هل يقدم ترمب على الخيار النووي ضد إيران؟

كتب: محمد مصطفى شاهين
بين تعثر القوة التقليدية وحسابات الردع ومخاطر الانفجار الإقليمي، في قراءة متأنية لمسارات المواجهة الأمريكية الإيرانية، تبرز أمامنا فرضية لم تعد محصورة في دوائر الخيال السياسي أو السيناريوهات العسكرية الافتراضية، بل بدأت تجد طريقها إلى بعض التحليلات والمنابر الأمريكية، وهي احتمال انتقال واشنطن من استخدام القوة العسكرية التقليدية إلى التفكير في السلاح النووي، ولو بصيغته التكتيكية. وعلى الرغم من استبعاد دونالد ترمب هذا الخيار في تصريحاته العلنية، فإن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد استخدام السلاح النووي، وإنما ما الذي يمكن أن يدفع إدارة ترمب إلى التفكير فيه إذا وصلت المواجهة مع إيران إلى طريق مسدود؟
ولعل أول ما ينبغي الانتباه إليه أن الحروب لا تُقاس دائماً بحجم النيران المستخدمة فيها، وإنما بقدرة القوة العسكرية على تحقيق أهدافها السياسية. فقد تمتلك واشنطن أضخم ترسانة عسكرية في العالم، وتستطيع توجيه ضربات مدمرة، لكنها لا تملك بالضرورة ضمانة تحقيق الحسم الذي تريده. وهذه هي المعضلة التي قد تواجهها الولايات المتحدة أمام إيران، حيث تتوزع المنشآت النووية والعسكرية على مساحات جغرافية واسعة، وتوجد منشآت شديدة التحصين والعمق، بما يجعل تدميرها بالكامل أمراً بالغ التعقيد.
وفي هذا السياق، يمكن التوقف أمام ثلاثة مواقف أمريكية أثارت نقاشاً حول احتمالات اللجوء إلى الخيار النووي. أولها تحليل نشرته مجلة «ذا نيشن» الأمريكية، ذهب إلى أن ترمب، إذا وجد نفسه محاصراً في حرب يصعب عليه الاعتراف بفشلها أو الانسحاب منها دون تحقيق مكاسب، قد يفكر في استخدام سلاح نووي تكتيكي لاستهداف منشآت إيرانية عميقة التحصين، وفي مقدمتها موقع «جبل الفأس». وتنبع خطورة هذا الطرح من ربطه بين تعثر الضربات التقليدية وإمكانية استحضار الأسلحة النووية التكتيكية ضمن الحسابات العسكرية، وإن كان ذلك لا يعني وجود قرار عملياتي أمريكي بهذا الشأن.
أما الموقف الثاني، فيتمثل في تصريحات النائبة الأمريكية السابقة مارجوري تايلور غرين، التي زعمت أن الإدارة الأمريكية ناقشت إمكانية استخدام أسلحة نووية ضد إيران خلال اجتماعات استراتيجية، وهي مزاعم نفاها البيت الأبيض. وعلى الرغم من عدم وجود ما يكفي لإثبات هذه الادعاءات، فإن إثارتها تعكس اتساع مساحة النقاش السياسي والإعلامي حول حدود التصعيد الأمريكي، خصوصاً في ظل الاعتقاد بأن بعض المنشآت الإيرانية المحصنة قد تستعصي على أكثر الأسلحة التقليدية تدميراً.
ويأتي الموقف الثالث من الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، الذي أثار منشور له جدلاً واسعاً بشأن احتمال لجوء إدارة ترمب إلى الخيار النووي في المواجهة مع إيران. وتكمن أهمية هذه المواقف، على اختلاف طبيعتها ومصادرها ودرجة موثوقيتها، في أنها تكشف عن وجود قلق داخل النقاش الأمريكي من أن تؤدي الحرب، إذا خرجت عن السيطرة، إلى تجاوز الخطوط التقليدية للصراع.
