من عمل كل مؤسسة بصورة منفردة، وإلى دمقرطة مؤسسات المجتمع المدني وشبكاته واتحاداته، من خلال توسيع تمثيل مجالس إداراتها لتضم مؤسسات قاعدية من مختلف المناطق الجغرافية.
وبخصوص دعوات الرجوع للعمل القاعدي، يؤكد أن العمل القاعدي لا تعني استعادة الماضي كما كان، ولا تفترض أن كل مؤسسة محلية تمثل المجتمع بصورة تلقائية، فالهياكل المحلية قد تعاني بدورها من ضعف الموارد، أو محدودية التمثيل، أو هيمنة أفراد أو مجموعات بعينها، وقد تتحول اللجنة إلى مساحة مغلقة إذا لم تتوافر آليات تضمن مشاركة الفئات المختلفة وشفافية اتخاذ القرار، ومشاركة جميع فئات المجتمع.
التمويل والمركزية وحدود الاستقلالية
لعل من أكثر التحديات المطروحة الآن التي تواجه المؤسسات القاعدية، التمويل قصير الأجل، وأجندات المانحين، ومتطلبات المشاريع، والمركزية الإدارية، وضعف الموارد المتاحة للمؤسسات والهياكل المحلية.
لا تنفصل هذه الإشكاليات عن اعتماد الاستجابة الإنسانية على التمويل الخارجي، حيث فقد بلغت قيمة المناشدة الإنسانية للأرض الفلسطينية المحتلة لعام 2026 نحو 4.1 مليارات دولار، بينما لم تتجاوز نسبة التمويل المتاح 39.39% وقت تحديث البيانات، بما ترك فجوة تقارب 2.5 مليار دولار، وتكشف هذه الفجوة أن الأولويات لا تتحدد بالاحتياجات وحدها، بل تتأثر أيضًا بحجم التمويل والقطاعات التي يختار المانحون دعمها والمدة الزمنية للمشاريع.
بيد أن التمويل على قلته يأتي مشروطا، أوضح أبو دية أن الاعتماد على التمويل الخارجي أثر في عدة جوانب على مؤسسات المجتمع المدني، مثل فرض شروط الممول على الكثير من المؤسسات وعلى طبيعة المشاريع المقدمة منها، والتي أصبحت في الكثير من الأحيان غير مرتبطة بالاحتياجات الحقيقية للمجتمع، كما أن ارتباط الكثير من المؤسسات وتنفيذ مشاريعها رهنا باستمرار التمويل، ومنح الممول حق الرقابة على من يستفيد من هذه المشاريع، ما أدى إلى زعزعة ثقة المواطنين بمؤسسات المجتمع المدني وأصبح الكثير منها محل اتهام بأنها تسعى للحصول على التمويل واستمرارها وليس خدمة المجتمع.
وبخصوص اللامركزية يضيف أبو دية أن التمويل الخارجي الذي تدفق إلى مؤسسات المجتمع المدني ارتبط في كثير من الأحيان، بشخصيات سياسية وفكرية نخبوية تتركز في المدن الرئيسية، الأمر الذي أدى إلى تراجع المؤسسات القاعدية التي تفتقر أصلًا إلى مقومات التنظيم والتمويل. ما تسبب في تراجع قدرة المجتمع المدني على التأثير في السياسات الحكومية، نتيجة غياب قاعدة شعبية مؤثرة تسند عمله، وتوفر له القدرة على الحشد والضغط على صناع القرار.
وأما بما يخص اللامركزية الإدارية يقول فيصل سلامة رئيس اللجنة الشعببية في مخيم طولكرم، إنها تشكل عائقًا إضافيًا، إذ يؤدي انتظار القرارات والمصادقات إلى تأخير بعض الأعمال والبرامج، وفي المقابل، يرى سلامة أن قرب اللجان من السكان يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ قرارات ميدانية تتناسب مع الواقع الإنساني والمعيشي، معتبرًا أن هذه القرارات تنجح غالبًا لأنها تنطلق من معرفة مباشرة بهموم الناس، لا من تقديرات بعيدة عن الميدان والشارع.
كما تشدد على الضرر المتأتي من التمويل قصير الأجل وتؤكد أن التمويل قصير الأمد يشكل تحدياً أمام العمل القاعدي؛ لأن التمكين لا يتحقق خلال ستة أشهر أو سنة، وإنما يحتاج إلى سنوات، كونه يشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب تغيير النظرة المجتمعية إلى النسا، ويقول "التمويل قصير الأجل، ينعكس على استدامة المشاريع وقدرتها على تحسين حياة الأسر، ويقول إن بعض النازحين حصلوا على مشاريع زراعية أو إنتاجية صغيرة، فيما استفادت بعض الأسر من ترميم مساكنها، إلا أن هذه التدخلات بقيت محدودة ولم تشمل جميع النازحين، مضيفا أن المشروع قصير العمر يخدم برنامجًا محددًا، لكنه لا يلبي الاحتياجات المعيشية لصاحبه ولا يضمن له الاستمرار، خاصة في ظل ضعف قيمة التمويل وانقطاعه بانتهاء مدة البرنامج المقرر".
لماذا العودة إلى العمل القاعدي؟
العودة إلى العمل القاعدي مطلوبة لثلاثة أسباب مترابطة. أولًا، لأن السكان يملكون معرفة فورية بالمخاطر والاحتياجات التي قد لا تظهر في التقييمات المركزية، خصوصًا حين يتعذر الوصول إلى المناطق المتضررة. ثانيًا، لأن التنظيم المحلي يتيح استجابة أسرع وتنسيقًا أفضل بين العائلات والمتطوعين والمجالس المحلية والمؤسسات المهنية. ثالثًا، لأن المجتمع المنظم يستطيع مساءلة مقدمي الخدمات والجهات العامة والمانحين، بدل أن يبقى متلقيًا لقرارات جاهزة.
لكن العودة ينبغي أن تكون إعادة بناء ديمقراطية لا حنينًا إلى نموذج قديم. ولتحقيق ذلك، تحتاج اللجان والمؤسسات المحلية إلى قواعد معلنة لاختيار أعضائها، وتمثيل جغرافي واجتماعي متوازن، ومشاركة حقيقية للنساء والشباب والنازحين والفئات المهمشة، ونشر واضح للموارد والقرارات، وآلية للشكاوى، وتناوب على المسؤوليات، وتقييم دوري يشارك فيه المستفيدون.
كما تحتاج المؤسسات المهنية إلى نقل جزء من سلطة التصميم والتقييم إلى القواعد، لا الاكتفاء باستشارتها بعد اتخاذ القرار، ويمكن للشبكات والاتحادات أن تساعد في ربط المبادرات المحلية وتبادل الموارد والخبرة، شرط ألا تتحول إلى طبقة مركزية جديدة. وتحتاج الاستدامة إلى تمويل أطول أجلًا وأكثر مرونة، مع بقاء الإنفاق خاضعًا للشفافية والمساءلة المحلية.
تعود الدعوة إلى العمل القاعدي لأن الأزمات تكشف قيمة التنظيم القريب من الناس، ولأن المجتمع الذي يشارك في تعريف مشكلته يكون أقدر على حماية موارده ومراجعة الحلول المفروضة عليه. غير أن القاعدة ليست معصومة من الخلل. فقد تهيمن عليها عائلات أو أفراد، وقد تُستبعد منها النساء أو الشباب أو النازحون، وقد تُدار الأموال بلا إفصاح، أو تُتخذ القرارات من دون محاضر وآليات اعتراض. عندئذٍ يتحول العمل القاعدي من أداة تمثيل إلى مساحة مغلقة تعيد إنتاج عدم المساواة.
لذلك، لا تُقاس العودة إلى القاعدة بعدد اللجان المنشأة، بل بمدى تمثيلها الحقيقي وشفافيتها وقدرتها على الاستمرار والمساءلة. المطلوب ليس استبدال الدولة أو المنظمات المهنية، بل بناء شراكة يكون فيها السكان أصحاب صوت وقرار، وتكون فيها المساعدة استجابة لاحتياج موثق لا مشروعًا جاهزًا، ويكون فيها القرب من المجتمع مقترنًا بآليات تمنع احتكار تمثيله.


