تجربة تربط التعليم القانوني بالتكنولوجيا والممارسة المهنية ضمن استثمار أوسع في مستقبل قطاع العدالة الفلسطيني
تسع محاميات فلسطينيات يختتمن رحلتهن في حاضنة "حقوق-تك" بجامعة بيرزيت بدعم من برنامج سواسية المشترك

وطن للأنباء: اختتمت تسع محاميات فلسطينيات مشاركتهن في الفوج الأول من حاضنة "حقوق-تك" القانونية الرقمية، في معهد الحقوق بجامعة بيرزيت، دعم من برنامج سواسية المشترك، من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP/PAPP)، بعد رحلة امتدت لعشرة أشهر من التدريب المتخصص والإرشاد المهني والتطبيق العملي في مجالات قانونية ناشئة.
ويشكّل اختتام هذا الفوج محطة مهمة ضمن الجهود الرامية إلى تطوير التعليم القانوني في فلسطين، وتعزيز جاهزية جيل جديد من المحاميات والمحامين للتعامل مع التحولات المتسارعة في مجالات القانون والتكنولوجيا، وربط المعرفة الأكاديمية بمتطلبات الممارسة المهنية واحتياجات قطاع العدالة.
وخلال فترة الحاضنة، خاضت المشاركات تجربة تعليمية ومهنية متكاملة شملت ثلاثة مسارات تخصصية رئيسية: الحقوق الرقمية، والإجراءات والأدلة الرقمية، والعقود والتجارة الإلكترونية. كما أتيحت لهن فرص للتعلم المباشر من خبراء وممارسين قانونيين، والمشاركة في أنشطة بحثية وتطبيقية، وإنتاج أوراق ومقالات قانونية ومشاريع تعالج قضايا ناشئة عند تقاطع القانون والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، قال الاستاذ محمد خضر الباحث الأكاديمي ومشرف الحاضنة القانونية من معهد الحقوق في جامعة بيرزيت: "إن تخرج هذه الدفعة يمثل خطوة أساسية لسد الفجوة بين الممارسة القانونية التقليدية والتحول الرقمي. لقد نجحت المشاركات في تأسيس فهم قانوني متقدم للحقوق والعقود والأدلة الرقمية. ونحن في حاضنة حقوق-تك نبني على هذا الأثر لننتقل في الدفعة القادمة من مرحلة بناء المعرفة إلى التطبيق، من خلال دمج خريجي التكنولوجيا والإعلام مع المحامين ضمن بيئة عملية متداخلة المعارف والمهارات، لتطوير نماذج وحلول تخدم قطاع العدالة وسيادة القانون وتواكب تحديات المستقبل".
من المعرفة إلى الممارسة: تسع محاميات يوسّعن آفاقهن المهنية
تكتسب تجربة هذا الفوج أهمية خاصة في إتاحة الفرصة لتسع محاميات شابات للتخصص في مجالات قانونية ناشئة، وتطوير مهارات تجمع بين المعرفة القانونية والفهم التقني، بما يعزز فرص مشاركتهن في مواكبة التحولات التي يشهدها القطاع القانوني.
وتقول المحامية سوار قواسمي، إحدى المشاركات: "على صعيد الأدلة الرقمية والنيابة، والحقوق الرقمية، والعقود الإلكترونية، هذه ثلاثة مجالات لم أعمل عليها من قبل. أما اليوم فأصبحت قادرة على شرحها ومناقشتها ومساعدة الآخرين على فهمها من خلال حالات وأمثلة عملية ولولا الحاضنة، لما تمكنت من اكتساب هذه المعرفة، ولما عرفت حتى من أين أبدأ للوصول إليها."
وامتد أثر التجربة إلى ما هو أبعد من اكتساب المعرفة والمهارات، ليشمل بناء العلاقات المهنية وفتح فرص جديدة أمام المشاركات. فقد ساهمت الحاضنة في حصول المحامية هاجر عامر على فرصة مهنية لدى مكتب فراس الأتيرة للملكية الفكرية.
وتوضح هاجر: "وجودي في الحاضنة هو الذي أتاح لي فرصة الانضمام إلى مكتب فراس الأتيرة للملكية الفكرية. فالمسارات التدريبية والدورات، إلى جانب شبكة العلاقات المهنية التي بنيتها خلال فترة الزمالة، ساعدتني في الوصول إلى هذه الفرصة".
وتعكس التجربتان جانباً من الأثر الذي يمكن أن تحدثه الحاضنات القانونية عندما تتجاوز حدود التدريب التقليدي، لتجمع بين تنمية المهارات، والتخصص في مجالات ناشئة، والتواصل المباشر مع المؤسسات والجهات الفاعلة في القطاع القانوني.
استثمار يتجاوز حاضنة واحدة
تأتي هذه المبادرة ضمن استثمار أوسع لبرنامج سواسية المشترك في تطوير جودة التعليم القانوني في فلسطين، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية، بما فيها جامعات بيرزيت والنجاح الوطنية والقدس والكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.
من خلال هذه الشراكات، يدعم البرنامج العيادات والحاضنات القانونية، والتدريب المتخصص، والإرشاد المهني والبحث التطبيقي، وإتاحة فرص التعلم والممارسة العملية التي تربط الطلبة والخريجين بالمؤسسات العدلية والمجتمعات المحلية.
وخلال النصف الأول من عام 2026 وحده، استفاد 435 طالباً وخريجاً وممارساً قانونياً، من بينهم 340 امرأة، من برامج التعليم القانوني والتطوير المهني المدعومة من سواسية، في إطار جهود أوسع للاستثمار في الكفاءات القانونية الشابة وتعزيز مشاركتها في تطوير قطاع العدالة.
وفي هذا الإطار، أكد سايمون ريدلي، مدير برنامج سواسية المشترك، أن : "الاستثمار في مستقبل العدالة لا يقتصر على تطوير التشريعات والأنظمة الرقمية، بل يشمل أيضاً الاستثمار في الكفاءات القادرة على توظيف هذه التطورات لخدمة الناس وحماية حقوقهم. ومن خلال شراكاتنا مع الجامعات الفلسطينية، نعمل على تعزيز الصلة بين التعليم القانوني والممارسة المهنية، وفتح مسارات جديدة أمام جيل من القانونيات والقانونيين، ولا سيما الشابات، ليكونوا جزءاً فاعلاً من تطوير قطاع عدالة أكثر كفاءة وشمولاً واستجابة لاحتياجات المجتمع".
ومع اختتام الفوج الأول، تبرز تجربة المحاميات التسع بوصفها خطوة تتجاوز حدود التدريب، نحو نقل المعرفة إلى الممارسة، وتوسيع فرص التخصص والمساهمة المهنية.
وكما تعبّر المحامية لونا الحامد، إحدى المشاركات: " الانتساب للحاضنة كان له الأثر الأكبر في ترسيخ مفهومنا لدورنا كمحامين في مواجهة التطور التكنولوجي، وأحيانًا في مواجهة الفجوة بين هذا التطور وبين قدرتنا على مواكبته قانونيًا وعمليًا."
ومع اختتام الفوج الأول من "حقوق-تك"، تبدأ المحاميات التسع مرحلة جديدة لنقل ما اكتسبنه من معرفة وخبرة إلى مساراتهن المهنية، في تجربة تؤكد أن مستقبل العدالة الرقمية لا يُبنى بالتكنولوجيا وحدها، بل أيضاً بكفاءات قانونية قادرة على مواكبتها وتوظيفها لحماية الحقوق وخدمة المجتمع.


