المرأة في الاسلام المعاصر بين التقليد والتبعية

08.06.2016 06:13 PM

 

كتبت : نادية حرحش

تبدأ مع رمضان الفتاوي المختلفة المتعلقة بمختلف شؤون الحياة ، وتشغل المرأة اطياف المجتمع في أمورها من عبادات تبدأ بالحجاب وتنتهي بالعلاقة الزوجية . وفيما بين الفتاوي التي تشغل المرأة والمجتمع تقف أمور اخرى تنطوي تحت طائلة النوافل .

وتتسارع المرأة والمجتمع نحو فتاوى تقربها من الله اكثر في الاقتضاء برسوله والصحابة والمقربين من أهل البيت . وبين طاعة عمياء لله أولآ والزوج ثانياً، تستطيع المرأة أن تحيى حياتها كما أرادت في كنف مجتمع ذكوري ساعدت هي طوعاً أو قصراً ، وعياً أو غشياً بالسعي للمحافظة عليه . فالمرأة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة تركت والمجتمع شأن الدين للشيخ والفقيه سواء تعلمت وحصلت على مختلف الشهادات والتحصيلات العلمية والاكاديمية أو اكتفت بمراحل معينة من التعليم تكفيها للحصول على فرصة لزواج أفضل .

فالحلال والحرام بيّن والبت فيه من شأن الفقيه والمفتي .

فبينما تنشغل المرأة المسلمة اليوم بأمور الحقوق والمساواة ، شأنها بذلك شأن المرأة المعاصرة في مختلف أرجاء العالم ، لا تزال المرأة المسلمة تعيش وراء حجاب يغطي رأسها وعقلها عن أمور الدين الاسلامي الحقيقي الذي أراده الله عن طريق نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. فاكتفت المرأة بالأخذ بما يملى عليها من واجبات اقتنعت بأنها عبادات وحقوق اعتبرتها امتيازات ، وكأنها مخلوق تبعي منقوص العقل والتعقل . فكيف لا ولقد قيل لنا على لسان الله ورسوله(على حسب الشريعة) بأننا ناقصات العقل والدين.

نمسك القرآن بالشهر الفضيل ونقلب صفحاته سعيا وراء ختمه مرة أو مراراً من أجل أجر عند الله ، وتسارع النساء منا بالإكثار من العبادات من صلاة ونوافل ونردد الشعائر والشعارات من عبادات تربينا عليها ونشأنا على ترديدها حتى أصبح الله فينا متلازمة لا خالقا.

فعبادتنا  هوس بخالق ، نسعى للوصول إليه من خلال عبادة نرددها وندّعي الإيمان بها من دون إيمان حق وخالص لذلك الباري .

نسجد ونركع ونبتهل إليه خاشعين باكين راجين ولا نعرف منه إلّا ما يرهبنا . نقول عنه رحمن رحيم ونخشاه خشية الحاكم الطاغي. 

نصوم بهذه الأيام عن الطعام ونجوّع بطوننا كما هو حالنا طيلة أيًام السنة من جوع ثقافي إسلامي حقّ وحقيقي . فنردد عبادات قيل لنا أنّها من الله ورسوله ولا نستطيع نقاشها أو التفكير فيها . فهي من المسلّمات فإمّا نكون في تصرفاتنا في المنجيات أم المهلكات من التصرفات . فأقبل أنا المرأة المسلمة طوعا وهونا في سبيل رضى الله أن يقوم زوجي بضربي اذا ما أزعجته . وإذا ما كان ظالما فثوابي أجر محفوظ لدى الله. ولي من الطلبات ما يمكن أن يتكرم علي ّبتقديمها لي . عليّ حق الطاعة وعليه تلبية رغباته التي يستطيع اليها سبيلا . فهو بالنهاية الرجل الذي أمرت بعبادته إذا ما خيّرت بعبادة بعد عبادة الله . وللرجل الحق في الزواج من مثنى وثلاث ورباع وإن لم تكفيه أربعتنا فله ما رغب فيه من ملك يمينه . ومن تطوّر من الرجل المسلم منا يكون ذلك المتمدن الذي اختار بأخلاقه العظيمة التّنازل عن حقوقه التي وهبها الله له . فنكتفي نحن معشرالنساء بالدور الوجودي بكوننا أمّهات ونشكر التطور الذي سمح لنا من خلاله الرجل بالعمل والتعليم . ونكتفي بأدوار في معظمنا ثانوية لا ترقى لدرجة القيادة او المسؤولية الكبيرة ، فنحن في نهاية الأمر مكسورات الجناح ، ناقصات العقل .

وبينما نصرّ بأننا نتبع الله والرسول في عباداتنا التي ندعي ممارستها ونمارسها بكل جدّ بإخلاص أو رياء ، فإنّ الله ورسوله بريئون ممّا نمارسه وندّعيه من عبادة المرجوّ منها الوصول إلى رضى الله وتقواه هي طريقنا إلى الإنسانيّة المترفّعة عن غوغاء الأرض . فالعبادات التي نمارسها لا تخرج في أحسن أحوالها عن مدرستين قررنا بجهل مرصوص كالبنيان المصفّح ألّا نخرج عنهما ، بينما نتّبع بلا معرفة حقيقة، أحد أربع مذاهب وخامس شيعي قررنا نحن معشر السنة بإسقاطه عبر الزمن الذي نسينا في مرورنا منه أنّ علياً رضي الله عنه كان أعز الناس للرسول الكريم وزوج أحب بناته وجد أبنائه، ومشينا مع الزمن وراء معاوية بن أبي سفيان ورفعنا القرآن على السيف بناءا على نصيحة عمرو بن العاص وصرنا سنة وشيعة وخرج فيما بينهما طفراً وقرفاً ربما الخوارج. فكفروا بتزمتهم وأجرموا بحق دينهم وأبنائه .

وانشغلنا بتكفير كل من خرج عنا فالخوارج أخرجونا من الملة ونحن أخرجناهم من ملتنا الصادقة والوحيدة . وكفّرنا الشيعة وما خرج عنها  في سرّنا وعلننا إلى اليوم .

وبينما نحن منشغلون بمن هم خوارج منا اكتفينا بأن نشكل مفاهيم الإسلام  فينا من مدرسة الغزالي الذي تبنى الأشعرية وتمنى الوصول الى الصوفية . مدرسة نادت ببعض الفكر والتفكر والنقد والتأمل فيما يخرج من تأويل وتفسير ، ومدرسة زهدت بأمور الدنيا وتفرغت بحب  ( الرجل ) لله .

وفريق آخر منا لم تعجبه المساحة في التحليل والتأويل واكتفى بما ظهر من القرآن وأهل الرأي من الحديث بدأها ابن حزم (المدرسة الظاهرية) وتبناها فيما بعد ابن تيمية .
فالغزالي للمطلع العادي منا هو شافعي أوّلا . فهنا نستطيع تقسيم أنفسنا في أحد المذاهب الأربعة . وأشعريّ المدرسة التي بدأها الحسن البصري، وصوفيّ الهوى .
أمّا ابن تيمية فهو حنبليّ المذهب ظاهريّ المدرسة . وكلاهما اتفقا على ضحد الفلسفة وتكفير أتباعها على الرغم من تأكيدهم على ما جاؤوا به من علوم غيرت مظاهر العالم وتفكيره.

وفي خطوة متسارعة إلى  هذا الزمن ، تبنى حسن البنّا المدرسة الأشعرية وكان الغزالي إمامه الروحي .فيما نهجت الأزهر على المدرسة الأشعرية  التي خرجت الاخوان المسلمون والتحريريون وغيرهم.
فيما خرج محمد عبد الوهاب في السعودية وكان إمامه الروحي ابن تيمية والمدرسة الظاهرية وخرجت منه المدرسة السلفية التي خرجت القاعدة وداعش وغيرها.

