يونس العموري يكتب لوطن: من القدس إلى الكرك... حين تتصافح "الداعشية التكفيرية" و"الداعشية البن غفيرية"

ليس ثمة ما يكشف الانحطاط الإنساني أكثر من أن يتحول مكان العبادة إلى مسرح للقتل، وأن تصبح الجنازة كمينا للموت، وأن يذهب الإنسان لتوديع عزيزته، فيجد من يتربص به ببندقية لا ترى في الحزن حرمة، ولا في الكنيسة قداسة، ولا في الإنسان قيمة تستحق أن تصونها رصاصة أو ضمير. هنا لا نكون أمام جريمة قتل عادية، بل أمام سقوط أخلاقي كامل، وأمام عقلية لا تكتفي بإنكار حق الآخر في الاختلاف، بل تتصرف كما لو أنها تملك الحق في إلغائه من الوجود.
في الكرك الأردنية، لم يكن إطلاق النار على مشيعي جنازة اعتداء على أشخاص فحسب، كان اعتداء على حرمة الموت، وعلى حق الناس في الحزن، وعلى أبسط ما تبقى للإنسان من أمان في لحظة الوداع. أي عقل هذا الذي يختار جنازة ليطلق رصاصه؟ وأي ضمير هذا الذي يرى في أناس اجتمعوا لدفن فقيدتهم أهدافا لبندقيته؟ وأي ادعاء للإيمان يمكن أن يستقيم حين يصبح الرصاص لغة صاحبه، ويصبح قتل الأبرياء طريقته في التعبير عن معتقده؟
إن الذين يطلقون النار على المشيعين لا ينتصرون لدين، ولا يحمون عقيدة، ولا يدافعون عن قيمة. إنهم يكشفون خواءهم الأخلاقي، ويفضحون حقيقة ذلك الوهم الذي يسكن عقول المتطرفين حين يظنون أن امتلاك السلاح يمنحهم سلطة على أرواح الآخرين، وأن ادعاء امتلاك الحقيقة يمنحهم حق محاكمة الناس وإعدامهم خارج كل قانون وإنسانية. إنهم لا يرفعون راية الإيمان، بل يجرونها في الوحل، ولا يدافعون عن المقدسات، بل يهدمون المعنى الذي يجعل للمقدس مكانة في ضمير البشر.
تلك هي العقلية التكفيرية في أقصى تجلياتها .. عقلية تنصب نفسها قاضيا على البشر، وتقسم العالم إلى مؤمنين وفق مقاييسها الخاصة وأعداء تستبيح دماءهم، ثم تمنح نفسها رخصة القتل باسم السماء. إنها العقلية التي لا ترى في الاختلاف الديني أو الفكري أو الإنساني حقيقة من حقائق الحياة، بل جريمة تستوجب العقاب. وحين تبلغ هذه العقلية نهايتها المنطقية، لا تعود الكنيسة مكانا للعبادة، ولا المسجد ملاذا للصلاة، ولا الجنازة لحظة للوداع ، يصبح كل شيء مباحا أمام بندقية قررت أن تحل محل العقل والضمير والقانون.
ولذلك، فإن الغضب على هذه الجريمة لا ينبغي أن يكون خافتا أو مرتبكا. لا مكان للمجاملة حين يستهدف القتل أناساً لم يحملوا إلى جنازة فقيدتهم سوى الحزن والصلاة. ولا معنى لبيانات الأسف الباردة إذا لم تقترن بموقف واضح يرفض هذه العقلية من جذورها، ويطالب بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة، ويرفض أن تتحول دماء الضحايا إلى مادة للنسيان أو إلى ذريعة لفتنة جديدة. إن الصمت أمام هذا النوع من الجرائم ليس حكمة، والتردد في إدانة مرتكبيها ليس اعتدالا، ومحاولة تجميل دوافعهم أو اختراع المبررات لهم ليست سوى مشاركة في إفساد المعنى الأخلاقي للحياة.
لكنني، وأنا أكتب من القدس إلى الكرك، لا أستطيع أن أفصل هذا الغضب عن مشهد آخر نعيشه كل يوم في مدينتنا وفي عموم الضفة الغربية. لا لأن الجريمة واحدة في تفاصيلها أو لأن مرتكبيها ينتمون إلى تنظيم واحد، بل لأننا نرى، في سياقات مختلفة، عقليات متطرفة تلتقي عند استباحة الإنسان، وتتعامل مع الآخر بوصفه عقبة ينبغي إخضاعها أو إقصاؤها أو اقتلاعها.
في القدس، تتعرض المقدسات الإسلامية والمسيحية لانتهاكات واعتداءات، ويعيش الفلسطيني تحت ضغط الاقتحامات والقيود والتهديد بالتهجير وهدم البيوت ومصادرة الأرض. وفي المسجد الأقصى، تتواصل المواجهة حول حرية العبادة والوصول إلى المكان المقدس، فيما تتعرض أحياء مقدسية لخطر الاقتلاع والتغيير القسري. وفي عموم الضفة الغربية، يتصاعد عنف المستوطنين، وتتعرض التجمعات الفلسطينية وممتلكاتها وأراضيها لاعتداءات متكررة، في مشهد لا يمكن عزله عن منظومة الاحتلال وسياساته، ولا عن صعود التيارات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي تتعامل مع الأرض الفلسطينية وأهلها بمنطق السيطرة والإقصاء.
هنا تفرض المقارنة نفسها، لا بوصفها مساواة آلية بين الوقائع، بل باعتبارها مواجهة مع منطقين متطرفين، على اختلاف مرجعياتهما وأدواتهما وسياقاتهما. هناك من يرفع التكفير ليمنح نفسه حق قتل المختلف، وهناك من يرفع رايات القومية الدينية المتطرفة ليمنح نفسه حق استباحة أرض شعب آخر ومقدساته وبيوته. هناك من يطلق النار على مشيعين لأنهم لا ينتمون إلى عالمه المغلق، وهناك من يعتدي على الفلسطيني لأنه يقف في أرض يريد المستوطنون الاستيلاء عليها، أو لأنه يتمسك بحق العبادة في مقدساته، أو لأنه يرفض أن يصبح غريبا في وطنه.
ومن هنا، يمكن الحديث عن وجهين متباينين في المرجعية، متقاربين في منطق الاستباحة .. الداعشية التكفيرية، والداعشية البن غفيرية. ليست المسألة أن الطرفين تنظيم واحد، أو أن جرائمهما متطابقة في طبيعتها ومسؤولياتها ، فلكل واقعة سياقها، ولكل جريمة مرتكبوها الذين ينبغي تحديدهم ومحاسبتهم. لكن المقصود أن التطرف، حين يتحول إلى عقيدة في إلغاء الآخر، ينتج منطقه الخاص الذي يجعل حياة الإنسان وكرامته وحقوقه أمورا قابلة للدهس تحت أقدام الأيديولوجيا.
إن المقارنة هنا ليست تبرئة لأحد بجريمة الآخر، ولا خلطا بين اعتداء فردي مسلح ومنظومة احتلال ذات أدوات عسكرية وسياسية وقانونية. إنها رفض لمعيار مزدوج يرى الجريمة فظاعة حين تقع على جماعة، ثم يبحث لها عن الأعذار حين تقع على جماعة أخرى. وهي رفض لأن تكون حرمة الكنيسة موضع إجماع إنساني، بينما تصبح حرمة المسجد الأقصى موضوعا للمساومة، أو أن يكون استهداف المشيعين جريمة لا لبس فيها، بينما تمر الاعتداءات على الفلسطينيين وبيوتهم وأرضهم ومقدساتهم في دوائر التبرير أو الصمت أو الاكتفاء ببيانات لا تغير شيئا في واقعهم.
إن جوهر المشكلة ليس في الأسماء التي يختارها المتطرفون لأنفسهم، ولا في الشعارات التي يرفعونها، بل في اللحظة التي يقررون فيها أن الآخر أقل استحقاقا للحياة والحرية والأمان. عندها يصبح الدين غطاء للقتل، والقومية ذريعة للاقتلاع، والقوة وسيلة لفرض الحقيقة بالقهر. وعندها أيضا لا تعود الكلمات التي يختبئ خلفها هؤلاء قادرة على إخفاء حقيقتهم .. إنهم يريدون عالما لا يتسع إلا لمن يشبههم، ولا يعترف إلا بمن يخضع لهم.
من القدس، نعرف معنى أن تتحول العبادة إلى ساحة صراع على الحق في الوجود. نعرف معنى أن يقف الفلسطيني أمام الحواجز ليصل إلى مكان صلاته، وأن يواجه خطر فقدان بيته، وأن يرى أرضه محاصرة، وأن تصبح حياته اليومية محكومة بقرارات القوة التي لا يملك التحكم فيها. ونعرف كذلك أن الكنائس المقدسية ليست هامشا في هوية المدينة، وأن المسيحي الفلسطيني ليس ضيفا على وطنه، مثلما أن المسلم الفلسطيني ليس مطالبا بالحصول على إذن من أحد كي يتمسك بمقدساته. فالقدس مدينة عربية فلسطينية، بهويتها المتعددة، وبمساجدها وكنائسها، وبأبنائها الذين لا يجوز أن يتحول اختلاف معتقداتهم إلى أداة لتفكيك وحدتهم أو الانتقاص من حقوقهم.
ولهذا، فإن الدفاع عن الكرك لا يتناقض مع فضح ما يجري في القدس، وإدانة الإرهاب التكفيري لا تقتضي الصمت عن عنف المستوطنين، كما أن رفض الاعتداء على المقدسات الإسلامية لا ينتقص من حق الكنائس في العبادة والأمان. على العكس، إن الموقف الأخلاقي الذي لا يتجزأ هو وحده القادر على كشف زيف المتطرفين، أيا كانت هويتهم أو الراية التي يحملونها. فليس من المقبول أن نستنكر قتل إنسان في جنازة ثم نتسامح مع اقتلاع عائلة من بيتها، أو أن نرفض الاعتداء على كنيسة ثم نصمت عن الاعتداء على مسجد، أو أن ندين التكفير حين يصدر عن جماعة متطرفة ثم نتغاضى عن خطاب ديني قومي يبرر إهدار حقوق شعب بأكمله.
إن بن غفير والتيار الذي يمثله لا يحتاجان إلى أن يتبنيا خطاب داعش حرفيا حتى نرى خطورة منطق الإقصاء الذي يحمله مشروعهما السياسي. فالمعيار ليس تطابق الشعارات، بل السياسات والممارسات والنتائج .. التحريض، وتغذية التطرف، وتوسيع دائرة الاستباحة، والتعامل مع الفلسطيني باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها أو إخضاعها. وحين تقترن هذه الرؤية بالقوة التي توفرها منظومة الاحتلال، فإن آثارها لا تبقى في حدود الخطاب، بل تمتد إلى حياة الناس وأرضهم وبيوتهم ومقدساتهم.
وفي المقابل، فإن مرتكبي جريمة الكرك لا يستطيعون الاحتماء بالدين لتخفيف مسؤوليتهم. لا عقيدة تمنحهم حق قتل المشيعين، ولا خلاف فكري أو ديني يحول الجنازة إلى هدف مشروع، ولا شعار مهما علا يستطيع أن يطهر اليد التي امتدت إلى الأبرياء. إنهم مسؤولون عن فعلهم، ويجب أن تكشف التحقيقات حقيقة ما جرى، وأن يخضع المسؤولون عنه للمحاسبة العادلة، من دون تبرير أو انتقام جماعي أو تحويل الجريمة إلى ذريعة لاستهداف الأبرياء مرة أخرى.
يا أهلنا في الكرك، إن القدس التي تتحدث إليكم لا تفعل ذلك من موقع الواعظ الذي لم يعرف الألم، بل من موقع المدينة التي تعرف كيف تتراكم الجراح، وكيف يحاول الخوف أن يتسلل إلى البيوت، وكيف يصبح الصمود اليومي دفاعا عن حق الإنسان في أن يبقى حيث ولد، وأن يصلي حيث اعتاد الصلاة، وأن يعيش من دون أن يكون وجوده نفسه موضع تهديد.
إن وجعكم ليس بعيدا عنا، وليس لأننا نريد أن نستعير مأساتكم لتأكيد مأساتنا، بل لأننا نرفض أن تتحول معاناة أي إنسان إلى تفصيل لا يعنينا. نحن لا نحتاج إلى أن تتشابه جراحنا حتى نتضامن، ولا إلى أن يتطابق مرتكبو الجرائم حتى ندينها. يكفي أن يكون هناك إنسان استبيحت حياته، أو أسرة سلبها العنف أمانها، أو جماعة استهدفت بسبب معتقدها، حتى يصبح الوقوف إلى جانبها واجبا لا يقبل المساومة.
لكن التضامن لا يعني الاكتفاء بالدموع. إنه يعني تسمية الجريمة، ومحاسبة مرتكبيها، ورفض الفكر الذي يمهد لها، ورفض كل محاولة لإشعال الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد. فلا تمنحوا القتلة فرصة أن يطلقوا رصاصتهم الثانية في قلب المجتمع، بعد الرصاصة التي أصابت أجساد الأبرياء. لا تسمحوا لهم بتحويل المسيحي إلى غريب في وطنه، أو المسلم إلى متهم بدينه، أو الاختلاف إلى خندق، أو العيش المشترك إلى هدنة هشة بين جماعات يخشى بعضها بعضا.
إن المجتمع الذي يسمح للقاتل بأن يحدد له من هو عدوه، يكون قد منحه انتصارا يتجاوز حدود الجريمة نفسها. أما المجتمع الذي يحمي ضحاياه، ويرفض الانتقام الجماعي، ويصر على العدالة، فإنه يسحب من القاتل قدرته على تحويل الدم إلى فتنة، والخوف إلى كراهية، والجريمة إلى مشروع لتفكيك المجتمع.
من القدس إلى الكرك، ومن المسجد الأقصى إلى الكنائس المقدسية، ومن البيوت المهددة في أحياء القدس إلى التجمعات الفلسطينية التي تواجه اعتداءات المستوطنين في عموم الضفة الغربية، لا بد من موقف لا يتلعثم أمام التطرف، ولا يساوم على حرمة الإنسان، ولا يسمح للأيديولوجيا بأن تصبح رخصة للقتل أو الاقتلاع أو الإذلال.
إننا أمام امتحان يتجاوز حدود التعاطف العابر. امتحان لقدرتنا على رفض التطرف حين يتحدث باسم الدين، ورفضه حين يتحدث باسم القومية، ورفضه حين يتسلح ببندقية فرد، أو حين تحميه قوة دولة، أو حين يتخفى وراء قانون وإجراء وسياسة. فالإنسان لا يفقد حقه في الحياة لأن قاتله يختلف معه، ولا يفقد حقه في وطنه لأن قوة تحتله تريد أرضه، ولا تصبح مقدساته مباحة لأن متطرفا يعتقد أن معتقده يمنحه سلطة على الآخرين.
سلام على أرواح الضحايا، وعلى أهلهم الذين يواجهون وجعا لا تستطيع الكلمات أن ترفعه عن قلوبهم. والعدالة لهم ليست دمعة عابرة ولا بيانا ينتهي أثره بانتهاء نشره، إنها حقيقة تكشف، ومسؤولية تحدد، ومحاسبة تتحقق، وضمانة ألا تتكرر الجريمة.
من القدس إلى الكرك، نقولها بوضوح .. لا قداسة لبندقية تقتل الأبرياء، ولا شرعية لفكر يكفر الناس ليبيح دماءهم، ولا حق لقوة تحتل الأرض أن تستبيح أصحابها ومقدساتهم. الداعشية التكفيرية والداعشية البن غفيرية، على اختلاف السياقات والوسائل، تلتقيان عند منطق يريد للآخر أن يخضع أو يختفي. ومواجهتهما تبدأ من رفض هذا المنطق، وتستمر بالعدالة والحرية والكرامة، وبإصرار الإنسان على ألا يسمح للقتلة، أيا كانت راياتهم، بأن يقرروا من يستحق الحياة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