لكن ثمة عاملاً لا يجوز إغفاله عند تحليل هذه الاحتمالات، وهو الدور الإسرائيلي، وتحديداً حسابات بنيامين نتنياهو. فالمسألة بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي لا تتعلق بمجرد إضعاف البرنامج النووي الإيراني، وإنما بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، وإزالة ما تعتبره تل أبيب مصادر تهديد طويلة الأمد لأمنها ونفوذها الإقليمي. ومن هنا يمكن فهم إصرار نتنياهو على إبقاء المواجهة مع طهران ضمن سقف عسكري مرتفع، وعدم الاكتفاء بتفاهمات سياسية أو ضربات محدودة لا تضمن، من وجهة نظره، تغييراً جوهرياً في موازين القوى.
إن نتنياهو يدرك أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على توفير الغطاء العسكري والسياسي والقدرات الاستراتيجية اللازمة لخوض مواجهة واسعة مع إيران، ولذلك فإن تأثيره في حسابات واشنطن لا يمكن تجاهله. وهو يسعى إلى إقناع الإدارة الأمريكية بأن التراجع قبل تحقيق الأهداف الإسرائيلية سيمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها، وسيجعل أي اتفاق سياسي مؤقت مجرد استراحة قبل جولة جديدة من الصراع. وهنا تكمن خطورة تداخل الحسابات الإسرائيلية مع القرار الأمريكي، إذ قد تجد واشنطن نفسها أمام مطالب إسرائيلية متزايدة لتوسيع العمليات كلما تعثرت النتائج العسكرية.
وليس بالضرورة أن يكون نتنياهو قد طالب باستخدام السلاح النووي حتى يصبح دوره مؤثراً في هذا السيناريو؛ فالدفع نحو حسم عسكري شامل، ورفع سقف الأهداف، وتضييق مساحة التسوية السياسية، كلها عوامل قد تضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات أكثر خطورة. وبعبارة أخرى، قد لا يكون الخطر في أن تدفع إسرائيل واشنطن مباشرة إلى استخدام السلاح النووي، وإنما في أن تدفعها إلى مسار تصعيدي تتقلص فيه تدريجياً البدائل السياسية والعسكرية الأقل خطورة.
أما ترمب، فإن حساباته تضيف بعداً آخر إلى هذه المعادلة. فهو رئيس جعل من خطاب القوة والقدرة على فرض الإرادة جزءاً أساسياً من صورته السياسية، ويحرص على تقديم أي مواجهة يخوضها باعتبارها اختباراً لهيبة الولايات المتحدة. ولذلك فإن تعثر الحرب قد يضعه أمام معضلة سياسية، خصوصاً إذا تزايدت الخسائر الأمريكية، واتسعت الضغوط الداخلية، وعجزت الضربات العسكرية عن تحقيق النتائج المعلنة. وفي مثل هذه الظروف قد يصبح الحفاظ على صورة الانتصار عاملاً مؤثراً في القرار، إلى جانب الحسابات الاستراتيجية والعسكرية.
وهنا تبرز ثلاثة محددات رئيسية لاحتمالات التصعيد. أولها العجز عن ضمان تدمير المنشآت الإيرانية شديدة التحصين بالوسائل التقليدية. وثانيها احتمال اتساع المواجهة وامتدادها إلى المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، بما يرفع كلفة التراجع السياسي والعسكري. وثالثها تداخل الضغوط الإسرائيلية مع الحسابات الداخلية الأمريكية، الأمر الذي قد يجعل استمرار الحرب أو توسيعها خياراً مطروحاً لدى بعض دوائر صنع القرار.
غير أن المسألة الأكثر خطورة لا تتعلق بما قد يصيب إيران وحدها، بل بما يمكن أن يترتب على استخدام السلاح النووي في منطقة الخليج. فالسلاح النووي، حتى إذا وُصف بأنه تكتيكي أو محدود، لا يمكن التعامل معه باعتباره قنبلة تقليدية ذات قوة تدميرية أكبر، لأن آثاره الإشعاعية والبيئية قد تتجاوز حدود الموقع المستهدف، وتترك تداعيات ممتدة على الإنسان والمكان والاقتصاد.
ولعل الخطر الذي يستحق اهتماماً خاصاً يتمثل في مصادر المياه في الخليج. فالمنطقة تعتمد بصورة كبيرة على مياه البحر المحلاة لتلبية احتياجات السكان، وأي تلوث إشعاعي واسع النطاق قد يهدد محطات التحلية ومصادر المياه والبيئة البحرية، بحسب موقع الضربة وطبيعة المواد المشعة وانتشارها. كما أن انتقال الملوثات عبر الهواء أو المياه قد يجعل آثار الكارثة عابرة للحدود، ويضع ملايين البشر أمام مخاطر صحية وبيئية يصعب احتواؤها. ولن تكون المشكلة عندئذ مشكلة إيران وحدها، بل أزمة إقليمية تمس الأمن المائي والغذائي والصحي لدول الخليج بأسرها.
ومن زاوية أخرى، فإن استخدام السلاح النووي قد يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي غير مسبوق، ويضع منظومة عدم الانتشار النووي أمام اختبار خطير، ويمنح القوى الدولية مبررات إضافية لإعادة النظر في سياساتها الدفاعية والاستراتيجية. كما أن سابقة استخدام السلاح النووي بعد هيروشيما وناغازاكي لن تكون مجرد حدث عسكري جديد، بل تحولاً تاريخياً في قواعد إدارة الصراعات الدولية، قد يصعب احتواء نتائجه.
وفي تقديري، فإن قراءة هذه التحذيرات تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات: وجود نقاش إعلامي وسياسي حول الخيار النووي، ووجود ضغوط تدفع نحو تصعيد المواجهة، ثم اتخاذ قرار فعلي باستخدام السلاح النووي. وهذه مستويات مختلفة لا يجوز الخلط بينها أو التعامل معها باعتبارها أمراً واحداً. فلا توجد أدلة كافية تسمح بالجزم بأن واشنطن اتخذت قراراً من هذا النوع، لكن غياب القرار لا يعني أن مخاطر التصعيد تستحق التجاهل.
إن المعضلة الحقيقية تكمن في أن نتنياهو يريد تغييراً استراتيجياً في موقع إيران داخل المنطقة، وترمب يريد أن يخرج من المواجهة بصورة المنتصر، بينما قد تجد دول الخليج نفسها في قلب كارثة لم تكن طرفاً في صناعة قرارها. وهنا يصبح السؤال: من يتحمل مسؤولية النتائج إذا تحولت مغامرة عسكرية إلى كارثة نووية وبيئية تتجاوز حدود الأطراف المتحاربة؟
إن المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ على أنقاض المدن ومصادر المياه وحياة الشعوب، ولا يجوز أن تصبح الحسابات السياسية لقادة الحرب مبرراً للمغامرة بمصير أجيال كاملة. فالتاريخ لا يرحم من يفتح أبواب الكوارث الكبرى، ولا يمكن لأي انتصار عسكري، مهما بلغ حجمه، أن يبرر تحويل الخليج إلى منطقة مهددة بالتلوث الإشعاعي.
إن السؤال لم يعد فقط: هل يستطيع ترمب هزيمة إيران؟ بل هل يستطيع أن يمنع نتنياهو من تحويل أهداف إسرائيل الاستراتيجية إلى مغامرة أمريكية مفتوحة، قد تنتهي بإشعال المنطقة كلها؟
وهذا هو جوهر الخطر الذي ينبغي أن تدركه العواصم العربية قبل أن تجد نفسها أمام نتائج حرب لم تشارك في تقرير نهايتها، لكنها ستكون من أكثر الأطراف دفعاً لثمنها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


