محمود كلّم يكتب لوطن: نزار بنات والزيتون الفلسطيني.. جذورٌ لا تُقتلع وذاكرةٌ لا تموت

ليست شجرة الزيتون مجرّد شجرة، بل شاهدٌ حيّ على تاريخٍ متجذّر في الأرض. تحمل جذورها حكايات أجيالٍ مرّت من هنا، وتركت في ترابها أسماءها وذكرياتها وأحلامها. تقف الزيتونة شامخةً رغم قسوة الفصول، وكأنها تقول إن ما يتجذّر في الأرض لا تستطيع العواصف اقتلاعه، وإن الذاكرة التي تسكن التراب لا تموت.
في فلسطين، تتجاوز حكاية الزيتون ثمره وظلاله؛ فهو جزءٌ من المكان والهوية، ورفيق الفلّاح في مواسم التعب والانتظار. إنه حكاية الأرض التي يحرثها أصحابها ويزرعونها، ويعودون إليها جيلاً بعد جيل، مهما اشتدّت المحن وتكاثرت محاولات الاقتلاع.
إنه صوت الأرض، وصوت المحراث، وصوت الحرّاث الذي يشقّ التراب بيديه، مؤمناً بأن له في هذه الأرض حقّاً لا يسقط، وأن ما ورثه عن آبائه ليس مجرّد أشجارٍ وحقول، بل حكاية انتماءٍ لا تنتهي.
إحنا أصحاب الأرض، إحنا أصحاب الخلّة والسدّة، إحنا أصحاب الزعتر والزيتون، إحنا أصحاب كل ذرة من تراب هذا الوطن.
ومن هذه الأرض التي تتشبّث بجذورها، يبرز صوت نزار بنات؛ الرجل الذي جعل من صوته وسيلةً لمواجهة الفساد وانتقاد السلطة، والدفاع عن حق الناس في المحاسبة والكرامة. لم يكن صوته همساً عابراً، بل كان يصدح عبر مقاطع الفيديو التي خاطب فيها الناس بجرأةٍ وصراحة، رافضاً أن يتحوّل الصمت إلى قدرٍ مفروض على الجميع.
وحين قُتل نزار غدراً وظلماً، لم تُطوَ صفحةُ رجلٍ فحسب، بل بقيت قضيةٌ مفتوحة، وأسئلةٌ عن العدالة والمساءلة لم تجد أجوبةً حتى اليوم.
رحل نزار بنات، لكن رحيله لم يُنهِ الحكاية. فبعض الأشخاص يتحوّلون، بعد رحيلهم، إلى أسئلةٍ لا تهدأ، وإلى حضورٍ يتجدّد كلما طُرحت قضايا الحرية والكرامة وحق الإنسان في الاعتراض. وكما تتجذّر الزيتونة في أعماق الأرض، يبقى أثر الإنسان بما يتركه من مواقف وقضايا، وبما يوقظه في ضمائر الآخرين.
ولعلّ أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية أن الإنسان قد يغيب، بينما تبقى كلماته حاضرةً، ويبقى الذين أحبّوه وآمنوا بقضيته أمام مسؤولية الحفاظ على إرثه. فكيف نحفظ حكاية الذين رحلوا؟ وكيف نحوّل الألم إلى درس، والذكرى إلى مسؤولية، والصوت الذي غاب إلى مساحةٍ أوسع للكلمة والحوار؟
تعلّمنا شجرة الزيتون أن الجذور لا تُرى دائماً، لكنها تمنح الشجرة قدرتها على البقاء. وكذلك إرث نزار بنات؛ فلا تُقاس حياة الإنسان بعدد السنوات التي عاشها، بل بما يتركه من أثر، وبما يبقى من مواقفه في ذاكرة الناس. وحين يظلّ حق المواطن في السؤال والاختلاف والتعبير موضع نقاش، تبقى القضايا التي دافع عنها نزار حاضرةً في الوعي الفلسطيني.
ستبقى جذور الزيتون ضاربةً في أعماق الأرض الفلسطينية، شاهدةً على حكاية شعبٍ لم يتخلَّ عن أرضه، وسيبقى نزار بنات حاضراً في ذاكرة الذين لم ينسوا صوته، ولم يتخلّوا عن الأسئلة التي تركها خلفه.
فالزيتونة التي تضرب جذورها في الأرض لا يمحوها الاقتلاع، والإنسان الذي يترك أثراً في ضمير شعبه لا يصبح مجرّد اسمٍ في صفحات الماضي.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


