شادي صافي يكتب لوطن: حين يحتجّ طلاب أوروبا على الغلاء… لماذا يبدو الغضب العربي صامتاً؟

28.10.2026 03:19 PM

 لم تعد كلفة الحياة في أوروبا مجرد بند ثقيل في ميزانية الأسرة، إنما تحولت إلى قضية سياسية واجتماعية تدفع آلاف المواطنين إلى الشوارع، وتضع الحكومات أمام اختبار حقيقي. في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، شهدت دول أوروبية، بينها فرنسا وألبانيا وإيطاليا والبرتغال، احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الأجور والخدمات العامة. وبرز الشباب والطلاب في جانب من هذه التحركات، التي انضمت إليها نقابات عمالية ومجموعات اجتماعية أخرى، لتتجاوز المطالب حدود المدرسة والجامعة، نحو أسئلة العدالة الاقتصادية ومسؤولية الدولة.

من هنا، لا تبدو الاحتجاجات مجرد انفجار غضب عابر، بل هي، في الحقيقة، تعبير عن علاقة متوترة بين المواطن والمؤسسات التي يُفترض أن تستجيب لاحتياجاته. الاحتجاج، في جوهره، وسيلة لإيصال رسالة مفادها أن السياسات القائمة لم تعد مقنعة لشريحة من المجتمع، وأن استمرار تجاهل المطالب قد يفاقم فقدان الثقة.

العالم العربي… غضب حاضر وحركة محدودة

في المقابل، تثير الأوضاع المعيشية في أجزاء واسعة من العالم العربي سؤالاً لا يقل إلحاحاً: لماذا لا نشهد تحركات جماهيرية مستمرة تتناسب مع حجم الضغوط التي تعانيها الأسر؟ فارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، واتساع دائرة الفقر، وضعف الأجور، وتزايد أعباء السكن والتعليم والصحة، كلها عوامل تجعل الحياة اليومية معركة متواصلة لدى شرائح اجتماعية واسعة. ومع ذلك، لا يتحول هذا الضغط بالقدر الكافي إلى احتجاجات علنية واسعة تستهدف السياسات الاقتصادية والاجتماعية للأنظمة الحاكمة، أو إلى حركات منظمة قادرة على فرض مطالبها على صناع القرار.

لا يمكن فصل هذا الصمت عن طبيعة تعامل بعض الأنظمة العربية مع الاحتجاجات الشعبية، إذ لا يُنظر دائماً إلى المطالب المعيشية بوصفها حقوقاً مشروعة تستوجب الاستجابة، بل قد تُواجَه بالقمع والتضييق والملاحقة، ويُدفَع المحتجون إلى مواجهة اتهامات تتجاوز مطالبهم الأصلية. وبدلاً من أن يكون السؤال المطروح هو لماذا يعجز المواطن عن تأمين احتياجاته الأساسية، يتحول النقاش أحياناً إلى التشكيك في دوافعه، واتهامه بخدمة أجندات خارجية أو محاولة زعزعة الاستقرار، وكأن المطالبة بتحسين الأجور أو خفض الأسعار أو توفير فرص العمل فعل يستوجب الدفاع عن النفس، لا حق يستدعي مساءلة السلطة.

وتزداد خطورة هذا الخطاب حين يُربط الاحتجاج بالتخوين، وتُقدَّم المطالب الاجتماعية باعتبارها تهديداً للدولة أو استهدافاً للوطن. وبهذه الطريقة، يجري الخلط بين الدولة والنظام الحاكم، وبين الاعتراض على السياسات ومحاولة تقويض الاستقرار، حتى يصبح المواطن مطالباً بإثبات وطنيته قبل أن يطالب بحقه في العيش الكريم. وبدلاً من أن تنشغل السلطة بأسباب الغضب، يصبح المحتجون أنفسهم موضع اتهام، وتتحول معاناتهم من قضية تستوجب المعالجة إلى أزمة سياسية وأمنية يُراد احتواؤها.

ولا يقتصر الأمر على موقف الأنظمة الحاكمة، إذ يمتد إلى ضعف الحركات الاجتماعية نفسها، وتراجع قدرتها على تشكيل مظلة جماعية تحمي المحتجين وتدافع عن مطالبهم. ففي كثير من المجتمعات العربية، تبدو النقابات والاتحادات الطلابية والتجمعات المدنية عاجزة عن تحويل الاستياء الشعبي المتراكم إلى حراك منظم ومستمر، قادر على توحيد المطالب والضغط من أجل تحقيقها. وبدلاً من أن تتشكل حركة اجتماعية واسعة تجمع المتضررين من الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات، تبقى التحركات متفرقة ومحدودة، سرعان ما تخفت مع غياب التنظيم واستمرار الضغوط السياسية والاقتصادية.

وتتجلى هذه الهشاشة بصورة أوضح عندما يواجه المحتجون القمع أو الملاحقة، إذ لا يجدون قوى اجتماعية تقف إلى جانبهم، أو مؤسسات تتبنى مطالبهم وتواصل الدفاع عنها بعد انحسار الاحتجاج. وفي بعض الحالات، تتراجع الجهات التي يُفترض أن تمثل مصالح المواطنين عن مساندة المحتجين، خشية المواجهة مع السلطات أو حفاظاً على مصالحها وعلاقاتها السياسية والاقتصادية. وهكذا، يجد المحتج نفسه في مواجهة منفردة مع السلطة، بعدما خرج أساساً للتعبير عن معاناة يشترك فيها مع قطاعات واسعة من المجتمع.

ولا يتوقف أثر هذا التخلي عند حدود الاحتجاج القائم، إنما يمتد إلى تشكيل وعي المجتمع تجاه أي محاولة لاحقة للاعتراض. فعندما يرى المواطن أن من يرفع صوته قد يُترك وحيداً في مواجهة العواقب، وأن التضامن معه قد يتراجع بمجرد تعرضه للضغط، تتآكل ثقته بجدوى المشاركة الجماعية. ويصبح السؤال الذي يشغل الأفراد ليس فقط ما إذا كانت مطالبهم عادلة، إنما ما إذا كانوا سيجدون من يقف معهم عندما ترتفع كلفة المطالبة بها. ومع تكرار هذه التجارب، يتعزز الانكفاء الفردي، ويصبح الصمت أكثر حضوراً، حتى لدى أولئك الذين يمتلكون أسباباً مباشرة للاحتجاج.

وتزداد المشكلة تعقيداً حين تنشغل بعض القوى السياسية بصراعاتها الداخلية وحساباتها التنظيمية، أو تتعامل مع المطالب الاجتماعية وفقاً لما تحققه من مكاسب سياسية، بدلاً من النظر إليها بوصفها حقوقاً تتطلب موقفاً ثابتاً. عندها، يفقد الحراك الاجتماعي استقلاليته، وتُجزَّأ المطالب وفقاً للانتماءات والمصالح، فيما تبقى القضايا المشتركة، من الأجور والبطالة إلى السكن والتعليم والصحة، من دون إطار جامع قادر على تحويلها إلى برنامج واضح للمساءلة والتغيير.

كما تترك التجارب السابقة أثرها في وعي المجتمع. فعندما ترتبط الاحتجاجات بالقمع أو الاعتقالات أو خيبات الأمل، وحين لا يرى الناس نتائج ملموسة للتضحيات التي قدمها المشاركون فيها، قد يتراجع إيمانهم بقدرة الفعل الجماعي على إحداث التغيير. ومع مرور الوقت، ينكفئ بعضهم إلى البحث عن حلول فردية، أو الهجرة، أو العمل الإضافي، أو تقليص الاحتياجات، بدلاً من الانخراط في حركة جماعية طويلة النفس. وهكذا، لا يُستنزف المجتمع اقتصادياً فحسب، إذ تتراجع أيضاً قدرته على المبادرة والمطالبة بتغيير السياسات التي تمس حياته.

لكن النتيجة الأكثر خطورة تتمثل في أن يتحول الصمت إلى مؤشر مضلل على الاستقرار. فغياب الاحتجاجات لا يعني بالضرورة أن المواطنين راضون عن أوضاعهم، كما أن هدوء الشارع لا يثبت أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية تحظى بالقبول. فقد يكون وراء هذا الهدوء غضب متراكم، وشعور بالتهميش، وفقدان للثقة، وخوف من أن تكون كلفة التعبير أعلى من كلفة الاحتمال. وعندما تُقرأ هذه الحالة باعتبارها قبولاً بالأمر الواقع، بدلاً من فهم أسبابها، تتسع المسافة بين ما تعيشه المجتمعات وما تعترف به السلطات من مشكلات.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير