البيئة "منجم أفكار" يُغنِي قصص الأطفال

13.08.2020 07:18 PM

وطن- تقرير: هديل عوني عطاالله

"فتحت "وروّقة" عينيها بتكاسل على صوت قريب "استيقظي أيتها الصغيرة إنك تضايقيني".. كان ذلك صوت الورقة القابعة تحتها، نظرت "وروّقة" حولها فوجدت نفسها وسط مجموعة من الأوراق تستلقي تحت أشعة الشمس لتجف.

(عذراً يا صديقتي).. قالت وروّقة لجارتها وهي تفتح ذراعيها لشمس ربيعية عذبة سطعت في الأرجاء ثم تفحصت هيئتها، لقد عادت نظيفة بملمس ناعم... "يا آلهي كيف عدنا إلى الحياة من جديد".. سألت ورّوقة فأجابتها جارتها "لقد أعيد تدويرنا بنجاح يبدو أنها التجربة الأولى لك"..
إنه مقطعٌ مشوقٌ من قصة بعنوان "سيرة حياة ورقة" لكاتبة قصص الأطفال الأردنية هيا صالح؛ وقد فازت بها بجائزة الشارقة لكتاب الطفل للعام 2013، ومن اللافت الطريقة التي ختمت بها حكايتها بما يشبه ورشة قدمت فيها للطفل معلومات حول التدوير، وطريقة صنع ورقته الخاصة بشكلٍ بسيط، انطلاقاً من فكرة أن ذلك سيتيح للطفل النظر إلى موضوع التدوير، إذا ما تمكن من ممارسته بنفسه على أنه شيء خاص به، ولصيقٌ بعالمه وليس مجرد فكرة تجريدية، بحسب قولها.

أرضية خصبة
تُحدثنا هيا عن تجربتها في الكتابة للأطفال في موضوع البيئة على وجه التحديد؛ وتستهل كلامها أن البيئة حاضرة في أكثر من 90% من قصص الأطفال، سواء عبر شخصياتها التي من الممكن أن تكون حيوانات أو مكونات بيئية كالحجارة أو الصخور أو الجبال أو الأشجار، أو أجوائها العامة، أو من ناحية المحيط البيئي الذي يتحرك فيه الطفل بطل القصة.

ولا تجد فارقاً بين الكتابة عن البيئة وبين الأفكار الأخرى سوى أن الموضوع الذي تتناوله قصة ما قد لا يرتبط جزئياً أو كلياً بالبيئة، كما ترتبط القصص الموجهة خصيصاً لنقاش موضوع بيئي معين، موضحةً مقصدها "المختلف هو الأسلوب الذي أطرح به أو أناقش تلك الأفكار، والبناء القصصي الذي يلبي حاجات الطفل النفسية، ويتلاءم مع إدراكه ووعيه".
وترى القاصة الأردنية أن الأدب الموجه للطفل يحظى بخصوصية شديدة، وحتى يتمكن الكاتب من توصيل معلومة مهمة وبشكل مسلي وممتع للطفل فإنه يواجه بسبب ذلك تحديات كبرى.

وأكثر ما اختبرته في تجربتها أنه يتعين على الكاتب البالغ أن يعود -لحظة الكتابة- طفلاً؛ سواء في موضوعاته أو في طريقة تفكيره أو تصرفاته أو تعبيره، فلا يدخل مضمار هذا الميدان، إلا إذا استحوذ عليه دافع قوي لرواية قصة ممتعة للطفل" كما يقول الكاتب جون أيكن، تبعاً لكلامها.

سألتها عن مدى انجذاب كتّاب القصص العربية إلى هذا النوع من المحتوى، لتخبرني أن "البيئة تمثل بمفهومها العام أرضية خصبة لكتّاب الطفل، كونه يرتبط بها بشدة، سواء من ناحية نظرته الخاصة لمحيطه البيئي الذي يعيش فيه، أو تفاعله مع هذا المحيط الذي يشكل هويته، وبالتالي فالموضوع البيئي الذي يتناوله الكاتب؛ يُعد مرشحّاً قوياً ليتفاعل معه الطفل، ومن خلاله يؤدي الكاتب رسالته في تنمية الأبعاد الذهنية والوجدانية والفسيولوجية، بحسب قولها.

القصة تقدر على التغيير
"عِنْدَما حَطَّت اليَرَقَةُ عَلى التُّراب، قَفَزَ نَحوَها عنكَبوتٌ كانَ يترصَّدُها مُحَاوِلاً اصطيادَها، فارْتَفَعَ صَوْتُ سلمى: جَدَّتي، أسْرِعي، اليَرَقَةُ الصَّغيرةُ في خَطَر.

اقْتَرَبَت الجَدَّةُ مِنْ حَفِيدَتِها وهيَ تَقولُ بِثِقَة: لَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ ذَلك؛ِ بدَهْشَةٍ كَبيرةٍ سألَتْ سلمى: وَلِماذا تَعْتَقِدين ذَلك؟ إنَّهُ يَبْدو قَوِيَّاً؛ قالَت الجَدَّةُ: حاوِلي يا سلمى أنْ تَلْمِسي اليَرَقَة، وَسَتَعْرِفينَ السَّبَب
رَدَّتْ سلمى: لا يا جَدَّتي، ماذا لَوْ آذَتْني؟

انْحَنَت الجَدَّةُ وَوَضَعَتِ اليَرَقَةَ في كَفِّها، وَقَرَّبَتْها مِنْ سلمى وَهيَ تَقُول: "انْظُري يا صَغيرَتي.. هَلْ تَرَيْنَ هذه الأشْوَاكَ النَّاعِمَةَ التي تُغَطِّي جَسَدَ اليَرَقَة، إنَّها تَحْمِيها مِنْ خَطَرِ الحَشَراتِ المُعْتَدِيَةِ لأنَّها تَعْلَقُ في حَلْقِ الحَشَرَة".
دقّقت سلمى في جَسَدِ اليَرَقَة وَقَالَتْ: آآآآه، فَهِمْتُ الآن".

إنه مقطعٌ لطيف من قصة أخرى، ويحضر هيا هنا ما أخبرتها به صديقتها أن ابنتها تخلصت بشكل جزئي من "فوبيا" الخوف من الحشرات بعد أن قرأت لها مراراً قصة "سلمى واليرقات"، معقبةً بالقول "هذه الردود تسعدني جداً لأنها تؤكد على وصول رسالتي الإنسانية للطفل، وأن القصة ما تزال قادرة على إحداث التغيير في عالمه".
كان لا بد لــ هيا صالح أن تعرّج في حوارها مع مراسلة "مجلة آفاق البيئة والتنمية" على دور القصة الموجهة للطفل؛ إذ تقول أنه ما يزال فاعلاً رغم كل المغريات التي تحيط عالم الطفل من ألعاب متطورة ووسائل تكنولوجية مبهرة.
وتواصل في السياق نفسه "البيئة كانت وستبقى الحاضنة الأولى لخيال الطفل ونموه على مختلف الصعد، إنها الأفق الأرحب أمام كاتب الطفل والإطار الأمثل لتقديم أفكاره على اختلافها، ولذا تستحق من الجميع النظر إليها بتقدير عالٍ، والابتعاد عن رؤيتها كمصدر للاستهلاك البشري وحسب".

الردود تصل هيا ليس فقط من الأمهات والتربويات إنما من الأطفال أنفسهم، فلا تنسى ما حدث يوماً عندما قرأت قصة "شامة الصغيرة في ورطة كبيرة" في نادي قراءة للأطفال، لتخبرها المعلمة بعدها كيف صار الأطفال يراقبون "الدعسوقة" ويتحدثون عنها بوصفها "شامة" بطلة القصة.

أما "الخيال" فهو المفتاح السحري لجذب الطفل للقصة، ويروق لها أن تصف المفتاح بقولها: "خيال يستند إلى الحياة الواقعية ويراعي الخصائص النفسية للطفل ويساعده في التعرف على حياته الخاصة، كما يجعله مدركاً لمدى تنوع العالم، إذ يضيف الخيال إلى عالم الطفل أفكاراً جديدة حول عوالم تحفزّه بدورها وتدفعه للتفاعل معها".

التوعية البيئية
وترى أن التوعية البيئية تتطلب الاستمرارية وتظافر جهود الجميع من حكومات ومؤسسات وأسر وأفراد، من أجل تنمية الإيمان بأهمية الحفاظ عليها، وتغيير النظرة المجحفة في حقها، ومن أعماق روحها تقول "الطبيعة كائن حنون إذا ما اقتربنا منه وتعاملنا معه بلطف، ومدافع شرس لو عبثنا به وتعدينا عليه بلا مسؤولية، ونحن اليوم نشهد نتائج ذلك متجلية في تلك الجائحة التي تهدد العالم أجمع". 
وتعبر عن أسفها لما يتعرض له العالم من تلوث بيئي بات يهاجمه بلا هوادة عبر فيروس "كورونا" واصفة إياه "بالوحش الذي صنعناه بتعدينا على البيئة"؛ محذرة البشرية من أنه لا سبيل إلى النجاة، إذا ما ظل الإنسان معتقداً أن كل شيء خلق من أجل أن يلبي رغباته واحتياجاته هو فقط، وبالتالي يبرر لنفسه التعدي الفاحش على مكونات الطبيعة.