وَمِمَّا لا شك فيه ، عظمة ما قدمه علماء أجلاء كالغزالي وابن تيمية . فالفكر الإسلامي الحديث لم يكن لولا تلك الجماعات من العلماء والفقهاء الذين اثروا وبصدق التراث الإسلامي ومنهجوه . فما قدمه الغزالي من كتب في الفقه والعلوم الدينية يعتبر من أعمدة التراث الإسلامي . وابن تيمية كان عالما وفقيها وقاضي وساهم مساهمات أثرت الفقه الإسلامي  من خلال العشرات من الكتب التي تشكل عمودا آخر في الفقه الإسلامي .
ولا يخلو الفقه الاسلامي من العشرات من الأسماء الخالدة في التشريع و الفقه والعلوم الإسلامية المختلفة من تفسير وتأويل . فما من مسلم لا يعرف البخاري ومسلم . فهما من أعمدة نقل الحديث وما نردده عنهما يعتبر من أعلى درجات الصحة في الحديث . والإمام ابي حنيفة والشافعي ومالك واحمد بن حَنْبَل .
وطبعا هناك من نقل عنهم الأحاديث من الصحابة كأبي هُريرة وغيره ... فالويل لمن يفكر منا بالتشكيك بصحة ما نقلوه وما أكدوا على صحته . فأولئك اجتهدوا لنرتاح نحن لا لنشكك ونتساءل . وتناسينا بجهل او معرفة انهم خرجنا من زمن كان السباق العلمي في شأن الفقه والتشريع كالحرب التي نشهدها اليوم بين اطياف المسلمين . إلا أن قتالهم كان يحدد نصره أو هزيمته سلاح القلم والمحاججة والمعرفة والإجتهاد . كانت صراعاتهم على أوجهها بين صفائح مخطوطاتهم وكتاباتهم . اختلفوا فتحاججوا ولم يقتلوا بعضهم الآخر ولم يستهزئوا عنوة بل كرّسوا طاقاتهم في إثبات أفكارهم وإيماناتهم . لذا تَرَكُوا لنا كل هذا الكنز من الكتب التي لا نزال نكشف النقاب عنها .

إلّا أنني أتوقف عند الغزالي وابن تيمية تحديداً وذلك لأنهما لا يزالان حاضران معنا بعد ما يزيد عن ثماني قرون من رحيلهما . وكلاهما يشكلان ما يشبه المعبر الذي نستطيع من خلاله الاتطلاع على ما أمرنا الله به ورسوله . فهم علماء اجلاء قاموا بكل الأمور الفقهية من دراسة وتنقيح وفهم ووفروا علينا عناء البحث والتنقيب . فهم الأدرى بالصحابة والاحاديث بتواتراتها من صحيح وضعيف وغيره من أمور بحثية تقتصر في فهمها على العلماء والفقهاء . على الرغم من أنهم كانوا على بعد أكثر من خمسة قرون عن زمن الرسول والصحابة .

وَمِمَّا لاشك فيه أن ما قام به السابقون للغزالي وابن تيميه في القرون السابقة من تجميع لما اصبح يعرف بالفقه والتشريع كنز في التراث الاسلامي حافظ على الإسلام دينا وشريعة . فكان أولئك السابقون من فقهاء كالشافعي مثلا نابغة في ما أصرّ عليه بما اصبح اليوم يعرف بالتشريع . فكتابه  'الأم'  أسطوري بما يحمله من تشابك محكم في الفقه الاسلامي أوقف من خلاله الحراك اللا منتهي من نقل الحديث على مدار اكثر من مئة وخمسين عام بعد وفاة الرسول الكريم .

إلّا أنّ كل أولئك أنعم  الله عليهم نعمة الإسلام في انفتاحه على نفسه وعلى الآخر . فلم تكن صدفة أنّ أوّل كلمة أنزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام كانت'اقرأ' . فالقراءة لم تكن ما كتب أمامه لأنّه لم يكن بقاريء . فالقراءة كانت باسم ربك الذي خلق ، والذي علم الانسان ما لم يعلم . فالعلم والسعي إليه أمر الله للإنسان على الأرض للوصول الى الله . لم يقتصره على أحد ولا على جنس. فخديجة رضي الله عنها كانت إلى جانب الرسول على مدار نزول الرسالة عليه داعما وأول من آمن بنبوّته . وعائشة رضي الله عنها نقلت ما يقرب عن نصف الحديث الشريف وقادت بنفسها معركة الجمل .

وجاء كل من الغزالي وابن تيمية بفكر لم يقتصر عليهما ، وإنما تنامى حتى أصبح ما يشكل الفكر المسلم في نظرته الى المرأة ونظرة المرأة إلى  نفسها وأقر كل منهما بدرجة تختلف في غلوها من التطرّف والكراهية الغير مفهومة للمرأة بان المرأة في أحسن أحوالها مخلوق ناقص غير مكتمل بالفطرة . فبالنسبة لابن تيمية المرأة مثلا تحتاج الى التجمل من أجل أن تبدو فاتنة بينما الرجل لا يحتاج الى شيء لأنه بالنسبة إليه مخلوق كامل . فالمرأة عند ابن تيمية ناقصة العقل فلا لوم عليها . تستطيع القيام ببعض الأمور ولقد منّ عليها ببعض التعليم ، لا تبجحاً بل رأفة بدماغها الصغير الذي لا يستطيع تحمل الكثير . والغزالي رأى المرأة كمخلوق شيطاني يجب العمل دائماً على ضحده لأنه إن لم تتمكن منه تمكن منك . والمرأة بالنسبة له على شاكلة حيوانات من أفعى وكلب وحمار ودجاجة وعقرب وغنمة . والغنمة هي أفضل أحوالها . وإذا ما أعطى ابن تيمية بعض الفرصة للتعليم للمرأة فإنّ الغزالي لم ينظر في هذا أصلا .
فالمرأة عند الغزالي هي فقط زوجة . والزواج لدى الغزالي نوع من أنواع العبودية . اما ابن تيمية فيرى أن أحكام الزواج بالنسبة للمرأة واضحة ولا داعي للعمل عليها . فالزواج عنده عبودية او أسر . والزوجة هي العبد فيها فينطبق عليها أحكام العبد أو العوان ( الأسير) .
ومع هذا انطلق الاثنان في تشريع وسائل معاملات للمرأة تقوم المراة منا اليوم بتطبيقها بطاعة عمياء مقتنعة بأنها تطيع الله ورسوله ...

فنحن في عبادتنا لسنا نمارس إلّا إملاءات  فرضها علينا الغزالي في إحياء علوم الدين وكأنه بسط إلينا الطريق إلى  الله ونثرها بالورود دون الحاجة باستعمال عقلنا عند الرجوع إلى القرآن الكريم . أو ربما لم يكن الغزالي ليخطر بباله أن امرأة ستقرأ كتاباته في يوم . فهو كان يملي على الرجل آليّات المعاملات والعبادات . فأصبح القرآن مجرد ترتيل أو حفظ نتسابق في ختمه أو تلاوته بدون الوقوف عند معانيه . وعند اختلاف المسائل علينا نذهب إلى من شرعوا أنفسهم فقهاء باسم الله ورسوله . وقد يكونوا أحسنوا الظنّ او أساؤوا ، فعلمهم ونواياهم عند الله . ولكن إتّباعنا لهم وكأن أيديهم هي أيدي الله على الأرض وكلامهم هو تأويل لما أراده الله ذنبنا نحن لا ذنبهم . وخطايانا نحن لا خطاياهم ...
فقد يكون الغزالي كارها للمرأة أو مرتعباً منها . وقد يكون ابن تيمية الذي لم يتزوج أبداً ناسكاً كارهاً كذلك للنساء . وما كتبوه وأفتوا فيه كان خاصا بهم وبزمانهم ... فلما نصر على اتباعهم ىنصرّ على أنه كلام الله ورسالة نبيه. كيف نسمح لأنفسنا بأن نمارس إسلاما كتبت تعاليمه الفقهية تحت اسم الله وَرَسُولِهِ بعد خمسة قرون من وفاة الرسول . فمعرفة أولئك الفقهاء بالرسول وزمنه لا تزيد قطرة عن معرفتنا اليوم بذلك الزمن .
لما نصر بالرجوع بديننا الى الوراء ولقد ترك الرسول لنا كتابا عجز عن تكفيره ألد أعدائه ؟
لما تحارب المرأة منا اليوم من أجل حياة كريمة علمها وتعليمها هو رايتها في بحثها عن حريتها ومساواتها بالرجل ، وتصر على اتباع اعمى لتعاليم ذكوريّة ،الله ورسوله أبرياء منها ..
لما لا تتفكر المرأة منا اليوم وفي هذا الشهر الفضيل في خلقها . في مكانتها الحقيقية . في قيمتها التي خلقت معها وبها من خلال التدبير الحقيقي في كلام الله . وكلام الله ليس ما كتب بالقرآن فحسب . فعيسى كان كلمة الله .فالكلام عند الله كما القراءة لا تحسب بورقة وقلم وكتاب . فالكلام في روح كل منا والقراءة في هذا الكون والقرآن فيه اجوبة نستطيع نحن فهمها وتأويلها بأنفسنا ... فالقرآن نزل ليكون لكل زمان ومكان ... نزل لأستطيع انا التفكر به ... وانتِ وانتٓ

 

تصميم وتطوير