العمل عن بُعد في مواجهة البطالة

كيف أسس "دهمان" شركةً رأس مالها حاسوبٌ متهالك؟

05.02.2020 03:22 PM

غزة- وطن- فاطمة زكي أبو حية:
في غرفة طفليه، وجد الحل لأزمة الديون المتراكمة عليه، فاستعان بمكتب الصغيرين، وجهاز الحاسوب المتهالك، وبدأ مشروعه الجديد دون إخبار أحد، ليتجنب الإحراج إن فشل كما في تجاربه السابقة، لكنه كان أكثر اطمئنانا هذه المرة، فالمشروع ينطلق دون رأس مال، ولا أسف إن فشل.


"محمد دهمان"، شابٌ عانى كأبناء جيله في قطاع غزة بُغية الحصول على عمل يوفر له حياة كريمة، تنقل بين وظائف مختلفة، وأسس عدة مشاريع صغيرة، كانت حصيلتها خسائر بلغت 30 ألف دولار أمريكي، حتى اهتدى لفكرة "العمل عن بُعد"، وجد سوقًا يتسع لكل من يملك مهارة ويُجيد تسويقها، فانطلق فيه حتى صار صاحب شركة توفر وظائف لعشرات الشباب في غزة ودول عربية أخرى.

غزة المحاصرة منذ أكثر من 12 عاما، لم تعد قادرة على توفير وظائف تكفي لأبنائها، فكان الإنترنت ملجأ لمواجهة البطالة، حمل الشباب، ذكورًا وإناثا، بضاعتهم من المهارات والإمكانيات، وسوقوها من خلال هذه الشبكة، فوجدوا فرص عمل تمنحهم الحياة الكريمة، نماذج النجاح الكثيرة في سوق العمل عن بُعد كانت سببًا في ازدياد الإقبال عليه، حتى أن البعض يستعد له مبكرا، باختيار تخصص جامعي يتناسب مع احتياجات هذا السوق.

 

العودة للمهارات

دهمان (38 عامًا) حصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال عام 2004، عمل في أكثر من مؤسسة خاصة وحكومية، دخل عالم التدريب، وفيه وجد متعته، لكنه لم يحصل الدخل المناسب، فكان لزامًا عليه أن يجد حلًا لوضعه الاقتصادي.

الحلول البديلة التي جرّبها بين 2010 و2014 كانت عبارة عن أربعة مشاريع فاشلة، لكنه يسميها "دورة تدريبية"، فمن خلالها تعلم ما أوصله لما هو عليه الآن، وفي 2015 قرر العمل فيما يتقن، بالاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول دهمان: "وجدت في نفسي القدرة على تصميم العروض التقديمية باستخدام برنامج (بور بوينت) بشكل مميز، فأنشأت صفحة على موقع فيسبوك باسم (مصمم عروض تقديمية)".

ويضيف: "الطلب الأول وصلني بعد شهر واحد، من مؤسسة سعودية، أنجزته ونال إعجاب المؤسسة، ولم أتمكن من تحديد القيمة المالية لعملي، فأخذت أسأل معارفي حتى توصلت لمبلغ 50 دولارا".

ذلك المبلغ الأول، الخمسون دولارا، احتار في كيفية إنفاقها، كان لها طعمٌ خاص، لم تمحُه كل المبالغ التي حصل عليها لاحقا.
الطلب الثاني كان من مدرّب يريد "حقائب تدريبية"، ورغم أن دهمان مدرب أصلا، إلا أنه لم يعرف كيف يصمم تدريبًا لغيره، فبحث وتعب، حتى أتم المطلوب على أكمل وجه، ثم قرر أن يعرض خدمة إعداد الحقائب التدريبية، إلى جانب خدمة تصميم العروض التقديمية.

خلال أقل من ثلاثة أشهر، حصل دهمان على خمسة مشاريع، وكان هذا الرقم مؤشرا على حاجة السوق لخدماته، فقدّم نفسه على أنه شركة.

استمر العمل بالتحسن، حتى زاد عن طاقة دهمان، فاستأجر مكتبًا، واختار موظفتين لمساعدته.
أخذ العمل يتوسع، فغيّر مكانه مرتين، واستقبلنا في المقر الجديد الذي يعمل معه فيه أربعة إداريين، ومعهم العاملون بنظام المقطوعة الذين يزيد عددهم عن العشرين.

بعدما كان دهمان يجوب الإنترنت بحثا عن عمل، ها هو اليوم يبحث من خلاله عن موظفين لشركته، وأحيانا يقع اختياره على أشخاص من دول عربية أخرى، يتواصل معهم عبر الإنترنت، يكلفهم ببعض المهام، ثم يستقبل منهم الأعمال، وأخيرا يحوّل لهم الأموال، يتصرف معهم كما كان يفعل في بداياته، ولكن هذه المرة بصفته صاحب عمل لا طالباً له.

دهمان الذي بدأ عمله بلا خطط، يعرف جيدا اليوم في أي اتجاه يسير، وعلى هذا الأساس أدخل خدمات جديدة، مثل مساعدة المؤثرين في جمع تغريداتهم على مواقع التواصل في كتب.

ارفع يدك وانطلق

في رحلة النمو، كان التحدي الأول الذي واجهه دهمان غريبًا، فالشاب الذي أرهقه البحث عن عمل، يواجه مشكلة تتمثل في كثرة الأعمال بدرجة تهدده بالفشل إن لم ينجزها.

يقول: "أول التحديات كان توسيع العمل، والثاني تشكيل فريق العمل، ففي البداية لم أكن أعرف كيف أختار العاملين معي"، ويضيف: "وجودنا في غزة، يضعنا أمام تحديات مختلفة، هي خوف بعض المُشغّلين من التعامل معنا، وصعوبة تحويل الأموال، لذا نحن بصدد توقيع اتفاق شراكة مع مدربة إماراتية لتصبح شركتنا مرخصة من دولة الإمارات".

بينما يتحدث دهمان عن العمل في الظروف الغزية، انقطع التيار الكهربائي، ليذكره بالأزمات التي تهدد سير العمل في أي لحظة، مثل الحروب وانقطاع الكهرباء، يضع لها خططا بديلة، لكنه لا يضمن نجاح تلك الخطط دومًا، كما لو اندلعت حربًا طويلة ضد قطاع غزة مثلاً، في المقابل ، يؤكد دهمان: "لولا الصعوبات التي نعيشها، ما كنت لأؤسس هذا العمل الذي أعيش منه أنا والعشرات ممن يعملون معي".

تلك النظرة الإيجابية للتحديات تخصّ دهمان فقط، إذ يقول: "الدائرة القريبة مني لم تؤمن بالعمل عن بعد، حين كنت موظفاً حكومياً لم أجد أي اعتراض على خياري، وعندما استقلت ادعيّت أنني في إجازة، ولما استقر عملي أخبرت القريبين مني بأمر الاستقالة من الوظيفة، فثار غضبهم، وظلّوا رافضين فعلتي، وذلك الى أن بدأت الشركة تحقق دخلا واضحا".

إصرار دهمان على العمل عن بعد رغم الاعتراضات، نابع من قناعته بأفضلية هذا الخيار مقارنةً بالعمل المحلي، من حيث الدخل، ومن حيث حاجة السوق لخدمات غير مطلوبة محليا، ناهيك عن المتعة التي يجدها اذ انه يمارس عملا يحبه.

في مقابل هذه الإيجابيات، ثمة سلبيات يواجهها دهمان، أبرزها القلق المستمر لكون العمل غير دائم، إضافة إلى مشاكل تحويل الأموال.

بعد أربع سنوات من العمل عن بعد، يحثُّ دهمان الشباب على دخول هذا السوق، يقول: "ارفعوا أياديكم، وأعلنوا عن مهاراتكم دون تأخر"، كما أنه يوجه نصيحة لكل شاب ذي كفاءة متميزة، بالقول: "ابدأ فورا، لا تتردد في استخدام أي مهارة مهما ظننتها بسيطة، كالطباعة مثلا، حدد مهاراتك وطوّرها، شريطة أن تركّز في اتجاه واحد، إياكَ أن تجري خلف كل ما يحتاجه السوق، اعرف كيفية الوصول لزبائنك وتكوين العلاقات معهم، وكُن نشِطًا على مواقع التواصل، وحذارِ من استعجال النتائج، فبلا شك ستتعب في بناء اسم قبل الحصول على المال".

ولمزيد من التشجيع، يخبر دهمان الشباب أن ثمة فوائد شخصية من هذا العمل، يوضح: "بفضله اكتشفت قدرات لم أتخيل يوما أني أتمتع بها، وعلمني مهارات مختلفة، وفتح لي آفاقًا جديدة لكوني أحتك بأشخاص من دول عدة".

الحصارُ ميزةً

أغلب العاملين عن بعد في القطاع يعملون بشكل فردي مع المشغلين، لكن عددا منهم سلكوا الطريق الذي سلكه دهمان، أولئك أتقنوا اقتناص الفرص، فتراكمت في ملفات حواسيبهم مشاريع عمل تفوق طاقاتهم على اتمامها، حينها تحولوا إلى وسطاء بين أصحاب العمل في الخارج والباحثين عنه في الداخل، ومنهم من أسس شركات وسيطة.

التجربة الأولى في غزة لتسهيل الوصول لسوق العمل الخارجي، كانت شركة "اعمل بلا حدود"، بدأت بثلاثة موظفين فقط عام 2006، واليوم يتجاوز عدد العاملين فيها المئة، عدا عن مئات الموظفين الذين غادروها بعد تأسيس شبكة علاقات مع أصحاب الأعمال في الخارج، وبعضهم خرجوا على شكل شركات ناشئة.

مدير الشركة المهندس علاء الشرفا، يقول: "العمل عن بعد يمكن أن يمثل حلّا لمشاكلنا الاقتصادية، ففيه فرص غير محدودة، والمنصات الخاصة به سهّلت الأمر كثيرا"، ويضيف: "الفرصة في هذا السوق موجودة دوما، والاستفادة منها تستوجب توفر الإمكانيات، والقدرة على تسويق الذات".

ويشير إلى أن التخصصات المطلوبة فيه غير محدودة، ويتصدرها ما يرتبط بتكنولوجيا المعلومات، لافتا إلى أن أي تخصص يمكنه دخول هذا السوق إن طوّع التكنولوجيا لصالحه، مثل "الأداء الصوتي".

ينصح علاء الشرفا كل راغب بخوض التجربة، بالقول: "ثِق بنفسك، وتخصص في مجال واحد، وانشر أعمالك، وطوّر مهاراتك في التواصل وتكوين العلاقات، وستحتاج اللغة الانجليزية إن اتجهت لسوق غير عربي".

يقول الشرفا إن بعض المشغلين يفضلون العمل مع الفلسطينيين لأسباب مختلفة، على رأسها "السمعة الجيدة التي اشتهر بها الفلسطينيون العاملون في دول الخليج العربي، ثم جودة المنتج، وانخفاض الأجور مقارنة بمناطق أخرى".

من المفارقات في ميدان العمل عن بعد، أن الحصار تحوّل الى عامل مشجع على اختيار الغزيين، هذا ما قاله أحد أصحاب العمل للشرفا، وينقل عنه الشرفا قوله: "غزة مغلقة، لذا لن أخسر الموظف بعدما يكتسب الخبرة في مؤسستي، لأنه لن يجد عملا آخر".

لا يجد الشرفا في العمل عن بعد سوى عيبٌ واحد، هو في الأصل ميزة إن نظرنا له من زاوية أخرى، وهو الحاجة لمواكبة العلم والتطور. أما عن مشكلة عدم توفر الأمان الوظيفي مقارنة بالوظائف المحلية، وخاصة الحكومية، فيؤكد: "إمكانيات الفرد تضمن له الأمان الوظيفي، فالعمل سيأتيه دون أن يبحث عنه".

العمل في غزة بالأرقام

وفقًا لأحدث إحصائية أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في الفصل الأخير من العام 2019، فإن معدل البطالة في قطاع غزة يفوق المعدل بالضفة الغربية بثلاثة أضعاف. بحسب الإحصائية ذاتها، فإن نسبة البطالة في القطاع بلغت 44.9%، بواقع 66.5% بين الإناث، و38.6% عند الذكور.

تنتشر البطالة بين الحاصلين على سنوات دراسة تزيد عن 13 بنسبة 47.8%. أما في اطار التصنيف بحسب التوزيع العمري، فتبين الإحصائية ان البطالة بلغت 67.5% لمن تتراوح أعمارهم بين 20 و 24 عاماً، و57.6% للفئة العمرية بين 25 و29 عاماً، أما العاطلين عن العمل في الفئة العمرية ما بين 30 و34 عاماً فتبلغ 44.4%.

تجدر الإشارة أخيراً إلى عدم توفر إحصائيات حول عدد العاملين عن بعد في القطاع.

تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي".

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير