مفرق ٤٨...فيلم فلسطيني بإخراج اسرائيلي

كتبت: نادية حرحش
ما أصعب الواقع الذي نراه من خلال شاشة! فكيف تكون حقيقة هذا الواقع بعد كل الفلترة الملقاة عليه ليخرج ضمن عمل ترفيهي يشد انتباهنا لبعض السويعات؟
ذهبت مع صغرى بناتي إلى السينما لمشاهدة فيلم ما، هذه المرة الثانية التي نكسر فيها ما هو مفترض من مقاطعة للجانب الإسرائيلي من المدينة، لا نزال في البيت منقسمين في نقاشنا حول جدية المقاطعة، وأين الخطوط المجدية التي تملي ما نقوم به من مقاطعة، وأين اللا مجدي منها ؟؟
المهم ، مقاطعتي مؤخرا دخلت ضمن تساؤلات وتجاوزات، لا أزال مضطربة في تعديها ، ولكن بداخلي تساؤلات تكثر عن جدية وضعنا كله!
المفارقة كانت لربما ، تضيف على تساؤلاتي وتخبطاتي بالفيلم الذي شاهدناه؛ فيلم "مفترق ٤٨" . فيلم فلسطيني بإخراج وإنتاج إسرائيلي ، يعرض بسينما اسرائيلية، لم يكن هناك الكثير من الحضور، ولربما لأنه الأسبوع الثاني للعرض. ولكن كان مثيرا عندما بدأ الفيلم بجملة تقول فيها: أن مجريات هذا الفيلم في مدينة اللد الفلسطينية، وهي مدينة تم تشريد سكانها في ال ٤٨ واستبدالهم بإسرائيليين، وتعتبر مدينة ثنائية القومية.
كلمة فلسطين تأتي كضرب الخنجر في هكذا مواقع؛ لا أعرف إن كانت أنفاسي هي التي كانت تتراقص مع البداية، أم هي أصوات نبضات المتفرجين من حولي!
لا يخفى على أحد صعوبة وضع اللد؛ فاللد أصبحت اليوم اللود، وهي المدينة التي يوجد بها مطار بن جوريون .. من الخارج تبدو مدينة عادية ، إسرائيلية، وكلما توغلت فيها نحو الأحياء العربية، تعرف حجم المأساة، لا تختلف في خفايا ما يظهر من مآسيها عن وضع المخيمات، وتحديدا مخيم شعفاط في القدس!
كلما توغلت في الأحياء أو نحوها ، تتملكك الرهبة ، وكأن الطاقة المخيمة على المكان تهاجمك قبل أن يراك أصحابه.
الفيلم يحكي قصة مغني الراب الفلسطيني، أو على حسب تعريف أحد الإسرائيليين له في أحد المشاهد " ليس فلسطينيا أصيلا " لأنه ليس من الضفة!! كيف تخلق هذه الأماكن هكذا مواهب؟ قصص تتشابه في أماكن بؤس، وفقر ومخدرات وجنس وعالم سفلي .... واحتلال!
كيف يصر الاحتلال إقحام نفسه في بؤس المشهد الفلسطيني بكل وأي صورة. سواء بتلك العنصرية أو العسكرية .. وفي المحصلة : ضحية فلسطيني!!
تسري أحداث الفيلم الواقعي إلى درجة الخيال بين أحداث خاصة وعامة يتداخل فيها كل شيء .. في هكذا أماكن، لا يوجد فرق بين الخاص والعام ، ويبقى الموت هو المفرق.
بين صوت أذان وصلاة الجنازة في عدة مشاهد صعبة ، وبين قسوة الواقع ، عالم سفلي بعالم مستوي، لا يكاد يفهمه أو يراه إلا من يقترب منه: المخدرات والجريمة ..الشرطة والاحتلال ... التشريد والهدم ...الفقر والعنصرية ....!!
الموت المصاحب لهذه الحياة ، بين حادث طرق في شارع لا ينتهي إصلاحه ، وقنص من فوهة بندقية شرطي إسرائيلي ، واغتيال بدم بارد من قبل عصابات المخدرات، يصر الموت على أن يكون الغيمة التي تسكت المشهد للحظات .. لحظات حزن وغضب ويأس وجنون حتى!!
وبين التقاط الأمل في فن يرتجله الشاب وأصدقائه، وبين صوت جميل يتمثل ابتداء بصوت أمه التي كانت تغني، وأبيه في حفلات خاصة وطنية الطابع، تحولت بعد موت الأب إلى هويسة تتعامل مع الجن، وبين حبيبة رفيقة مسرح يحلم به الثنائي، وعادات مجتمع قبلي تصر على أن صوت المرأة عورة! وأنها محكومة من ابن العم وما يمكن أن يمتد من قبيلة، وفي لحظة تتحول فيها الفتاة إلى شرف العائلة، ويصبح دمها مستباحا!
صراع آخر للمرأة الفلسطينية، يجسده واقع مجحف بين حصار الاحتلال، وقيود القبلية المجتمعية.
في لحظة ما، يحملك الحلم وإياهم نحو وهم واقع يشبه ذلك الواقع المتاخم للحياة الإسرائيلية، ليرتطم كل شيء بدوي سحيق؛ تقف الفتاة فيه بتحد للحبيب الذي يفرض قراره بمنعها من الغناء معه من أجل حمايتها من أهلها المتربصين، وبين واقع الخوف المحيط بها من ذكورية مهما تركتها وراءها أتتها زاحفة.
مهما تعلمت ، وانفتحت للعالم المقابل، إلا أن كونها عربية يتحكم بها هي أولا .. بين صراع الفتاة في إثبات هويتها الفلسطينية ، غنائها الوطني ،كوفيتها بالبارات الإسرائيلية ، والعلم الفلسطيني المزين لغرفتها ، وبين حصار عالمها الذكوري الذي يحدد لها مساحاتها من الحرية بتلك المرتبطة بالاحتلال.
حصار بقلب حصار، مشهد قاتم للحقيقة مهما حاول أصحابها التلاعب مع الواقع!!
أجيال متلاحقة من الفلسطينيين الذين لا يكف الاحتلال عن محاولة تمزيق هويتهم وتطويعهم داخل "أسرلة" تابعة، تضعهم في أحسن الأحوال في مكان المواطن من الدرجة الثالثة، أو أي درجة سحيقة.
من الخارج تبدو الأمور طبيعية؛ تندمج اللغة العربية والعبرية لدرجة لا تكاد فيها تفرق كيف تبدأ الجملة والى ماذا تنتهي! تشويه باللغة ، وتشويه بالمكان، وتشويه لا يقف بالإنسان الفلسطيني. محاولات لا يوقفها يأس من تدمير الماهية الفلسطينية، وكأن الفلسطيني يذكرهم دائما بأنهم مغتصبو أرض لا مستحقون لها!!
والفلسطيني بين تمزيق لأشلائه، ودمار فوقه ومن حوله لا يكف.
تبقى الهوية الفلسطينية تلك، كالوردة المنبثقة من قلب دمار شامل خلفه زلزال!
هناك فسحة للأمل بهؤلاء الأجيال من الشباب الفلسطينيين؛ هويتهم تبدو وكأنها أحد مكونات أعضاء جسدهم ، لا يمكن الحياة بدونها، وكأنها عضو مرافق للقلب تنبض بنبضه .. تبقي أملا رغم الإصرار على سحق كل ما تبقى من فلسطينيتهم بأن فلسطين هي ما سيبقى مهما طال الزمن .. ومهما قسا الواقع ... فالحقيقة الفلسطينية لا يرسمها واقع يقرره احد...
فلسطين هي وجدان سحري، هو أساس النفس الفلسطيني ....


