غزة.. كل من عليها أكلته الشمس

وطن للأنباء_رانية عطالله: بعباءةٍ سوداء ووجهٍ شاحب يُحيط به الفرح دون أن يتمكن من الوصول إليه، وبعيونٍ يُعرب احمرارها واسمرارها عن معنى مرافقة النار في زمن الإبادة، استقبلتني سميرة ثم أشارت للجلوس إلى فراشٍ انقضّت عليه القوارض من كل اتجاهٍ في مكان نومها بين شادرين "أكلتهما شمس الإبادة" المستمرة على غزة للعام الثالث على التوالي.
تعيش سميرة الضبة "51 عامًا" في خيمةٍ تطل على النجوم بين قطعٍ من نايلون تمتص حرارة الشمس من لحظة إشراقها ثم تضخها داخل الخيمة على مدار اليوم؛ لتتحول إلى فرنٍ من نار، تكافح سميرة حرارته بالمراوح الكرتونية، كما تُشغل نفسها بالعمل خارج الخيمة.
"من نارٍ إلى نار" هذا هو ملخص حياة سميرة التي تعمل على فرنٍ غرب مدينة غزة تقصده من خيمتها بالشرق تمام السادسة صباحًا في طريقٍ متعرّج؛ مشيًا على الأقدام في ظل غياب المواصلات والمال، وسرعان ما تبدأ العمل بإشعال الحطب ومشتقاته حتى انتهاء موعد الخبز.

أكثر من كيلو ونصف تقطعهم سميرة تحت أشعة الشمس الحارقة في طريق العودة وقت الظهيرة، وما أن تصل إلى الخيمة "مهدودة الحيل"، تكون على موعدٍ للطهي على فتيل الأحذية البالية، فُتلازمها النار متجاوزةً أوجاعها وأزماتها التنفسية؛ لمساعدة عائلتها المكونة من 6 أفراد على أعباء الحياة.
"لو ما كانت النار أقوى شيء في التعذيب لما عاقب الله فيها العباد"، بضع كلماتٍ تعكس عمق احتراق سميرة التي تدرك أن شمس الحرب نار، صداع مزمن، غثيان متكرر، وتسلّح بالمسكنات ضد الألم، وفي ذلك تقول: "كوب الشاي معركة، لوحدي لا أستطيع، أكاد أحتاج لجرة أكسجين؛ لأتنفس".
أكثر من عامٍ و7 ساعات يوميًا تجلس سميرة أمام النار وتُخزن دخانها لتُخرجه على هيئة صديدٍ بلون الفحم، بينما تتجاهل إرهاق الركب وإعياء الرئتين والعيون أمام قلة الحيلة وهي ما تعاني منه قرابة 57 ألف امرأة صاروا المعيلات لعائلاتهن بغزة منذ بداية الإبادة حسب تقرير وزارة العمل الفلسطينية في مارس/2026.

لم تتخيل سميرة أن تهاب تفاصيل الكون الموزون في حضرة 3 أغطية لـ 6 أشخاص إذا ما بللهم المطر تضطر للنوم عليهم كما هم، قائلةً: "التغيرات الجوية تسيطر على تفكيرنا، المنخفضات تطير الخيام وما تبقى معها من ستر المآوي، وحين تمطر أجلس بالساحة لألملم الماء المتراكم بقطعة قماش وأعصرها في وعاءٍ على مرات".

يغلب اليأس سميرة أحيانًا وأحيانًا أخرى تغلبه بالصبر على حياة لا تشبهها داخل خيمةٍ لا تمتلك فيها رفاهية الماء الموفّر ولا اختيار درجة حرارته للاستحمام ولا طبيعة اللباس كما أن سرعة الأداء حاضرة؛ تحسبًا لأي مفاجئ في ظل انعدام الخصوصية، وفي ذلك تقول: "تحميمنا خطف، نرتدي أي قطعة، يكفي أن يكون اللباس مستورًا ولا نهتم للمقاس أو الجمال".
وبينما تتعاظم الظروف القهرية لدى فتيات الخيام خلال فترة الدورة الشهرية التي تشح فيها الفوط الصحية بصورة قد يشت فيها عقل البعيد عن قسوة الواقع إذا ما عاشه، "دخول دورة المياه ليس كالخروج منه في زمن الخيام"، تقول سميرة.

كما أكدت سميرة على مضاعفة الخيام للإرهاق النفسي والصحي خلال فترة الحيض؛ لغياب القدرة العلاجية والمالية، مضيفةً "للمكان آلام تعوق الحركة بأريحية كما تعيق عملية النظافة الشخصية وتزيد من فرصة الرائحة الكريهة نتيجة العرق وارتفاع درجات الحرارة، كما يغلب شعور اللارغبة في الخروج والاستقبال".
3 سنوات وأزمة الحمامات باتت ضمن ظروف التأقلم الإجباري؛ حتى صار التعايش روتين عائلة سميرة التي تضطر لغسل الملابس المغسولة إثر تلوثها من القطط والقوارض رغم شح المياه، وبذلك تقول: "نعيش مع مالا يمكن وصفه، لا قطعة مُستثنية، جميعها مُعرض لحمل عدوى القوارض والحشرات".
وبينما تعبث القوارض بالخراب في كل مكان، تتدرع سميرة بمكعباتٍ من خشب، تسد جحورهم بالبلاستيك المذاب، كما تنصب المصائد لتلاحقهم وتمنع تكاثرهم الذي يحرمها النوم؛ خوفًا على أطفالها من الأذى، معربةً عن شوقها لنوم طويل دون قصفٍ أو خوف.

الأثر الممتد لهاجس القوارض وصل للمتزوجات من بناتها حتى رفضن المبيت، في وقت تفتقد فيه سميرة للهدوء الذي كان يمنحها الفرصة للتخطيط لأسبوعٍ كامل بما فيه مسار النزهات التي لم تعد مُدرجة في قائمة حياة الخيام في ظل صعوبة تركها والتنقل.
الزيارة الواحدة تأخذ أسبوعًا من التفكير يتبعه ادّخار تدرسه سميرة التي لا تستجيب إلا للضرورة، لافتةً إلى تأذيها من وسائل النقل، وهو ما أعدم علاقاتها الاجتماعية بعدما كان اتصالًا هاتفيًا واحدًا يجمعها بمن تحب في غضون نصف ساعة، مضيفةًً "المواصلات هم".
كانت تعيش سميرة في أطراف حي المنصورة بالشجاعية، في منزل من 3 طوابق يتقدمه دونمًا زراعيًا يشمل كل ما تشتهي النفس إلى جانب سربٍ من الطيور، قبل أن تنزح مكرهةًً مراتٍ لا تُعد نفدت منها بروحها.

"كانت الحياة بالنسبة لنا متعة حتى لو ما طلعنا من بيوتنا"، هكذا تصف سميرة الحياة قبل الإبادة حين كانت تدرك معنى الغرف المستقلة والكهرباء والمراوح الهوائية، مضيفةً "بيتي كان 100 متر لكنه مملكة، على الأقل لا أجلس في الشارع".
كان لسميرة تفاصيلها الخاصة التي جردتها منها الحرب حتى انقلبت حياتها من امرأة تعتني بالجمال والديكور إلى سيدةٍ تبحث عن توفير القوت اليومي لأولادها بينما تُرهن إمكانية إعداد الأطباق إلى الدخل ومراجعة مواعيد التكية.
ورغم فطرة سميرة المجبولة على حب الزينة باتت ترى أن النشاط الجمالي الواجب في حق نفسها ترف لا يجب التفكير به، مضيفةً "لا مرآة لدي؛ لأني لم أعد احتاجها، ولو نظرت إليها فلن أعرف نفسي".
أما عن فترة المجاعة فقد كانت الأشد على سميرة حين باتت حيل الإشباع تكلّف الروح، معربةً عن احتراقها النفسي من خبزها لأصنافٍ من الطعام لا تُسعفها القدرة المادية على إعدادها لأبنائها.
يُحيط بسميرة وابل من التهديدات؛ أهمها الأمراض الجلدية والتنفسية في ظل انتشار البراغيث وغياب الصرف الصحي وتراكم النفايات وقلة الاستحمام في ظل شح المياه وتعرّض الجسم للميكروبات بنسب غير طبيعية، حيث بلغ عدد حالات الطفح الجلدي 46,195 حالة من منتصف أكتوبر 2023 حتى 25 مارس 2024 وفق منظمة الصحة العالمية.
.png)
يأبى الاحتراق إلا أن يتغلغل إلى قلب سميرة حتى وإن سلكت الفرح، فبينما تبحث عن عروسٍ لابنها كان السؤال الأول "أين سيسكن؟"، بين أسئلة لا تنتهي إن كانت الفرحة لابنتها في حضرة هاجس القوارض التي قد تتسبب في تلف ما "جهزت لها"، لافتةًً إلى أن المردود المالي لا يكفي لشراء قطعة واحدة لأي مناسبة أو احتفال.
مضت سميرة عمرها في محاولة التخطي لكل محطات الأسى التي تركتها قيد الوجع بدءًا من عام 2008 حين فقدت أخيها الأول، لتُفجع بعدها في عام 2012 بأخيها الثاني؛ حتى بات الفقد خيارًا متوقعًا في أي لحظة، وفي ذلك تقول: "أشعر بالانطفاء الدائم منذ الفقد الأول".
تتابع الفقد في حربين متتاليين إلى أن وقعت الإبادة عام 2026 وأفقدت سميرة أختها وعدد من أفراد عائلتها؛ فكانت الصاعقة التي منعتها من زيارة صالونات التجميل حتى إن حضر الفرح إجبارًا لأنجالها كان التواجد مجرد أداء واجب، مضيفةً "لقد كانت صدمة هزتني هز، وحسيت عمري راح في تجديد ما تدمر والدواخل".

تواجه سميرة الصعوبة في كل التفاصيل من الاتصال حتى الإنارة التي تحتاج إلى روتين يومي من الشحن يتبعه تعليمات لترشيد الاستهلاك للمحافظة على بطارية الهاتف الوحيد كما تحرسه من السرقة؛ لأنه كل الحياة.
وأضافت "جوالنا هو الساعة، العمل، الأخبار، الفلوس، الاتصال، روابط المساعدات، الذكريات، وخرابه يعني تعطل كل شيء، مجرد أن يصل شحن هاتفي إلى 10% أشحنه بأي طريقة؛ تجنبًا لإغلاقه؛ لغياب مفتاح التشغيل وحاجتي للدفع عبره"، لافتةًً إلى هلاك معظم الهواتف بفعل الشحن على الطاقة الشمسية.
وأكدت سميرة على تعقيد المعاملات الالكترونية للحياة، مضيفةً "الجوال المغلق، المحفظة العالقة، لا يوجد رصيد كافي في حسابك المالي، كل هذه متاعب علينا مواجهتها بهاتفٍ تالف، وكثيرًا ما يضيع حقنا في الطرود لأننا نرى الرسائل بعد عودة الهاتف من نقطة الشحن وانتهاء موعد التسليم".
في صورة تشبه مدينة كاملة تنتزع كل مقومات البقاء، لم تكن تجربة الصراع مع نار الحرب بكل أشكالها فردية لسميرة وإنما حالة جماعية يعيشها السكان في قطاع غزة كافة، وتمتد لما بعد الشمس والنار إلى الاحتراق النفسي والأسري والمادي.


