الانتخابات التشريعية بين الاستحقاق الدستوري ومخاطر التأجيل

10.10.2026 12:14 AM

كتب د. توفيق حرزالله: التطورات والمؤشرات السياسية الأخيرة على المستوى الداخلي الفلسطينيي، تتجه على ما يبدو نحو تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/يوليو الماضي، على أن يُبحث تحديد موعد جديد في إطار الحوار الوطني الشامل بين الفصائل الفلسطينية، المرتقب انطلاقه في العاصمة المصرية القاهرة يوم الأربعاء القادم.


ويأتي ذلك بعد انتظار الفلسطينيين أكثر من عقدين منذ انتخابات عام 2006 لهذا الاستحقاق الدستوري الذي عُلّقت عليه الآمال في تجديد الشرعية واستعادة وحدة النظام السياسي، وإذا تأكد التأجيل، فإن السؤال لا يقتصر على مبرراته، بل يمتد إلى ضمان ألا يتحول الموعد الجديد إلى حلقة أخرى في سلسلة الاستحقاقات المؤجلة، وأن يشكّل الحوار الوطني مدخلاً عملياً للتوافق على آليات وأسس إجراء الانتخابات وضمان نزاهتها والقبول بنتائجها، لا محطة إضافية لتأجيلها وربما سيتحول عملياً الى إلغائها.


وتقدم تجربة عام 2021 مثالاً واضحاً على خطورة الفجوة بين الإعلان عن الانتخابات واستكمالها، فقد صدر المرسوم الرئاسي في 15 كانون الثاني/ يناير من ذلك العام داعياً إلى إجراء الانتخابات التشريعية في 22 أيار/ مايو، تليها الانتخابات الرئاسية في 31 تموز/يوليو، الذي جاء بعد حوارات وطنية أفضت إلى تفاهمات بشأن عدد من المتطلبات السياسية والقانونية والتنظيمية، شملت الحريات العامة، وضمان نزاهة العملية الانتخابية، واحترام نتائجها، ومعالجة الخلافات ذات الصلة بها، وعلى ضرورة إجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة دون استثناء، وعلى قواعد تتصل بالمحكمة المختصة بالنظر في الطعون الانتخابية وبحرية العمل السياسي، غير أن الإنتخابات أُجّلت بقرار صدر في 30 نيسان/ أبريل 2021، في ظل تعذر ضمان إجرائها في القدس الشرقية بفعل القيود الإسرائيلية.


طبعاً لا يمكن التقليل من أهمية القدس الشرقية أو تجاهل القيود التي يفرضها الاحتلال على الحياة والأنشطة السياسية والإنتخابية فيها، ومنع لجنة الإنتخابات المركزية وطواقمها الفنية من الوصول إليها، وعرقلة مشاركة الناخبين والمرشحين، فمشاركة المقدسيين في الانتخابات مسألة وطنية وسياسية جوهرية، وليست تفصيلاً إجرائياً، هذا ناهيك عن القيود والعراقيل التي ستواجه تنظيم الإنتخابات في قطاع غزة الذي لا يقل أهمية عن القدس الشرقية - لا سيّما - في ظل إستمرار الحرب والدمار والقيود المفروضة على حركة المواطنين

والأوضاع الأمنية والإنسانية الصعبة، إضافة الى ذلك، التحديات التي تواجه إجراء الإنتخابات في ظل وجود مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة والوظائف والصلاحيات المسندة اليهما بموجب خطة الرئيس الأمريكي " ترامب " لإنهاء الحرب في قطاع غزة التي أعلنها في 29 سبتمبر / أيلول 2025م وأيدها مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 2803 الصادر في 17 نوفمبر / تشرين الثاني 2025م، غير أن هذه العراقيل والقيود، مهما بلغت صعوبتها، يجب ألا تتحول إلى سبب دائم لتأجيل الانتخابات، وترك مستقبل العملية الديمقراطية رهناً بالعراقيل وبحق النقض « فيتو» الإسرائيلي المعطّل لإجراء الإنتخابات.


إن تكرار التأجيل يضعف ثقة المواطنين بجدية الوعود السياسية، ويعمّق أزمة الشرعية والتمثيل، وقد يؤدي مع مرور الوقت إلى اتساع فجوة العزوف عن المشاركة، كما أن استمرار غياب المجلس التشريعي المنتخب يفاقم اختلال التوازن بين السلطات، ويضعف الرقابة البرلمانية والمساءلة، ويُبقي النظام السياسي أمام أزمة تمثيل لا يمكن معالجتها بمجرد التأكيد على شرعية المؤسسات القائمة، فالشرعية ليست مفهوماً ثابتاً ينفصل عن الناس، بل تتطلب تجديداً مستمراً من خلال آليات دستورية وديمقراطية.


وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في ظل الانقسام الفلسطيني، الذي لم يقتصر أثره على الفصل الجغرافي والمؤسسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل إمتد إلى بنية النظام السياسي ووحدة القرار الوطني، وأثار أسئلة جوهرية بشأن التمثيل والمساءلة وإدارة الخلافات، طبعاً إجراء الانتخابات لا يشكل حلاً سحرياً لكل هذه الأزمات، لكنه يتيح مساراً ديمقراطياً لإعادة بناء المؤسسات على أساس الإرادة الشعبية، ويمنح المواطنين فرصة اختيار ممثليهم ومحاسبتهم، بدلاً من استمرار الخلاف على الشرعية والتمثيل خارج صندوق الاقتراع.


وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحوار الوطني الشامل بين الفصائل الفلسطينية، ليس باعتباره بديلاً عن الانتخابات أو شرطاً مفتوحاً يمكن تعليقها عليه، بل باعتباره وسيلة لتوفير البيئة السياسية والقانونية اللازمة لإجرائها وضمان احترام نتائجها، وقد شهدت السنوات الماضية محطات متعددة من هذا الحوار، في القاهرة وموسكو وبكين، إلى جانب لقاءات واتفاقات وطنية أخرى، ما يعني أن الحوار المرتقب في القاهرة يوم الأربعاء المقبل لا ينبغي أن يبدأ من الصفر، أو أن يعيد فتح جميع الملفات كما لو أن الفصائل لم تجلس إلى طاولة واحدة من قبل.


ولعّل محطة بكين، تُعد من أبرز المحطات في هذا المسار، فقد شهدت في الفترة من 21 إلى 23 تموز/ يوليو 2024 مشاركة أربعة عشر فصيلاً فلسطينياً، وتوقيع " إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية "، وقد أكد الإعلان وحدة الصف الفلسطيني، ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل

الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والتوجه نحو تشكيل حكومة توافق وطني مؤقتة، وتولي الفلسطينيين إدارة شؤونهم، والعمل على إعادة إعمار قطاع غزة، والتحضير لإجراء انتخابات عامة وفق القوانين المعتمدة، وبذلك لم يقتصر إعلان بكين على التعبير عن رغبة عامة في المصالحة، بل تضمن مبادئ وتوجهات عملية تمثل أساساً يمكن الانطلاق منه في أي جولة حوار لاحقة.

وهنا تبرز المسألة الجوهرية التي ينبغي أن تحكم الحوار الوطني الشامل المرتقب في القاهرة : ليس المطلوب إعادة إنتاج البيانات السابقة أو استهلاك الوقت في استعراض المواقف التي سبق أن نوقشت، بل مراجعة ما تم التوافق عليه، وتحديد ما نُفّذ منه وما بقي معطلاً، وتفسير أسباب التعثر، ثم الاتفاق على خطوات محددة وآليات ملزمة للمتابعة، فالتوافقات التي تحققت في القاهرة وموسكو وبكين تشكل رصيداً سياسياً ووطنياً لا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد وثائق أرشيفية، بل ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق لأي مسار جاد نحو إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي جغرافياً ومؤسسياً.

ولا يعني ذلك الادعاء بأن جميع الخلافات قد حُسمت، أو أن الاتفاق على المبادئ يكفي وحده لإنجاز المصالحة، بل من المؤكد أنه ما زالت هناك قضايا تحتاج إلى معالجة سياسية وقانونية ومؤسسية، وتحتاج بعض التفاهمات إلى توضيح آليات تنفيذها والجهات المسؤولة عنها والجدول الزمني اللازم لذلك، غير أن وجود هذه المسائل لا يبرر العودة إلى نقطة البداية، بل يجعل الحاجة أكثر إلحاحاً إلى اعتماد ما سبق التوافق عليه مرجعية مشتركة، ثم حصر الخلافات المتبقية ومناقشتها بصورة محددة، بدلاً من توسيع جدول الأعمال إلى حد يُحوّل الحوار إلى عملية مفتوحة بلا نهاية واضحة.

ومن هنا، فإن نجاح حوار القاهرة يجب أن يُقاس بقدرته على الانتقال من التوافق السياسي العام إلى التنفيذ، وهذا يتطلب جدول أعمال واضحاً، ومراجعة صريحة لمخرجات الحوارات السابقة، وتحديداً للمسائل التي تحتاج إلى توافقات وقرارات جديدة، مع وضع مواعيد زمنية وآلية متابعة ومساءلة تضمن عدم بقاء الاتفاقات رهناً بالتقديرات السياسية المتغيرة.

ويجب أن يحتل الاستحقاق الانتخابي موقعاً واضحاً في هذا المسار، فالحوار مطلوب لضمان الحريات العامة، وتكافؤ الفرص، واستقلال عمل لجنة الانتخابات المركزية، وحياد الأجهزة المكلفة بتأمين العملية الانتخابية، ووجود آليات قضائية موثوقة للفصل في الطعون، وضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، أما القضايا السياسية الكبرى التي لا يتوقف إنجاز الانتخابات عليها بصورة مباشرة، فيمكن مواصلة بحثها ضمن مسارات موازية، بدلاً من جعل الاتفاق على كل تفصيل من تفاصيل المشروع الوطني شرطاً مسبقاً لممارسة المواطنين حقهم في اختيار ممثليهم.

وتفرض تجربة التأجيل في عام 2021 ضرورة الاستعداد المبكر للعقبات المتوقعة، وفي مقدمتها القيود والعراقيل الإسرائيلية على المشاركة السياسية في القدس الشرقية، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالأوضاع في قطاع غزة، فلا يكفي أن تتفق الفصائل على ضرورة إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية، بل إنتزاع الحق في إجراء الإنتخابات وتحويله الى ساحة إشتباك سياسي، والإتفاق أيضاً على إعداد الخطط والبدائل للتعامل مع أي عرقلة أو قيود من قبل سلطات الإحتلال الإسرائيلي وعلى وسائل قانونية وسياسية ودبلوماسية منظمة ومدروسة، تضمن أوسع مشاركة ممكنة للمواطنين في القدس وقطاع غزة، للحؤول دون أن تتحول تلك العراقيل والعقبات إلى خلاف داخلي جديد يؤدي إلى تعطيل الاستحقاق الإنتخابي بأكمله.

إن الحوار الوطني الشامل يكتسب قيمته من حسن النوايا ومن قدرته على تحويل التوافقات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، والاستعداد لتقديم التنازلات المتبادلة، والقبول بقواعد سياسية مشتركة تحفظ وحدة النظام السياسي، وتلزم الجميع باحترام نتائج الانتخابات، والاحتكام إلى إرادة الشعب عبر صندوق الإقتراع في حسم التنافس على التمثيل والسلطة.

وفي المُحصلة، فإن الانتخابات التشريعية الفلسطينية تظل استحقاقاً دستورياً ووطنياً لا ينبغي أن يبقى معلقاً إلى أجل غير معلوم، كما أن الحوار الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى مسار بديل عنها أو إلى شرط يتجدد كلما اقترب موعدها، والمطلوب اليوم أن ينطلق حوار القاهرة من رصيد التفاهمات التي راكمتها الحوارات السابقة، وفي مقدمتها إعلان بكين، وأن يركّز على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، واستكمال ما بقي من مسائل عالقة، وتحديد المسؤوليات والمواعيد والضمانات اللازمة، وفي حال تم التوافق على التأجيل الذي لا يجب أن يتعدى الستة أشهر على الأكثر، فإن الحد الأدنى المطلوب هو إعلان أسبابه بوضوح، وتحديد موعد جديد بصورة رسمية، ووضع جدول زمني ملزم للتحضير، مع ضمان ألا يصبح التأجيل مفتوحاً أو مرتبطاً بتوافقات يصعب إنجازها عندها فقط يصبح الحوار جسراً نحو استعادة الوحدة والتغيير الديمقراطي وتجديد الشرعيات وإصلاح المؤسسات، لا محطة إضافية في مسار طويل من التفاهمات والتوافقات المؤجلة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير