الزحف العمراني يلتهم الأراضي الزراعية في فلسطين.. دعوات لتشكيل لجنة وطنية وحماية الأراضي الزراعية عالية القيمة

17.10.2026 04:50 PM

مناظرة بيئية لـ"مركز العمل التنموي/ معا" وشبكة وطن: عدم وجود الدراسات الدقيقة وتداخل الصلاحيات وضعف تطبيق القانون يفاقم التعديات على الأراضي الزراعية في مناطق تعتبر السلة الغذائية ل فلسطين. 

وطن للأنباء: حذّر مشاركون في مناظرة بيئية نظمها مركز العمل التنموي "معاً"، بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية وبدعم من مؤسسة هاينريش بول الألمانية – مكتب الأردن وفلسطين، من تصاعد مخاطر الزحف العمراني على الأراضي الزراعية في الضفة الغربية، وما يترتب عليه من تهديد للأمن الغذائي واستنزاف للموارد الطبيعية وتراجع المساحات الزراعية المنتجة، وبالأخص في مناطق تعتبر تاريخيا السلات الغذائية، مثل مناطق الاغوار وسهل مرج أبن عامر.

ودعا المشاركون إلى تشكيل لجنة وطنية متخصصة لحماية الأراضي الزراعية عالية القيمة، بمشاركة الوزارات والمؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص، إلى جانب مراجعة المخططات الهيكلية، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة، وتطوير السياسات الزراعية والعمرانية بما يحقق التوازن بين احتياجات المواطنين للسكن وضرورة الحفاظ على الأراضي الخصبة.

وشارك في المناظرة مدير عام الأراضي الزراعية في وزارة الزراعة عمار صلاحات، والوكيل المساعد لشؤون الهيئات المحلية في وزارة الحكم المحلي خالد اشتيه، ومدير عام جمعية الإغاثة الزراعية الفلسطينية منجد أبو جيش، والباحث ومدير المشاريع في مركز أبحاث الأراضي المهندس مدحت عطاونة بمشاركة عدد من المهتمين والصحفيين.

أبو قرع: الأراضي الزراعية ثروة وطنية لا يمكن تعويضها بسهولة

وقال الخبير البيئي الدكتور عقل أبو قرع، في كلمته الافتتاحية ممثلا لمركز العمل التنوي/معا، إن سلسلة المناظرات  البيئية تأتي ضمن مشروع ينفذه مركز العمل التنموي "معاً" بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية وبدعم من مؤسسة هاينريش بول الألمانية، بهدف تناول قضايا بيئية ملحّة تهم المجتمع الفلسطيني، وتحفز النقاش المجتمعي حولها، في اتجاه إيجاد حلول عملية تخدم المجتمع الفلسطيني.

وأوضح أن المشروع تناول في مناظرات سابقة قضايا المياه والنفايات الصلبة والطاقة المتجددة، فيما تركز المناظرة الحالية على الأراضي الزراعية، لما لها من أبعاد بيئية واقتصادية وسياسية، وتأثير مباشر في خصائص التربة والموارد الطبيعية.

ودعا أبو قرع إلى الخروج بتوصيات عملية تتناول معايير البناء العمراني في الأراضي الزراعية، وحدود التوسع المسموح به، والإجراءات التي تتخذها الجهات الحكومية عند تجاوز القوانين والأنظمة، فضلاً عن البحث في خطط وطنية بديلة لتعويض الأراضي الزراعية الخصبة التي تفقد نتيجة التوسع العمراني.

وأشار إلى أهمية تدخلات المجتمع المدني في استصلاح الأراضي، وحفر الآبار الارتوازية، وشق الطرق الزراعية، وإنشاء البيوت البلاستيكية والسلاسل الحجرية، وبرك تجميع المياه،  مستذكراً ما كانت تتمتع به مناطق الأغوار، ومنها العوجا والجفتلك، من أراضٍ زراعية  خصبة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تتوسع فيها الفلل وبرك المياه على حساب الأراضي الزراعية والمياه العذبة المستخدمة في ري محاصيل أساسية.

وأضاف أن ما شهدته الأغوار ينطبق كذلك على سهل مرج بن عامر، مشيراً إلى تقديرات واحصاءات تفيد بتراجع نحو 15% من الأراضي الخصبة في المنطقة من خلال الزحف العمراني عليها، ومؤكداً ضرورة التعامل مع هذه الخسائر باعتبارها قضية وطنية تستدعي حلولاً عملي، وتكاتف الجهود لخطة بديلة تهدف الى تعويض الفاقد من الأراضي الزراعية. .

عوامل إسرائيلية وفلسطينية وراء تفاقم الظاهرة

واستعرض تقرير عُرض خلال المناظرة مجموعة من العوامل التي أسهمت في تفاقم الزحف العمراني على الأراضي الزراعية في الضفة الغربية، موضحاً أن الإجراءات الإسرائيلية، بما فيها القيود المفروضة على البناء والتوسع في المستوطنات والبؤر الاستيطانية وشق الطرق الاستيطانية، تدفع الفلسطينيين في حالات مختلفة إلى التوجه نحو المناطق المصنفة "أ" و"ب"للبناء، على حساب الأراضي المستخدمة في الإنتاج الزراعي.

وأشار التقرير إلى أن الزيادة الطبيعية في عدد السكان وارتفاع الكثافة السكانية والحاجة إلى السكن، بالتزامن مع محدودية توسيع المخططات الهيكلية للقرى والمدن، تسهم في زيادة الضغط على الأراضي الزراعية.


كما لفت إلى دور البناء العشوائي وضعف الرقابة وعدم التطبيق الصارم للقوانين المتعلقة بمخالفات البناء، وما نتج عن ذلك من خسارة مساحات من الأراضي الخصبة وبساتين الزيتون والعنب، خصوصاً في الأغوار وسهل مرج بن عامر بمحافظة جنين.

وحذّر التقرير من أن تقلص الأراضي الزراعية والمناطق الخضراء المثمرة ينعكس سلباً على الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي، ويسهم في تدهور البيئة واتساع رقعة الأراضي المتصحرة.

صلاحات: 10% فقط من الأراضي الزراعية عالية القيمة

وأكد مدير عام الأراضي الزراعية في وزارة الزراعة عمار صلاحات أن موقف الوزارة واضح في رفض البناء على حساب الأراضي الزراعية، مشيراً إلى أن الأراضي تُصنّف وفق قيمتها الزراعية إلى أراضٍ عالية ومتوسطة ومنخفضة القيمة.

وأوضح أن الأراضي عالية القيمة لا تشكل أكثر من 10% من إجمالي الأراضي الزراعية، وهي غالباً الأراضي السهلية ذات الانحدارات المنخفضة والتربة العميقة نسبياً، التي تتمتع بقدرة إنتاجية مرتفعة.

وقال صلاحات إنه لا يملك رقماً دقيقاً يحدد نسبة التوسع العمراني على هذه الأراضي، في ظل الحاجة إلى دراسات متخصصة، لكنه أشار إلى وجود مخالفات وتعديات ومشاهدات ميدانية تؤكد استمرار المشكلة.

وشدد على ضرورة توجيه التوسع العمراني نحو المناطق غير الزراعية، والالتزام بالمخططات الهيكلية والأنظمة المعمول بها، مؤكداً أن حق المواطنين في البناء على أراضيهم يجب أن يُراعى ضمن ضوابط تحمي الأراضي المنتجة والأمن الغذائي وحقوق الأجيال القادمة.

وأضاف أن القضية لا تتعلق بمنع المواطنين من الاستفادة من أملاكهم، وإنما بالحفاظ على مورد محدود لا يمكن تعويضه بسهولة، موضحاً أن تكوّن طبقة من التربة في البيئات الجافة وشبه الجافة قد يستغرق ما بين 100 و400 سنة، فيما تتطلب الأراضي الزراعية الخصبة تراكمات طبيعية تمتد لآلاف السنين.

وأشار إلى أن مسؤولية حماية الأراضي الزراعية جماعية، وتشمل المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والمواطنين، لافتاً إلى أن الوزارة تواجه تحديات حتى في التنسيق مع مؤسسات حكومية أخرى بشأن استخدامات الأراضي.

وأوضح أن وزارة الزراعة عضو في اللجان الإقليمية واللجان الفنية الخاصة بالمخطط الوطني المكاني ومجلس التنظيم الأعلى، وأن القرارات المتعلقة بالتخطيط واستخدامات الأراضي تُتخذ بصورة جماعية، وليست مسؤولية الوزارة وحدها.

وتطرق إلى خلافات بشأن إقامة مشروعات للطاقة على أراضٍ زراعية عالية القيمة، في ظل تحديد المخطط الوطني المكاني استخدامات الأراضي، مؤكداً ضرورة الالتزام بهذه الاستخدامات وعدم تحويل الأراضي الخصبة إلى مشاريع لا تتناسب مع تصنيفها.

صلاحات: 9.3% نسبة الأراضي الزراعية عالية القيمة وفق الأرقام التي عرضها

وفي رده على تساؤلات بشأن غياب الأرقام، قال صلاحات إن البيانات والخرائط الواردة في المخطط الوطني المكاني تتيح مقارنة التغيرات في استخدامات الأراضي بين المخططات السابقة والحالية.
وأشار إلى أن نسبة الأراضي الزراعية عالية القيمة، وفق الأرقام التي عرضها، تراجعت من نحو 10% عام 2014 إلى 9.3% في المخطط الأحدث، لافتاً إلى أن هذه الأراضي تبلغ نحو 500 ألف دونم، ما يجعل المحافظة عليها أولوية وطنية.

وأكد أن الوزارة تسعى إلى منع البناء على الأراضي عالية القيمة لحماية الإنتاج الغذائي، في حين يمكن توجيه البناء إلى الأراضي المتوسطة والمنخفضة القيمة، وفقاً للأنظمة والتخطيط المعتمد.

اشتيه: تداخل القوانين وتفتت الملكيات يعرقلان ضبط البناء

من جانبه، قال الوكيل المساعد لشؤون الهيئات المحلية في وزارة الحكم المحلي خالد اشتيه إن التعامل مع ملف الأراضي الزراعية يجري في ظروف فلسطينية استثنائية، تتسم بالتجزئة الجغرافية والقيود الإسرائيلية وضعف الإمكانات المتاحة.

وأوضح أن مسؤولية التخطيط والرقابة وإصدار التراخيص موزعة بين مجلس التنظيم الأعلى واللجان الإقليمية والمحلية، ضمن منظومة من الصلاحيات المشتركة.

وأشار إلى أن المادة 38 من القانون تتيح لرئيس اللجنة المحلية أو الإقليمية إزالة البناء المخالف في الحالات التي ينطبق عليها القانون، لافتاً إلى أنه شارك خلال عمله في المحافظات على مدار نحو 30 عاماً في تنفيذ عمليات هدم وإزالة أسوار في مواقع مختلفة، لكنه شدد على أن الواقع الفلسطيني يختلف عن الظروف الطبيعية التي تُطبّق فيها القوانين.

وقال إن هدم منشأة فلسطينية في ظل استمرار التوسع الاستيطاني قد يعني تراجع قدرة المواطنين على الصمود، في وقت يواصل فيه الاحتلال توسيع سيطرته على الأرض.

وأوضح أن لدى الحكم المحلي نحو 260 مخططاً هيكلياً مصادقاً عليه، إلى جانب 106 مخططات قُدمت إلى الجانب الإسرائيلي ضمن بروتوكول تفاهم مع الاتحاد الأوروبي للعمل في المناطق المصنفة "ج"، مبيناً أن المخططات التي لا يتلقى الجانب الفلسطيني بشأنها ملاحظات إسرائيلية خلال 18 شهراً يفترض أن يصبح العمل فيها ممكناً وفق الآلية المشار إليها.

وأضاف أن المصادقة لم تتم، وفق ما عرضه، إلا على خمسة مخططات في المناطق المصنفة "ج"، ما دفع الجهات المختصة في بعض الحالات إلى إصدار تراخيص بأثر رجعي للحفاظ على منشآت قائمة، مستشهداً بحالات في عنزة وفروش بيت دجن وعين شبلي.

وأشار إلى أن الجولات الميدانية وإجراءات توجيه الإخطارات مستمرة، لكن هناك أسباباً تعقّد عملية الترخيص، منها الظروف الاقتصادية، وتفتت الملكيات، وعدم تثبيت الملكية في بعض الأراضي التي لم تستكمل فيها أعمال التسوية، ووجود عدد كبير من الشركاء، بعضهم يقيم خارج البلاد، ما يصعّب الحصول على موافقات جميع المالكين.

اشتيه: قوانين متناقضة وضعف في التطبيق وتداخل في الصلاحيات

وفي رده على الانتقادات المتعلقة بضعف متابعة البناء المخالف، قال اشتيه إن القوانين والتشريعات القائمة تتضمن تناقضات وتداخلاً في الصلاحيات، الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى تنصل الجهات المختلفة من المسؤولية.

وأوضح أن الحكم المحلي لا يمتلك جهاز ضبط شرطيّاً يتيح له توقيف المخالفين أو سجنهم، فيما تقع على عاتق رؤساء الهيئات المحلية مسؤوليات قانونية تتعلق بفتح الشوارع والمحافظة عليها ومنع التعديات.

وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على غياب التشريعات، بل تشمل ضعف تطبيقها، لا سيما عندما يتردد رئيس المجلس المحلي في اتخاذ إجراءات بحق مواطنين من مجتمعه، في ظل احتياجاتهم للسكن والاعتراضات التي قد تترتب على منع البناء.

وأضاف أن البلديات تواجه كذلك صعوبات في تقديم الخدمات خارج حدود المخططات الهيكلية، إذ قد تكون المساحة المصادق عليها محدودة، فيما تتوسع احتياجات السكان إلى المياه والكهرباء وجمع النفايات والخدمات الأساسية.

ولفت إلى أن المواطنين يتجهون غالباً إلى المناطق التي تتوافر فيها المياه والكهرباء، حتى إن كانت خارج التنظيم، ما يزيد الضغوط على الأراضي الزراعية.

وتحدث عن التناقض بين قوانين التسوية والتسجيل والتخطيط، موضحاً أن أعمال التسوية قد تثبت ملكيات صغيرة جداً، في حين تفرض الأنظمة المتعلقة بالأراضي الزراعية قيوداً على الإفراز والبناء وفق تصنيف الأرض ومساحتها.

وأكد أن مسؤولية حماية الأراضي الزراعية لا تقع على جهة منفردة، داعياً إلى إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في التخطيط والحفاظ على الأرض، وإيجاد آليات عمل مشتركة تقلص الفجوة بين المواطنين والسلطة.

اشتيه: نحو 70 ألف منشأة في المناطق المصنفة "ج"

وفي معرض رده على سؤال بشأن الوحدات السكنية الفارغة، أشار اشتيه إلى تداول تقديرات تفيد بوجود نحو خمسة آلاف شقة غير مأهولة في رام الله وحدها، لكنه أكد أنه لا يستطيع الجزم بدقة هذا الرقم.

وأوضح أن هناك نحو 70 ألف منشأة، تشمل بيوتاً ومنشآت زراعية وحرفية وصناعية، في المناطق المصنفة "ج"، مشيراً إلى أن مشكلة الشقق الفارغة ترتبط كذلك بظروف السوق العقارية والاستثمارية.

وأضاف أن أسعار الأراضي في رام الله مرتفعة، وأن سلوك المستثمرين يتأثر بحالة الاستقرار أو التوتر، ما ينعكس على توجهات البناء والاستثمار، سواء في المباني السكنية أو الأراضي.

أبو جيش: استصلاح آلاف الدونمات وشق آلاف الكيلومترات من الطرق الزراعية

بدوره، أكد مدير عام جمعية الإغاثة الزراعية الفلسطينية منجد أبو جيش أن حماية الأراضي الزراعية تتطلب خطة بديلة تقوم على استصلاح الأراضي وتطوير البنية التحتية الزراعية وتحسين قدرة المواطنين على الوصول إلى أراضيهم واستثمارها.

وأوضح أن الجمعية أسهمت في شق نحو أربعة آلاف كيلومتر من الطرق الزراعية في الضفة الغربية، ما ساعد على حماية أكثر من 150 ألف دونم، إلى جانب استصلاح نحو خمسة آلاف دونم من الأراضي الزراعية.

وأشار إلى تنفيذ نحو 500 كيلومتر من خطوط المياه في مناطق مختلفة، بينها الأغوار وأريحا ومناطق أخرى، مؤكداً أن هذه التدخلات تسهم في تعزيز صمود المزارعين والحفاظ على الأراضي الزراعية.

وشدد على أن الأراضي عالية القيمة لا تتجاوز نحو 10% من الأراضي الزراعية، داعياً إلى وضع ترتيبات واضحة لحمايتها، بحيث لا يجري البناء عليها إلا بعد استكمال الموافقات اللازمة من الحكم المحلي ووزارة الزراعة.

ولفت إلى أن نسبة كبيرة من المناطق الفلسطينية تقع ضمن المناطق المصنفة "ج"، حيث تواجه المجالس القروية والبلديات اختلافات في الصلاحيات المتعلقة بالتخطيط والترخيص، الأمر الذي يستدعي تعزيز التنسيق بينها.

ودعا أبو جيش إلى العمل مع المجتمعات المحلية لتوجيه البناء نحو الأراضي الأقل قيمة زراعياً، وعدم إقامة المنشآت التي تعيق استثمار الأراضي الخصبة، مؤكداً أن حماية الأرض تتطلب شراكة بين الهيئات المحلية ووزارتي الزراعة والحكم المحلي والمؤسسات الأهلية.

أبو جيش: لا يجوز التعامل مع الأراضي بمعزل عن الواقع السياسي

وقال أبو جيش إن النقاش البيئي في فلسطين لا يمكن فصله عن الواقع السياسي، في ظل فقدان السيطرة على أجزاء من الأراضي، خصوصاً في الأغوار والمناطق المهددة بالمصادرة والاستيطان.

وأضاف أنه لا يمكن تقييم أداء وزارتي الزراعة والحكم المحلي في هذه المناطق من الناحية الفنية فقط، دون مراعاة الظروف السياسية والقيود المفروضة على الفلسطينيين.

وأكد، في المقابل، أن بالإمكان الحد من الأضرار من خلال اللجان المشتركة والتنسيق بين المؤسسات، مشيراً إلى أن وزارة الزراعة تبذل جهوداً للدفاع عن الأراضي عالية القيمة، فيما تواجه وزارة الحكم المحلي تعقيدات مرتبطة بصلاحيات المجالس القروية والبلدية.

ودعا إلى تعزيز وعي المواطنين والمجالس المحلية بأهمية حماية الأراضي الزراعية، وعدم التعامل مع الملف من زاوية إدارية ضيقة، بل ضمن رؤية وطنية شاملة.

وأشار إلى أن حماية الأراضي المتوسطة القيمة أيضاً تمثل خطوة مهمة، حتى إن تعذر الحفاظ على جميع الأراضي في ظل الظروف القائمة.

كما شدد على ضرورة إشراك المؤسسات الأهلية الزراعية في اللجان المختصة، حتى لو كان ذلك بصفة استشارية، للاستفادة من خبراتها في تطوير الحلول.

عطاونة: غياب دراسة رسمية دقيقة لحجم الزحف العمراني

من جهته، قال الباحث في مركز أبحاث الأراضي المهندس مدحت عطاونة، إنه لا توجد دراسة رسمية دقيقة تحدد حجم البناء العمراني على الأراضي الزراعية عالية القيمة في الأراضي الفلسطينية، باستثناء دراسات محدودة في مناطق جنين وطوباس ومرج بن عامر.

وأشار إلى بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2001، تحدثت عن نحو 900 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية، لافتاً إلى أن مقارنة البيانات المتاحة لا تكفي وحدها لتحديد حجم التغيرات التي طرأت على الأراضي الزراعية خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن بعض المؤشرات المتعلقة بحصة الفرد من الأراضي الزراعية المنتجة تعكس تراجعاً في المساحات المتاحة، سواء نتيجة الاعتداءات أو منع الوصول إليها.

وأكد أن غياب الدراسات المتخصصة يمثل فجوة أساسية في التعامل مع الظاهرة، داعياً إلى إعداد دراسات دورية ترصد التوسع العمراني وأثره في الأراضي الزراعية، وتحدد حجم الخسائر ومناطق تركزها.

وانتقد عطاونة ممارسات بعض البلديات والمجالس القروية التي توسع المخططات العمرانية دون مراعاة كافية لقيمة الأراضي الزراعية، مشيراً إلى أن بعض المدن ألغت تصنيف الأراضي عالية القيمة بالكامل.

ولفت إلى أن المخططات الهيكلية المعتمدة لا تعكس، في كثير من الحالات، مشاركة كافية للخبراء الزراعيين في إعدادها أو اعتمادها، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في آليات التخطيط.

عطاونة: تدمير آلاف الدونمات وقطع 12 ألف شتلة عنب في منطقة الخليل

وضرب عطاونة مثالاً من منطقة الخليل، وتحديداً في محيط النبي يونس ومدخل بني نعيم، قائلاً إن مساحة تقارب 4700 دونم تعرضت للتدمير، مع قطع نحو 12 ألف شتلة عنب ذات قيمة إنتاجية وجودة معروفتين على مستوى فلسطين.

وأكد أن هذه الوقائع تستدعي إعداد دراسات متخصصة تميز بين أثر التوسع العمراني الفلسطيني والممارسات الإسرائيلية، بما فيها إقامة البؤر الاستيطانية وشق الطرق وتوسيع المستوطنات.

وشدد على أن معالجة المشكلة تحتاج إلى خطة وطنية شاملة وتنسيق مستمر بين المؤسسات، بدلاً من الاكتفاء بمبادرات متفرقة لا توفر صورة دقيقة عن حجم التغيرات.

أحمد ملحم: السياسات الاقتصادية همّشت القطاع الزراعي

وخلال مداخلات الجمهور، قال الصحفي أحمد ملحم إن النقاش حول الزحف العمراني يأتي متأخراً، معتبراً أن القطاع الزراعي وصل إلى مرحلة بالغة الصعوبة بعد سنوات من تراجع الاهتمام به.

وأضاف أن السياسات الاستراتيجية المتبعة خلال العقود الثلاثة الماضية أسهمت، بحسب رأيه، في إضعاف القطاع الزراعي لصالح قطاعات الخدمات والمطاعم والفنادق والمقاهي.

وأوضح أن كثيراً من المواطنين الذين كانوا يعملون في الزراعة تركوا أراضيهم واتجهوا إلى المدن، في ظل غياب سياسات كافية لدعم المزارعين وتثبيتهم في أراضيهم.

وأشار إلى أن المزارعين يواجهون اعتداءات متكررة، خصوصاً أثناء مواسم قطف الزيتون، دون وجود دعم كافٍ يحميهم ويحافظ على استثماراتهم الزراعية.


وقارن ملحم بين الدعم الحكومي الذي يحظى به المزارعون والمستوطنون، وبين ما يواجهه المزارع الفلسطيني من أعباء، متسائلاً عن حجم موازنات وزارة الزراعة المخصصة لدعم المزارعين وتعزيز صمودهم.

واستشهد بحالات استصلاح أراضٍ يتحمل أصحابها تكاليفها لسنوات، قبل أن تتعرض الأراضي للاعتداء، كما أشار إلى قطع مئات الدونمات من أشجار الزيتون في منطقة كفر الراعي، من دون أن يقابل ذلك، وفق مداخلته، إجراءات رادعة كافية.
وقال إن غياب العمل الجماعي دفع المواطنين إلى التعامل مع مشكلاتهم بصورة فردية، بما في ذلك اللجوء إلى البناء على الأراضي الزراعية بدلاً من مواصلة الاستثمار في الزراعة.

صلاحات: نحو 30 مليون شيكل سنوياً للاستصلاح والطرق الزراعية

ورداً على مداخلة ملحم، قال صلاحات إن وزارة الزراعة تخصص نحو 20 مليون شيكل سنوياً من الموازنة الحكومية لأعمال استصلاح الأراضي وتأهيلها، إضافة إلى نحو عشرة ملايين شيكل للطرق الزراعية.

وأوضح أن هناك موازنات ومشاريع أخرى ممولة من جهات مانحة، تنفذ بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، وتشمل استصلاح الأراضي وتحسين الوصول إليها، وتطوير مشاريع المياه، وتقديم المساعدات الطارئة، ودعم الشباب والمزارعين.

وأشار إلى أن الوزارة نفذت تدخلات في منطقة كفر الراعي شملت استصلاح وتأهيل أكثر من ألف دونم، بمشاركة جهات ومؤسسات زراعية مختلفة.

وأكد أن الموازنات التطويرية لا تزال قائمة رغم الأزمة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية، بما في ذلك صعوبات دفع رواتب الموظفين، مشدداً على أن دعم المزارعين يستهدف تعزيز صمودهم ومنع هجر الأراضي.

وأضاف أن وزارة الزراعة لا تستطيع حماية المزارعين بمفردها، داعياً إلى تفعيل العمل الجماعي والحملات الوطنية، ومنها حملة الزيتون، خصوصاً في المناطق المهددة بالاستيطان والاعتداءات.

المهندسة أنوار ذياب: تسوية الأراضي وتفتت الملكيات من أبرز المعضلات

من جانبها، قالت المهندسة أنوار ذياب إن ملف الأراضي الزراعية يتسم بالتعقيد، لأن الجهات الرسمية تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين منع البناء على الأراضي الزراعية من جهة، والخشية من استيلاء المستوطنين عليها من جهة أخرى.

وأشارت إلى أن أعمال تسوية الأراضي وإفرازها تمثل إحدى المشكلات الأساسية، موضحة أن الإفرازات الصغيرة قد تتيح إقامة أبنية على مساحات محدودة، في حين تصبح إجراءات البناء أكثر تعقيداً عندما تتعدد الملكيات والشركاء.

ودعت إلى مراجعة أثر التسوية في الأراضي الزراعية، وتعزيز قيمة الأرض الزراعية اقتصادياً، بحيث يصبح استثمارها في الإنتاج الزراعي خياراً مجدياً للمواطن مقارنة بالبناء عليها.

وأضافت أن غياب المياه والكهرباء والخدمات اللازمة قد يدفع المواطنين إلى العزوف عن الاستثمار الزراعي، مؤكدة أن معالجة المشكلة تتطلب تكاملاً بين الوزارات والهيئات المحلية والمزارعين، إلى جانب قانون رادع وتوعية مستمرة.

وشددت على أن المطلوب ليس الاكتفاء بالدعوة إلى الصمود، بل توفير أدوات عملية تمكّن المزارعين من الاستمرار في أراضيهم.

ولاء سمارة: ضرورة معالجة التوسع في مزارع الثروة الحيوانية

وتناولت المهندسة ولاء سمارة، من لجنة التنظيم المشتركة لأربع قرى، جانباً آخر من القضية يتعلق بالثروة الحيوانية والمزارع القائمة قرب التجمعات السكانية.

وقالت إن المناطق الفلسطينية تواجه تحديات تتصل بالإنتاج الحيواني الكبير والصغير، مشيرة إلى إقامة مزرعة أو مجموعة مزارع على مساحة تقارب 77 دونماً جنوب غربي قرية كفر نعمة، وما يرافقها من روائح وذباب ومخلفات تؤثر في السكان.

وأوضحت أن توسع المخطط الهيكلي للقرية مستقبلاً قد يتجه نحو هذه المزارع، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تنظيم العلاقة بين السكن والإنتاج الحيواني، ومنع تحوّل المزارع القائمة إلى عائق أمام التوسع السكني.
وأضافت أن المواطن الذي يرغب في إقامة مزرعة صغيرة داخل المخطط الهيكلي قد يواجه المنع، فيما قد يتعرض للهدم إذا أقامها خارجه في المناطق المصنفة "ج".

ودعت إلى إشراك سلطة جودة البيئة في النقاش، والبحث في إنشاء ملاحق زراعية صديقة للبيئة داخل المخططات الهيكلية، بما يسمح بالتعايش بين السكان والحيوانات، ويحافظ على الإنتاج الحيواني ويحد من الروائح والمخلفات.

الجمهور يدعو إلى التوسع في الزراعة الحديثة وتحقيق الاكتفاء الذاتي

وفي مداخلة أخرى، دعا صالح خلايلة، من اتحاد البلديات الهولندي للتعاون الدولي (VNGI)، إلى دراسة حجم الوحدات السكنية غير المشغولة في المناطق الحضرية والريفية، سواء كانت بيوتاً مستقلة أو شققاً أو مباني سكنية كاملة، قبل التوسع على حساب الأراضي الزراعية.

وتساءل عن وجود بيانات حكومية دقيقة حول هذه الوحدات، وعن الإجراءات الممكن اتخاذها للاستفادة منها، بما يقلل الحاجة إلى البناء على الأراضي المنتجة.

من جهتها، قالت نسرين أبو زياد إن الفلسطينيين يعيشون ظروفاً استثنائية في ظل حرب الإبادة والتهجير والضغوط الإسرائيلية، معتبرة أن المطلوب هو تطوير الاستراتيجيات والخطط الوطنية بما يتلاءم مع الواقع القائم، بدلاً من الاستمرار في النهج نفسه.

وأضافت أن الفلسطينيين يعيشون في تجمعات محدودة المساحة تشبه السجون الصغيرة، في ظل تقلص الأراضي الزراعية، داعية إلى الاستفادة من أدوات وتقنيات الزراعة الحديثة لزيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

وأكدت أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوفير الاحتياجات الأساسية للمجتمع الفلسطيني، قبل التفكير في التصدير وتحقيق الأرباح، مشيرة إلى أن الاعتماد على المنتجات الإسرائيلية في ظل الظروف الراهنة يفاقم التحديات التي تواجه المجتمع.

توصيات المناظرة: لجنة وطنية ومراجعة المخططات وحماية المساحات الخضراء


وفي ختام النقاش، شدد صلاحات على ضرورة إدراج حماية الأراضي الزراعية ضمن المعايير الأساسية عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالبناء أو إقامة أي مشروع آخر، مؤكداً أن الوزارة تدرس استخدامات الأراضي وفق الأنظمة والقوانين المعمول بها.

بدوره، أكد اشتيه أن التشريعات قائمة، لكن المعيقات الميدانية وضعف تطبيق القانون وتداخل الصلاحيات تحد من فاعلية الإجراءات، داعياً إلى تعزيز الشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والمواطنين، والعمل بصورة جماعية للحد من البناء المخالف.

كما دعا إلى تشكيل لجنة وطنية متخصصة لحماية الأراضي الزراعية عالية القيمة، بمشاركة جميع الوزارات ذات العلاقة والمؤسسات الأهلية العاملة في القطاع الزراعي، إضافة إلى القطاع الخاص، بما يتيح مناقشة فرص الاستثمار الزراعي وسبل الحفاظ على الأراضي المنتجة.

من جهته، أكد عطاونة أن المساحات الزراعية الخضراء داخل المدن ومحيطها يجب أن تكون خطاً أحمر، مشدداً على أهمية الاستفادة من التكنولوجيا الزراعية الحديثة دون أن يكون ذلك بديلاً عن الحفاظ على المساحات الخضراء المنتجة.

ودعا إلى مراجعة المخططات الهيكلية المعتمدة وتلك التي لا تزال قيد الدراسة، لضمان مراعاة قيمة الأراضي الزراعية، ولا سيما الأراضي عالية القيمة، عند تحديد مناطق التوسع العمراني.

واختُتمت المناظرة بالتأكيد على أن حماية الأراضي الزراعية الفلسطينية تتطلب خطة وطنية شاملة، وتنسيقاً فعالاً بين الجهات الرسمية والأهلية، وتطبيقاً أكثر صرامة للقوانين، إلى جانب توفير الدعم للمزارعين وتحسين الجدوى الاقتصادية للإنتاج الزراعي، في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاستيطانية التي تواجه الأراضي الفلسطينية.

تصميم وتطوير