التحكيم والوساطة في الخليل.. 300 قضية عولجت و60% انتهت بالمصالحة
رئيس الغرفة التجارية الصناعية في الخليل عبدو إدريس يدعو عبر وطن إلى تعزيز الوسائل البديلة لحل النزاعات وتطوير التشريعات لتخفيف الضغط عن القضاء وحماية العلاقات التجارية
وطن للأنباء: أكد رئيس الغرفة التجارية الصناعية في محافظة الخليل، عبدو إدريس، أهمية تعزيز الوسائل البديلة لحل النزاعات التجارية، وفي مقدمتها الوساطة والتحكيم، باعتبارها أدوات تسهم في تسريع تسوية الخلافات، والحفاظ على العلاقات بين التجار، وتخفيف الضغط عن القضاء الفلسطيني، في ظل طول أمد التقاضي والظروف الاقتصادية والجغرافية التي يعيشها الفلسطينيون.
وأوضح إدريس، خلال استضافته في الحلقة السادسة من بودكاست "بدائل"، الذي تنتجه شبكة وطن الإعلامية بالشراكة مع وزارة العدل وبدعم من برنامج "سواسية" المشترك، أن التحكيم والوساطة يمثلان جزءًا أساسيًا من الأنظمة الاقتصادية والقضائية في العديد من دول العالم، مشيرًا إلى أن الحاجة إلى تطوير هذه الوسائل ومأسستها في فلسطين تزداد مع تطور الحياة الاقتصادية واتساع العلاقات التجارية المحلية والدولية.
وأضاف أن التشريعات الفلسطينية تتضمن مواد تنظم التحكيم التجاري، لافتًا إلى أهمية تطوير الأنظمة والقوانين بما يواكب المستجدات الاقتصادية والتكنولوجية، ويسهم في توفير آليات أكثر فاعلية لتسوية النزاعات بعيدًا عن الإجراءات القضائية المطولة.
مركز التحكيم في الخليل.. تأسيس عام 2020 وتجربة في النزاعات المحلية والدولية
وأشار إدريس إلى أن مركز التحكيم التابع لغرفة تجارة وصناعة الخليل تأسس عام 2020، بالشراكة مع كلية الحقوق في جامعة الخليل، بهدف توفير إطار قانوني ومؤسسي لتسوية النزاعات التجارية، وفق الأنظمة الفلسطينية والمعايير ذات الصلة بالتحكيم الدولي.
وأوضح أن المركز تعامل منذ بدء عمله مع نحو 300 قضية، انتهى قرابة 60% منها بالمصالحة، فيما شملت القضايا الأخرى ملفات في الوساطة والتحكيم، من بينها نزاعات ذات طابع دولي، مرتبطة بعلاقات تجارية مع أطراف في دول، بينها الصين وإيطاليا وتركيا.
وبيّن أن المركز يعمل على تأهيل المحكمين وتطوير خبراتهم، إذ نظم أكثر من 15 دورة تدريبية بمستويات واختصاصات مختلفة، واستفاد من برامجه نحو 200 شخص، بما يتيح توفير محكمين يمتلكون الخبرة اللازمة في مجالات التجارة والصناعة والزراعة والمحاسبة، وفق طبيعة كل نزاع.
وشدد على أن المركز لا يسعى إلى أن يكون بديلًا عن المحامين أو القضاء، بل مكملًا للمنظومة القضائية، موضحًا أن المركز يشترط وجود محامين مع أطراف النزاع لضمان حقوقهم والحفاظ على مكانة المحامين ودورهم في العملية القانونية.
الوساطة والمصالحة.. الحفاظ على العلاقات التجارية وتقليل الخسائر
ولفت إدريس إلى أن اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات يختصر الوقت والجهد والتكاليف، في وقت قد يؤدي فيه تأخر حسم الخلافات التجارية إلى تعطيل المصانع والأعمال، وخسارة الصفقات وفرص العمل، وصولًا إلى تعثر الشركات أو إفلاسها.
وأوضح أن المركز يعتمد التدرج في معالجة النزاعات، بدءًا بمحاولات المصالحة، ثم الوساطة، وصولًا إلى التحكيم عند تعذر الحلول الودية، بحسب طبيعة القضية وظروفها.
وأضاف أن غالبية النزاعات التي يتعامل معها المركز تنتهي بصورة ودية، ما يتيح للأطراف مواصلة أعمالهم والحفاظ على علاقاتهم التجارية والشخصية، بدلًا من الوصول إلى مرحلة يصبح فيها أحد الأطراف رابحًا والآخر خاسرًا.
وأكد أن الغرف التجارية تشكل بيئة متخصصة لمعالجة الخلافات الاقتصادية والحقوقية الناشئة عن العلاقات التجارية، بخلاف المحاكم التي تنظر في طيف واسع من القضايا، مشيرًا إلى أن تسوية النزاعات ضمن إطار اقتصادي متخصص تساعد في الحفاظ على مصالح الأطراف واستمرارية أعمالهم.
الشراكات التجارية والشركات العائلية.. الوقاية قبل الوصول إلى النزاع
وتطرق إدريس إلى أبرز المشكلات التي تواجه المركز، وفي مقدمتها الخلافات الناشئة عن الشراكات التجارية، والعلاقات بين الموردين والمؤسسات، والنزاعات المرتبطة بالشركات العائلية.
وأوضح أن غياب التوثيق الدقيق للعقود، وضعف الإجراءات المحاسبية، وعدم تنظيم الميزانيات والالتزامات منذ بداية الشراكة، قد تؤدي إلى تفاقم الخلافات لاحقًا.
وأشار إلى أن الغرفة تعمل على تطوير عيادة قانونية تُعنى بحوكمة الشركات العائلية، بهدف تقديم الإرشاد القانوني والوقاية من النزاعات قبل وقوعها، ووضع أسس واضحة لإدارة العلاقات والحقوق والالتزامات بين الشركاء.
وفي هذا السياق، نصح التجار وأصحاب الأعمال بإدراج شرط التحكيم في العقود التجارية منذ البداية، وتحديد مكان التحكيم بصورة مناسبة لطبيعة العمل وإمكانات الأطراف، بما يضمن وجود آلية واضحة للرجوع إليها عند نشوء أي خلاف.
تطوير التشريعات وتعزيز دور الغرف التجارية
وأكد إدريس أن انتشار الوسائل البديلة لحل النزاعات يتطلب تطوير القوانين والأنظمة بصورة مستمرة، لمواكبة التغيرات التي يشهدها العالم، بما في ذلك التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والتبليغ الإلكتروني.
وشدد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتعزيز التحكيم والوساطة، بما يشمل توسيع دور مراكز التحكيم المعتمدة في الغرف التجارية، وإتاحة تحويل القضايا التجارية المناسبة إليها، الأمر الذي من شأنه تخفيف العبء عن القضاء الفلسطيني وتقليص مدة الفصل في النزاعات.
كما دعا إلى تعزيز التعاون بين وزارة العدل والغرف التجارية ومؤسسات المجتمع المدني، وتكثيف حملات التوعية الموجهة إلى التجار والمواطنين بشأن آليات التحكيم والوساطة، مشيرًا إلى أن تزايد الإقبال على المركز يعكس تنامي الثقة بهذه الوسائل.
ولفت إلى أن الغرفة تعمل على توسيع مرافق مركز التحكيم في الخليل، في ظل ازدياد عدد القضايا وضيق المساحة المتاحة، إلى جانب التوجه نحو الاستفادة من عضوية الغرف التجارية الفلسطينية في غرفة التجارة الدولية، وتطوير الخبرات في مجال التحكيم التجاري المحلي والدولي.
الخليل تحت الحصار.. الحاجة إلى حلول أسرع للنزاعات
وأشار إدريس إلى أن أهمية الوسائل البديلة لحل النزاعات تزداد في محافظة الخليل، في ظل القيود الإسرائيلية على الحركة وصعوبة التنقل والدخول والخروج، وما تفرضه من أعباء إضافية على المواطنين والتجار والقطاع الاقتصادي.
وأكد أن تسريع تسوية الخلافات التجارية يساعد في الحفاظ على استمرارية الأعمال ودعم الاقتصاد الفلسطيني، داعيًا إلى تعزيز التكامل بين المؤسسات الفلسطينية، وتوسيع نطاق الاستفادة من مراكز التحكيم والوساطة في مختلف المحافظات.
وفي ختام حديثه، دعا إدريس التجار إلى التوجه نحو مراكز التحكيم الفلسطينية المعتمدة، وإدراج شروط التحكيم في عقودهم، كما حث الحكومة والجهات المختصة على تعزيز إحالة النزاعات التجارية إلى المراكز المتخصصة، بما يضمن سرعة تسويتها ويحافظ على الحقوق والعلاقات التجارية ويدعم صمود الاقتصاد الفلسطيني.


