التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل: هل يحمي المواطن أم يعمّق أزمة الثقة؟

كتبت سالي علاوي: منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، ثم الاتفاق الانتقالي المعروف بـ"أوسلو 2" عام 1995، أصبح التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل واحداً من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية والأمنية الفلسطينية. فهو، من جهة، جزء من ترتيبات أمنية نصت عليها الاتفاقات وأنشأت لها آليات اتصال وتنسيق مشتركة، ومن جهة أخرى، تحول إلى موضوع مثير للجدل داخل المجتمع الفلسطيني، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال والاقتحامات والاعتقالات الإسرائيلية.
لكن بعيداً عن ثنائية التأييد والرفض، يبقى السؤال الأكثر ارتباطاً بالمواطن: هل يؤدي هذا التنسيق فعلاً إلى حماية الفلسطينيين ومنع المخاطر، أم أنه يكرّس أزمة الثقة ويجعل الأمن الفلسطيني مرتبطاً بجهة لا تملك السلطة عليها سيادة كاملة؟
كيف بدأ التنسيق الأمني؟
لم ينشأ التنسيق الأمني كإجراء منفصل عن اتفاق أوسلو، بل جاء ضمن ترتيبات أوسع لتنظيم الأمن والنظام العام خلال المرحلة الانتقالية. ونص "أوسلو 2" على إنشاء آليات للتنسيق والتعاون الأمني، بينها لجنة مشتركة للتنسيق والتعاون، ولجان أمنية إقليمية، ومكاتب للتنسيق والارتباط.
كما وزّع الاتفاق المسؤوليات الأمنية بصورة مختلفة بين مناطق الضفة الغربية.
ففي المنطقة A تولت السلطة الفلسطينية مسؤوليات الأمن الداخلي والنظام العام للفلسطينيين بعد إعادة الانتشار الإسرائيلي.
وفي المنطقة B تتولى السلطة مسؤولية النظام العام للفلسطينيين، بينما تحتفظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية العليا.
أما المنطقة C فبقيت ضمن ترتيبات تمنح إسرائيل صلاحيات واسعة في المجالين الأمني والمدني، مع نقل بعض الصلاحيات المدنية المحدودة إلى الجانب الفلسطيني.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية: كيف تستطيع السلطة أن تكون مسؤولة عن أمن مواطنيها في مناطق لا تملك فيها السيطرة الأمنية الكاملة؟
التنسيق ليس ملفاً واحداً
التنسيق الأمني لا يعني بالضرورة تبادل المعلومات في قضية واحدة أو تسليم مطلوبين فقط، فهو يمكن أن يشمل قنوات اتصال مرتبطة بمنع هجمات، أو التعامل مع حوادث أمنية، أو تنظيم التحركات في مناطق متداخلة، أو معالجة جرائم تمتد آثارها بين أكثر من منطقة، إضافة إلى الاتصالات المرتبطة بالطوارئ وحركة بعض الفرق الطبية والخدمات المدنية.
ولهذا فإن وقف التنسيق السياسي أو الأمني لا يعني بالضرورة اختفاء جميع قنوات الاتصال بين الجانبين، إذ يمكن أن تستمر بعض الاتصالات المرتبطة بضرورات ميدانية أو إنسانية وفق الظروف.
بين منع الخطر والقدرة الذاتية
هناك حالات يُستدل بها على أن تبادل المعلومات أو الاتصال الأمني يمكن أن يساهم في منع حادث قبل وقوعه، لكن إثبات ذلك يحتاج في كل حالة إلى مصادر واضحة، ولا يكفي الاعتماد على تصريحات رسمية من طرف واحد.
وفي المقابل، فإن قدرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على تنفيذ عمليات داخل المناطق التي تملك فيها صلاحيات أمنية تطرح سؤالاً آخر: إلى أي حد تستطيع السلطة حماية سكانها اعتماداً على قدراتها الذاتية، وأين تصبح بحاجة إلى قنوات الاتصال مع إسرائيل؟
وهذا التفريق مهم؛ فوجود قدرة أمنية فلسطينية لا يعني بالضرورة الاستغناء عن التنسيق، كما أن استمرار التنسيق لا يعني بالضرورة أن السلطة تملك القدرة على منع كل عملية إسرائيلية أو حماية المواطنين منها.
هل يقلل التنسيق من الاحتكاك؟
من الناحية العملية، يمكن لإبلاغ أحد الطرفين بتحرك أمني أو ميداني أن يقلل احتمال وقوع اشتباك غير مقصود بين القوات، أو يمنع وقوع حادث في منطقة تشهد وجوداً متداخلاً.
لكن الإبلاغ عن عملية لا يعني امتلاك القدرة على منعها.
قد تعرف السلطة بعملية إسرائيلية مقبلة، من دون أن تكون قادرة على إيقافها، وهو ما يفتح السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن: هل يوفر التنسيق حماية فعلية، أم أنه يوفر في بعض الحالات مجرد معرفة مسبقة بما سيحدث؟
والفارق بين الأمرين كبير؛ لأن المواطن الذي يتعرض منزله للاقتحام أو الاعتقال أو تتضرر ممتلكاته لن يرى في معرفة السلطة بالعملية حماية كافية ما لم تكن هناك قدرة فعلية على تقليل الضرر.
لماذا لا يثق به كثير من الفلسطينيين؟
تعود الانتقادات الفلسطينية للتنسيق الأمني إلى عدة عوامل، من بينها الخشية من استخدام المعلومات المتبادلة بطريقة تضر بالمواطنين، إضافة إلى فقدان الثقة في آليات الرقابة والمساءلة.
كما أن سجل السلطة في قضايا الاعتقال والمعاملة داخل مراكز الاحتجاز أصبح جزءاً من النقاش حول مفهوم الأمن نفسه.
ففي تقرير صدر عام 2018، وثقت "هيومن رايتس ووتش" حالات اعتقال تعسفي وتعذيب في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقالت إن أجهزة أمن السلطة تعمل بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، كما أشارت إلى ضعف نتائج آليات الشكاوى والمساءلة في عدد كبير من الحالات التي درستها. والتقرير كان يتناول ممارسات السلطة وحماس، وليس التنسيق الأمني وحده.
لذلك، فإن جزءاً من أزمة الثقة لا يتعلق فقط بالسؤال: ماذا تنسق السلطة مع إسرائيل؟ بل أيضاً بالسؤال: من يراقب ما يتم تبادله، وما هي الضمانات التي تحمي المواطن؟
ما معنى «"لأمن" بالنسبة للمؤسسة والمواطن؟
قد تنظر المؤسسة الأمنية إلى الأمن باعتباره منع الهجمات، وضبط السلاح غير القانوني، ومنع الجرائم وحماية النظام العام.
لكن المواطن قد يضع تعريفاً أوسع للأمن: حماية منزله من الاقتحام، حماية عائلته من العنف، حماية حريته من الاعتقال التعسفي، وحمايته من اعتداءات المستوطنين، وضمان وصوله إلى المستشفى والعمل والتعليم.
وهنا تتقاطع المشكلة مع طبيعة الواقع السياسي نفسه. فالسلطة لا تملك السيطرة الأمنية الكاملة في جميع أنحاء الضفة، ولذلك فإن قدرتها على حماية المواطن من بعض مصادر الخطر محدودة. وفي الوقت نفسه، فإن محدودية الصلاحيات لا تعفي المؤسسات الفلسطينية من تطوير أدواتها وقدراتها في المناطق الواقعة ضمن مسؤولياتها.
ماذا حدث عندما توقف التنسيق؟
في عام 2020، أعلنت السلطة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني والمدني مع إسرائيل في أعقاب الإعلان الإسرائيلي عن خطط لضم أجزاء من الضفة الغربية. وقد أظهر ذلك أن قطع قنوات الاتصال لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمكن أن ينعكس على ملفات مدنية وإنسانية مرتبطة بالحركة والخدمات والإحالات الطبية وغيرها.
وتكشف هذه التجربة أن العلاقة الأمنية ليست منفصلة تماماً عن بقية ترتيبات الحياة اليومية، وأن أي تغيير فيها يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الأجهزة الأمنية إلى المواطن نفسه.
هل يمكن تصور تنسيق محدود؟
بدلاً من التعامل مع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً بين "التنسيق الكامل" و"قطع كل الاتصالات"، يمكن طرح نموذج يقوم على تحديد واضح لما يجوز أن يشمله الاتصال وما لا يجوز أن يشمله.
قد يتركز أي تنسيق محدود على منع تهديد مباشر للمدنيين، ومكافحة الجرائم العابرة للمناطق، والاستجابة للطوارئ، وحماية الفرق الطبية والإنسانية، مع وجود قواعد قانونية واضحة تحدد طبيعة المعلومات التي يمكن تبادلها والجهة المخولة بذلك.
وفي المقابل، يتطلب هذا النموذج الفصل الواضح بين المسائل الأمنية وبين ممارسة المواطنين لحقوقهم في التعبير والتنظيم والعمل السياسي السلمي، حتى لا تتحول المعلومات الأمنية إلى وسيلة للتضييق على الحقوق والحريات.
من يراقب التنسيق؟
تبقى الشفافية والرقابة من أكثر النقاط إثارة للنقد داخل النقاش الفلسطيني. فكلما تعلق الأمر بتبادل معلومات يمكن أن تؤثر في حياة مواطن أو حريته، يصبح وجود قواعد واضحة وآليات رقابة ومساءلة أمراً أساسياً لاستعادة الثقة.
المواطن هو الاختبار
في النهاية، لا يكفي السؤال عما إذا كان التنسيق الأمني "جيداً أو سيئاً" في ذاته.
الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان يساهم فعلياً في منع الهجمات، وتقليل الاحتكاك، وحماية المدنيين، وتقليل المخاطر على المواطنين، وفي الوقت نفسه يخضع لقواعد واضحة ورقابة تحمي الحقوق والكرامة.
فإذا كان التنسيق يحقق حماية ملموسة للمواطن ضمن إطار قانوني واضح، فهذه نتيجة يمكن قياسها ومناقشتها. وإذا كان يؤدي إلى تبادل معلومات من دون حماية حقيقية، أو يثير مخاوف جدية بشأن الحقوق والحريات، فهذه أيضاً مسألة تستحق المساءلة.
وفي الحالتين، يبقى السؤال الأهم ليس: مع التنسيق أم ضده؟
بل: ماذا يحصل عليه المواطن الفلسطيني فعلياً من هذا التنسيق، ومن يضمن أن تكون سلامته وحقوقه هي نقطة البداية والنهاية؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