وعلى عجالة تتطرق إلى قصتها "سيرة حياة ورقة" التي شاركت بها في مشروع "عمّان أحلى مكان" ضمن سلسلة  ورش تتمحور حول التوعية البيئية نظمتها أمانة عمّان الكبرى.

تقول "طُلب مني قراءة قصة خلال حفل افتتاح المشروع، وكان الحضور جُلّهم من طلبة المدارس الإعدادية، تتراوح أعمارهم بين 12-15 سنة، ارتأيت أن أوجه لهم نصاً مناسباً بعيداً عن الطرح المباشر، وهكذا جعلت بطلة قصتي "ورقة" تتعرض لسلسلة من التقلبات في حياتها، وبعد أن تفقد الأمل، يُعاد تدويرها مرة أخرى وتعود الحياة لها لتحقق ما كانت تتمناه وهو أن تصبح ورقة ضمن كتاب يتضمن قصة للأطفال".

ومرة أخرى تؤكد أن البيئة تشكل "منجماً للأفكار" عند كتّاب الطفل بحسب تعبيرها، والنتاج الذي يدور حولها أو يصبّ في صلبها كثير، مما يستقطب اهتمام دور النشر بالقصص التي تدعو للحفاظ على البيئة وتنمي لدى الطفل حس الانتماء لموجوداتها.

وجودنا من وجودها
في مطلع قصة "الأستاذ كيس" يقول بطل الحكاية محمود "لفت انتباهي الكيس الذي أحضره عمي نزار معه عندما زارنا، فأثناء حديثه مع والدي أخرج منه ورقة وقلماً وبعد ذلك أخرج هاتفه النقال ثم المفكرة الشخصية وزجاجة دوائه.
لاحظ عمي أني أنظر مطولاً إلى كيسه فابتسم وسألني "هل أعجبك"، سألته "لماذا تضع أغراضك في كيس ولا تحمل حقيبة مثل أمي عندما تذهب إلى الجامعة".

ضحك أبي وقال: "عمك صديق للبيئة وحتى أبسطّ لك الفكرة هو يعمل من أجل الطبيعة حتى تبقى بصحة جيدة".
قصة طريفة تشجع على استخدام الأكياس القماشية بدلاً من أكياس النايلون والورق؛ للكاتبة اللبنانية سناء شباني التي رحبت بــــ "آفاق بيئية" أيّما ترحاب؛ مستهلةً حديثها الممتع "عندما أكتب عن موضوع بيئي أو غيره، أحرص قبلها أن أتمعن وأدقق في صحة المعلومات قبل المباشرة بمقاربة الموضوع من خلال القصة، شخصياً لا أود أن أقحمهم في مسألة تحمّل مسؤولية مشكلة التلوّث البيئي التي فشلت الأجيال السابقة في السيطرة عليه، مما أدّى إلى وصولنا إلى مشكلة "الاحتباس الحراري" الذي نعاني من تبعاته في الوقت الحاضر، كل ما أريده ببساطة أن أظهر في القصص أن البيئة جديرة باهتمامنا. نحن بحاجة إليها لأن وجودنا من وجودها".

سناء التي تحب مصادقة الأطفال وتستمتع بوقتها عندما تكون بصحبتهم، عادةً ما تستلهم أفكار قصصها من الأطفال والمراهقين أو من مخزون طفولتها أو من خيالها لمفاجآة القارئ، سألتها "كيف تعمل القصة على تحسين السلوك البيئي؟"..الكاتبة التي لا تسعها الفرحة عندما تستقبل تسجيلات أو فيديوهات بصوت طفل أو مراهق يعبّر عن إعجابه بشخصيات القصة وحبكتها، فتشعر بعمق تأثيرها، ألقت لي بالجواب: "أسعى عبر النص إلى تعديل المعتقدات أو إبراز مفاهيم قد يقتنع الأولاد برسائلها، وعلى أية حالٍ لا تستطيع أي قصة تغيير سلوك أو بناء سلوك جديد؛ فالأمر مُعقّد ولا يحدث ببساطة. يحتاج الإنسان إلى تجربة سلوك جديد قبل تبنيّه، هناك سلوكيات تُحدث صدمة عند بعض الصغار فيقومون بتبنيّها مثل سلوك العنف والتعزيز الإيجابي الذي يحصّله البطل بسببه، كما نرى في بعض الأفلام السينمائية".

وتأمل أن تمضي المجتمعات قدماً نحو صناعة جيل واعٍ بالبيئة المحيطة، قائلةً "نحن نتشارك العيش في الكرة الأرضية مع كائناتٍ أخرى متنوعة وطبيعة غنيّة ورائعة. نتمنى أن تصبح العناية بالبيئة أمراً أساسياً في حياتنا وفي كافة مناحي سلوكنا؛ بدءًا من ترشيد استخدام المياه والكهرباء ورمي النفايات في السلال المُخصصة لها، والتدوير وشراء الأشياء الضرورية التي نحتاجها فقط".
ومن جهةٍ أخرى تؤكد أن من المواضيع المؤرقة التي يُحبذ طرحها "المَخاطر التي تتعرّض لها البيئة" في ظل أن العديد من النباتات والحيوانات والحشرات صار وجودها مهدداً وعرضة للانقراض بسبب التغيير المناخي، مضيفة "صار لزاماً علينا المحافظة على البيئة وتوعية أطفالنا بدورها الأساسي في حياتنا لتعزيز السلوك الصحي والشعور بتقدير البيئة".

عالم حيوي
عندما تصف عالم الكتابة للطفل يتدفق منها الحماس، تقول سناء "حسناً يا عزيزتي! إنه علمٌ وتقنيات، وفن، وموهبة. الأطفال عالم حيوي وغنيّ بالمشاعر؛ مليء بالمفاجآت الجميلة والعفوية؛ ومَهَمّة الكاتب احترام الخصائص العمرية للفئة المستهدفة في الكتابة وطرح الموضوع بطريقة جذابة تستحث التفكير الإيجابي؛ وفي المقابل ثمة تحدّيات في الأمر على شاكلة اختيار المفردات وحجم الجمل ونوعها، والابتعاد عن الأسلوب التعليمي، والنص الذي يبعث الملل؛ كلها نقاطٌ حريٌ بنا دراستها".
ومما يُحسب لتجربتها؛ حرصها على أن يجد قارئها الصغير واقعًا أليفًا له، وشخصية تُشبهه بأفكاره التي قد تكون خاصة به ولم يشاركها مع أحد من قبل، وهكذا عندما تنقله عبر القصة إلى عالم خيالي سرعان ما يستمتع بالرحلة؛ مبتعدة عن منح المكافآت دون سبب، وفكرة الحظ في النجاح، وفقاً لقولها.

وبالعودة إلى التحديات؛ فإنها تكابدها حتى تقدم محتوىً ذي بصمة جيدة ينال استحسان دار النشر، والرسّام، والقارئ، على أن تعيش في القصة ومع شخصياتها ومشاعرها، أما إن لم تستمتع بها – كما تقول- ستفقد حماسها لتقديمها إلى الناشر.
وتضيف: "أحيانًا يكون المخاض عسيراً لأنه من الأهمية بمكان الوصول إلى حالة من التكامل بين كافة العناصر؛ على سبيل المثال لو كان النصُّ جميلًا إن لم تصاحبه الرسوم الجيدة والإخراج المدروس وإعداد الغلاف الجذّاب؛ عندئذ تضعف مقومات القصّة وعوامل الجذب للطفل ليقرأها بشهيّة".

تُحدثنا هيا صالح كاتبة قصص الأطفال الأردنية عن تجربتها في الكتابة للأطفال في موضوع البيئة على وجه التحديد؛ وتستهل كلامها أن البيئة حاضرة في أكثر من 90% من قصص الأطفال، سواء عبر شخصياتها التي من الممكن أن تكون حيوانات أو مكونات بيئية كالحجارة أو الصخور أو الجبال أو الأشجار، أو أجوائها العامة، أو من ناحية المحيط البيئي الذي يتحرك فيه الطفل بطل القصة.
ومن ناحيتها، تقول الكاتبة اللبنانية سناء شباني "عندما أكتب عن موضوع بيئي أو غيره، أحرص قبلها أن أتمعن وأدقق في صحة المعلومات قبل المباشرة بمقاربة الموضوع من خلال القصة، شخصياً لا أود أن أقحم الأطفال في مسألة تحمّل مسؤولية مشكلة التلوّث البيئي التي فشلت الأجيال السابقة في السيطرة عليها مما أدّى إلى وصولنا إلى مشكلة "الاحتباس الحراري" الذي نعاني من تبعاته في الوقت الحاضر، كل ما أريده ببساطة أن أظهر في القصص أن البيئة جديرة باهتمامنا. "نحن بحاجة إليها لأن وجودنا من وجودها".

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير