محاسن الإمام وكتابها (نضالات المرأة الفلسطينية)

10.10.2026 12:34 AM

كتب عمر رمضان صبره: (محاسن الإمام) ابنة القدس، والمرأة العربية الأصيلة التي حافظت على عروبتها، وناضلت من أجل مجتمع عربي خالٍ من التمييز والظلم، وكانت عنوان العطاء بلا حدود، فهي الصحفية والإعلامية المتميزة منذ السبعينيات، وهي الكاتبة وصاحبة التجربة الرائدة في عالم الصحافة والإعلام.

تقول في إحدى تغريداتها على (الفيس بوك) بتاريخ 4 حزيران2023 (أذكر تماما أول مقال كتبته في مثل هذا اليوم، كنت في الثانوية العامة في العام 1968، عن ذكرى النكسة، كم كنت متفائلة، وطلبت فيه أن نحول النكسة إلى تحد في النصر على العدو، وكبرت وبدأت أحلامي بالتلاشي، وها أنا بعد أن فقدت الأمل).
إنها صاحبة رؤية، ولديها رجاء واحد من الله - وهي المؤمنة بالله وبقضاياها التي ناضلت من أجلها.. تقول: (بقي لي رجاء واحد، من رب العالمين دون سواه، أن أصل إلى القدس وأمشي في شوارعها العتيقة، وأشم رائحة ياسمينها، وأشرب فنجان القهوة في بيت والدي، تحت شجرة الجوز التي امتدت جذورها فوق الأرض، وتشابكت أغصانها مع شجرتي الرمان والخوخ. أتساءل أنا العجوز التي جاوزت السبعين: هل بقي من العمر بقية؟ أأزورها بلا تصريح من كيان محتل؟ أأزورها رافعة رأسي دون حواجز ومتاريس؟ أأزورها دون خوذ وبنادق تمر من أمامي؟.. دون وجوه لئيمة تحدق في وجهي كأنني غريبة أو آتية من كوكب آخر؟..).
إنها المرأة المناضلة والكاتبة التي عبرت في كتابها عن نضالات المرأة الفلسطينية، وصاحبة السؤال الأهم في حياتها! ويظل سؤالها.. القدس قريبه! ولكنها.. بعيدة!
(محاسن الإمام) هي مؤسسة ومديرة مركز الإعلاميات العربيات في عمان في الأردن، والمتخصصة في الإعلام، وخبيرة قضايا المرأة في الشرق الأوسط، ورئيسة تحرير عدة صحف أسبوعية. وهي مستشارة تدريب إعلامي معتمدة من قبل منظمة اليونسكو، ورئيسة مجلس أمناء اتحاد الإعلاميين الحر، وقد كانت من بين أولى النساء المنتخبات في الجمعية العامة لاتحاد الناشرين الأردنيين.
ويعد كتابها (نضالات المرأة الفلسطينية) الصادر في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في طبعته الأولى في العام 2019 في 208 مائتين وثماني صفحات من القطع الكبير، مزينا غلافه بلوحة فنية هي صورة للمناضلة الفلسطينية (مهيبة خورشيد)، وبمقدمة على الغلاف الخلفي للكاتب (عامر طهبوب)، وسيرة ذاتية مختصرة للكاتبة.
الكتاب.. هو أحد كتابات النضال، وهو أقرب إلى التوثيق والمعرفة والتاريخ، فهو يوثق نضالات المرأة الفلسطينية في التاريخ الفلسطيني الحديث، بدءًا من العهد العثماني.. مرورًا بكل عهد من عهود فلسطين الطويلة حتى العام 2016.. فقد وثقت واقع المرأة في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والدور النضالي في مقارعة الاحتلالات المتتالية على فلسطين.. وثقت دور المرأة الشهيدة والجريحة والأسيرة.. وحالات تعذيبها وقمعها والتنكيل بها من الاحتلالين البريطاني وال.. وأوردت الإحصائيات لعدد الشهيدات والجريحات في الانتفاضة الأولى وما قبلها.
كما أفردت الكاتبة جزءًا مهمًا من الكتاب للتراث والفلكلور الفلسطيني المميز والأزياء الفلسطينية، أرفقته بمجموعة من الصور الفوتوغرافية المميزة للثوب المجدلاوي، والمقام والشرقي، والسبعاوي، والتلحمي، والمقدسي الملس، والثوب الدجاني، وغطاء الرأس، والسروال، وثوب الجلابية.
إن المرأة الفلسطينية عبر التاريخ الحديث هي امرأة مختلفة عن كل نساء العالم، فهي الأم الحنون، والأخت والزوجة والابنة، التي دفعت ثمنًا غاليًا نتيجة الاحتلال الغاصب، ونتيجة نضالها من أجل الحصول على حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ككل نساء العالم. وقد وثقت الكاتبة تجارب هذه المرأة المناضلة الجريئة المحاربة المدافعة عن الحق الفلسطيني، فدفعت الثمن غاليًا، ودخلت السجن وعذبت، وقدمت روحها، واستشهدت.
ولو أردنا أن نوثق كل التجارب النسائية النضالية لاحتجنا مجلدات.. فانتقت المؤلفة مجموعة ضمت المناضلات: أسمى طوبي، حلوة جقمان، ربيحه ذياب، زليخة الشهابي، زكيه شموط، سميحة خليل، سلافه جاد الله، طرب عبد الهادي، فاطمة غزال، مهيبة خورشيد، ناريمان خورشيد، دلال المغربي، لينا النابلسي، شاديه أبو غزالة.
ثم انتقلت إلى توثيق أحوال المرأة الفلسطينية خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000 إلى 2005 عبر تجارب العمل الفدائي والعسكري ويسميها البعض (عمليات استشهادية) وما قدمته من أعمال بطولية، دفعت فيها روحها (أغلى وأثمن ما يملكه الإنسان).. ويسميها البعض (عمليات انتحارية).. من وفاء إدريس.. إلى دارين أبو عيشة.. المعروفين بانتمائهم لكتائب شهداء الأقصى.. مرورًا بريم رياشي أول امرأة نفذت عملية استشهادية من خلال حركة حماس.. وهي بمثابة أول قبول من الحركة لمشاركة المرأة في العمليات الاستشهادية.
ثم انتقل توثيقها لانتفاضة السكاكين في العام 2015، ودور المرأة الريادي الدائم فيها.. مستشهدة بقول إحدى الفتيات على التلفاز (إحنا طلعنا اليوم عشان إحنا بفلسطين متعودين دايما يكون إيد الشب بأيد الصبية حينما يكون الموضوع لمقاومة المحتل والدفاع عن أرضنا).
وغردت الكاتبة حول تجربة فريدة مهمة للمرأة المرابطة في المسجد الأقصى ودورها النضالي هنالك.. مجسدة برفعها كلمة الله أكبر في رحابه المباركة حقيقة كونها جزءًا من (الطائفة المنصورة) التي أخبر عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك"، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: "في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).
وأوردت نماذج للمرأة المقدسية الرائدة التي لا يمكن أن تنسى.. مثل (أم كامل الكرد).. وهي نموذج مشرف للإنسان المتمسك بأرضه المدافع عن حقه.. إذ رفضت الإغراءات المالية والتهديدات العنصرية.. فقاومت المحتل دفاعًا عن العقيدة والدين والوطن، وهي صاحبة مقولة ( لن نرحل وسنبقى هنا، نحمي الأقصى والقدس).
ثم انتقلت الكاتبة المتألقة إلى الكتابة عن تجارب نسائية مميزة لنساء فلسطين اللاتي خضن تجارب إبداعية خلاقة ومميزة في عالم الأدب والكتابة، لا يمكن إلا أن تدرس وتكتب عنها المجلدات.. ابتداء من رائدة القصة القصيرة (سميرة عزام) مرورًا بسيدة الشعر الأولى في العالم العربي (فدوى طوقان).. وصولًا إلى تجارب إبداعية متنوعة بأشكال مختلفة مثل تجارب عصام عبد الهادي وسميره أبو غزاله.. إلى رائدة الخطابة مي زيادة.. والإعلامية فاطمة البديري.. والمصورة الاحترافية كريمة عبود.. ثم انتقلت إلى رائدات في النضال الفلسطيني مثل يسرى البربري، ومها أبو دية، وفاطمة البرناوي أول من أسست الشرطة النسائية في فلسطين.. إلى رائدة العمل الإنساني هند الحسيني مؤسسة دار الطفل العربي اليتيم التي تحتاج اليوم إلى مد يد العون لها وحمايتها.
ومن ليلي خالد.. إلى خنساء فلسطين الشاعرة رحاب كنعان.. إلى (عدوة السامية) كما سماها الاحتلال (أمية جحا) رسامة الكاريكاتير العالمية.
ومن السياسيات الخالدات د. حنان عشراوي.. إلى أول قاضية نسائية في المحاكم الشرعية خلود الفقيه..
وتبحر الكاتبة توثيقًا لشهيداتنا الأكرم منا جميعًا.. مثل هديل الهشلمون، ودانيا إرشيد، وهديل عواد، وثروت الشعراوي، وبيان العسيلي، ورشا عويصي، ومرام حسونة، وأشرقت طه، وهدى درويش، ونور ورهف حسان، وسماح أحمد، وكلزار العويوي..
ثم تحدثت عن التجربة النضالية للأسيرات اللاتي خضن معارك بطولية مع السجان.. من اعتقال، وترك للعائلة، وتعذيب، وعزل انفرادي.. إلى إضراب عن الطعام.. وتعذيب بكل صنوفه.
وقد وثقت بالأرقام وبالإحصائيات جزءا من معاناة الأسيرات المعتقلات في سجون الاحتلال، ولو أردنا توثيق هذه التجربة بكليتها لاحتجنا عشرات المجلدات.. فذكرت الكاتبة مجموعة من تجارب الحركة الأسيرة بدءًا من أول الأسيرات فاطمة البرناوي.. إلى أصغرهن ديما الواوي وملاك محمد يوسف.. إلى تجارب الأسيرات المحررات مثل أحلام التميمي.. إلى أسيرات الاعتقال الإداري تغريد أبو غلمه، وكفاح قطش، وعبير عودة .. إلى تجربة الأسيرة إسراء الجعابيص كتجربة اعتقال خاصة.. إلى عهد التميمي.. إن تجربة المرأة الفلسطينية في مقارعة الاحتلال تجربة فريدة قد لا يتكرر مثلها في التاريخ.
وتنتقل الكاتبة بعد ذلك كله.. إلى توثيق تجارب في العمل الإعلامي، فوثقت تجارب صحفية نسائية ناجحة جسدت دور المرأة الفلسطينية التاريخي في تطور الصحافة المكتوبة والتلفزة والإذاعة وصولًا لزمن الفضائيات والإنترنت.. فكانت المرأة حاضرة في كل المجالات الصحفية والإعلامية.. حتى وصلت إلى تجربة مراسلات الفضائيات بوجهها الأبرز الشهيدة الصحفية شيرين أبو عاقلة (الكتاب صدر قبل استشهادها).. وزميلتها جيفارا البديري..
وتختتم الكاتبة كتابها بفصل عن دور المرأة الفلسطينية في الثقافة والفن.. وهذه التجارب هي تجارب إبداعية متنوعة لا يمكن توثيقها في كتاب؛ بل إنها تحتاج لمجلدات.. فتورد لوحات فنية إبداعية للمبدعة زهيرة زقطان الكاتبة والروائية والفنانة التشكيلية المبدعة.
إنه كتاب يوثق تجارب المرأة الفلسطينية عبر التاريخ الحديث، ويعطي إضاءات مختصرة عن مجالات عدة.. إذ هنالك آلاف التجارب التي لم تذكرها الكاتبة.. هو كتاب يعطي إضاءات مختصرة على تاريخ المرأة الفلسطينية وحاضرها عبر المراحل المختلفة.
وفي تصريح صحفي للكاتبة عن هدفها من تأليف الكتاب قالت: " كانت غايتي عكس صدى صوت نضال المرأة الفلسطينية عبر التاريخ، إذ لم يتوقف نضالها ضد الاحتلال منذ البداية، وأنا أردت تعزيز دعمي للمرأة الفلسطينية من خلال تخليد دورها النضالي عبر التاريخ، منذ مائة عام، هذا الدور الذي ضحت من أجله بالكثير لتوجيه عنايتها وصوتها وطاقتها من أجل القضية، قضية الأرض والكرامة".

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير