د. اياد البرغوثي يكتب لوطن: في ضوء الانتخابات الأمريكية الأخيرة.. الفلسطينزم تمشي على قدمين

08.11.2026 02:04 PM

 شكلت نتيجة الانتخابات الأمريكية الأخيرة لمجلسي الشيوخ والنواب، بداية اختراق "إنساني" و "تقدمي"، وتحول ملحوظ في توجهات الرأي العام الأمريكي تجاه كثير من القضايا، ومن ضمنها قضية فلسطين، لذلك ليس من الصواب اختزال هذا التحول بفلسطين وحدها. برأينا أن أهم مسألتين لعبتا الدور الحاسم والمباشر في ذلك إضافة إلى الاقتصاد، هما الحرب على إيران وشخصية ترامب.

بالنسبة لإيران، كشف صمودها الاستثنائي التناقض داخل القوة الأمريكية نفسها، ونقل أثر المواجهة من ميدان الحرب إلى المجال السياسي والأخلاقي الداخلي الأمريكي، ولو أن ما جرى مع إيران كان شبيها بذلك الذي جرى مع فنزويلا عندما اختطفت القوات الأمريكية رئيسها مادورو، حيث أنتج مشهد "العملية" "بطلا" أمريكيا أخذ العالم للتفكير في "سحر" أدائه بدل التفكير في "قذارة" الذي ارتكبه، فعلى الأغلب ستكون نتيجة ذلك مزيدا من الشعبية للحزب الحاكم.
أما بالنسبة لشخصية ترامب التي أعتقد أنها لعبت دورا كبيرا في تحول الرأي العام الأمريكي إلى جانبه حين انتخابه رئيسا، ثم ضده في انتخابات الكونجرس الأخيرة؛ فهذه الشخصية في لحظتها الأولى استعراضية إبهارية كارزمية، مالكة لحضورٍ سحري طاغ، بارعة في صناعة الدهشة والفضول، مستدرِجة للتوقعات الكبرى، وقادرة على أسر الجمهور وإشعاره أن عليه أن ينتظر شيئا استثنائيا.  لكنها بعد انقضاء المشهد الأول يظهر المشهد الثاني لرئيس "يتمتع" بقدرة هائلة على تخييب الآمال وتبديد الانبهار، وعاجز عن تقديم أي مضمون، ينتهي بك بإحساس أنك أمام لا شيء سوى الضجيج، وأن وراء هذا الاستعراض الهائل فراغا فكريا وسياسيا وأخلاقيا مدهشا. هو ليس أكثر من شخصية جوفاء، جعلت من غياب المضمون ميزة، ومن التفاهة قوة سياسية، تلك التفاهة التي نجح ترامب في تحويلها إلى شيء لا يمكن تجاهله، لكنها في نهاية الأمر تبقى تفاهة.
مشكلة هذه الشخصية أنها لا تستطيع التوقف كثيرا عند حالتها الأولى التي تشد "الجمهور"، إذ سرعان ما تنتقل إلى ما بعد تلك الحالة حيث لا يحتاج أحد إلى كثير من الذكاء ليكتشفها، فيتحول الأمل والانتظار إلى نكسة وخيبة أمل، والانبهار إلى "قرف". أعتقد أن ترامب نفسه كان متفاجئا من إعجاب الجمهور به أكثر من تفاجؤ الجمهور نفسه الذي "ارتكب" ذلك الإعجاب لفترة ليست قصيرة.
موضوعنا الأساس هنا ليس تحليل الانتخابات الأمريكية، ولا رصد التحولات في المجتمع الأمريكي من زاوية موقفه من فلسطين واختزال المسألة في قضية التأييد والمعارضة، فالذي جرى لم يعد يشير فقط إلى تعاطف أكبر مع فلسطين، بل إلى أن الفلسطينزم قد انتقلت بشكل أو بآخر، من كونها وعيا بموقع فلسطين في نظام الهيمنة العالمي إلى كونها أداة لقراءة التناقضات داخل المجتمعات التي تدير هذا النظام. وتُظهر كذلك تبدل في موقع فلسطين بالنسبة للأمريكي من قضية خارجية إلى داخلية، واعتبارها معيارا داخليا لمساءلة النظام السياسي الأمريكي نفسه، بل مثَّل ذلك حدثا أكبر عندما انتقلت من موقع الموضوع الذي يتحدث عنه العالم، إلى موقع المرجعية التي يحاكِم العالم من خلاله مواقفه ومؤسساته.
لم يعد الموقف من فلسطين مجرد موقف من نزاع بعيد، بل باتت جزءا من النقاش المتعلق بطبيعة "الديموقراطية" الأمريكية وحدودها الأخلاقية. كما انتقل النقاش المتعلق بإسرائيل إلى نقد بنية الهيمنة عموما؛ فالسؤال لم يعد عما تفعل إسرائيل، بل لماذا توفر الولايات المتحدة الحماية السياسية والاقتصادية والعسكرية لها حتى عندما يتعارض ذلك مع قطاعات من الرأي العام الأمريكي، وعلى حساب دافع الضرائب الأمريكي.
بعكس النظام العالمي "الصهيوني" الحالي المجرد إلى حد بعيد من أي بعد أخلاقي، أسهمت فلسطين في إدخال معيار أخلاقي جديد كسر احتكار نظام الهيمنة في مجال القيم والأخلاق، وبدأ هذا المعيار بتحدي شرعية القوى المهيمنة. فالفلسطينزم مثلت مشروعا لإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والأخلاق، ونقلت التفكير المعاصر إلى مستوى مساءلة النظام العالمي عن المباديء التي يدعيها، وكشفت التعامل الانتقائي مع تلك المباديء خاصة عندما يتعلق الأمر بفلسطين، وشككت في طبيعة "الشرعية" التي حاول النظام العالمي ادعائها استنادا إلى تفوقه العسكري والاقتصادي.
من هذا المنطلق، لم تعد فلسطين قضية يختبر العالم من خلالها مواقفه الأخلاقية فقط، بل أصبحت مدخلا لإعادة تشكيل الوعي الأخلاقي العالمي نفسه. فالفلسطينزم شكلت قاعدة انطلاق فكري لتحرير مفهوم الأخلاق من هيمنة النظام العالمي. وهي لا تطالب ذلك النظام بتطبيق قيمه المعلنة على فلسطين فحسب، وإنما تكشف التناقض في بنية هذه القيم، وتُنازع قوى الهيمنة حق تعريفها وتفسيرها. من هنا فإن ما يظهر في السياسة والانتخابات الأمريكية، قد يكون أحد تجليات صراع أعمق على الشرعية الأخلاقية للنظام العالمي.
أظهرت الانتخابات الأمريكية الأخيرة للكونجرس تغيرا جديا في اتجاهات الرأي العام الأمريكي بعكس ما حدث عند انتخاب اوباما رئيسا، حين كان النظام يسعى لتجميل نفسه وتجديد شرعيته؛ فالذي صوت للتغيير هذه المرة قد لا يكون مهتما بالضرورة بتحرير فلسطين، لكنه بالتأكيد مهتم بتحرير أمريكا من الهيمنة التي باتت واضحة. وهو قد لا يكون قد تبنى رؤية مختلفة لفلسطين أو حتى ربما لم ترد إلى خاطره من الأساس، لكنه فعل ذلك بالنسبة لأمريكا نفسها.
وعلى ما يبدو أيضا من خلال ما جرى في تلك الانتخابات، أن أمريكا أصبحت أمام إرهاصات لولادة يسار "جديد"، لا يستند فقط إلى مقولات الصراع الطبقي التقليدية، بل يتخذ من فلسطين والعدالة الدولية ونقد الإمبريالية والصهيونية والتوق إلى السلام ومعاداة الحروب مرتكزات لرؤية مختلفة للعالم الذي يريد. لذلك لم يكن الأهم في هذه الانتخابات فوز الديموقراطيين على الجمهوريين، بل وصول نمط من الاشتراكيين الديموقراطيين "الفلسطينزميين" المناهضين للصهيونية، إلى المؤسسات التمثيلية ليس فقط على حساب الجمهوريين وإنما أيضا على حساب الجناح اليميني الصهيوني في الحزب الديموقراطي نفسه، ذلك الجناح الذي يصر رموزه على الإفصاح عن توجهاته العنصرية كلما استدعى الأمر (وحتى دون أن يستدعي) كالرئيس بايدن ووزير خارجيته بلينكن.
هذا النمط من الاشتراكيين الديموقراطيين يتخذون بالمجمل موقفا ايجابيا من فلسطين، ومناهضون للصهيونية، لكن هدفهم الأساس هو رؤية أمريكا مختلفة؛ ديموقراطية حقيقية، متحررة من قوى الهيمنة وعلى رأسها اللوبي الصهيوني، متمسكة بالقيم الإنسانية المتمثلة بالحرية والحق والعدالة، حيث يمتد ذلك ليؤثر في موقفهم من فلسطين.
هؤلاء الاشتراكيون الديموقراطيون الجدد، وأوضحهم على ما يبدو في هذه الانتخابات هو عبد الرحمن السيد، يريدون أن تختار الولايات المتحدة حلفاءها ليس بالطريقة التي كانت عليها حتى الآن، فهذا السناتور الجديد يتوجه للأمريكيين الذين يعتبرون إسرائيل حليفا لأمريكا قائلا: " كيف تكون إسرائيل حليفا إذا كانت تدفعك للحرب، وتجبرك على مواقف سيئة، وتأخذ أموالك، وتقاتل أصدقاءك؟". أمثال عبد الرحمن السيد هم ضد أمريكا صهيونية لأنهم يرون في ذلك مصلحة حقيقية للشعب الأمريكي، قبل أن يكونوا مع فلسطين التي يرون وقوفهم إلى جانبها في صميم المصلحة الأمريكية الحقيقية. الفلسطينزم عند الأمريكي التقدمي ليست عن العلاقة بين فلسطين وإسرائيل بل عن العلاقة بين إسرائيل وأمريكا.
وقوف هؤلاء ضد الاحتكار وضد الحروب وضد أصحاب البلايين، وضد الايباك وضغوطه وابتزازه، وضد الهيمنة بكافة أشكالها إنما يترجم رغبتهم في إيجاد مجتمع أمريكي سوي وسليم، وهم بذلك يجدون أنفسهم تلقائيا مع فلسطين وما تمثله، لأنهم إنسانيون يقفون مع أمريكا الإنسانية غير العنصرية وغير الصهيونية والإمبريالية، ومع الإنسان، لذلك يقفون مع الفلسطيني وحقوقه.
الفلسطينزم ككاشفة لنظام الهيمنة الحالي في العالم بما فيه أمريكا، أثَّرت في إيجاد مثل هؤلاء الرواد من الحركة اليسارية الأمريكية الجديدة، الذين قرأوا الوضع بشكل يختلف عن المهاجرين الأوائل من الشرق، الذين إما عزلوا أنفسهم عن "السياسة" الأمريكية أو اندمجوا مع النظام السياسي الأمريكي "الصهيوني" كأمر مسلم به، واعتبروا أن "نجاحهم" الشخصي لن يتحقق إلا باصطفافهم خلف النخبة التقليدية الحاكمة في أمريكا، وتبنيهم لروايتها وخطابها ومعتقداتها، بينما يبدو أن نخبة من الجيل الحالي من المهاجرين قد تجاوز عقدة الخوف، وقرر رفض الاتهامات "العنصرية" المستندة إلى الصور النمطية عنه كشرقي  ومسلم و"شيوعي"، وتحلى بالشجاعة لاقتحام جدران أمريكا التقليدية الشريكة للصهيونية والمتبنية للقراءة الأصولية للكتاب "المقدس".
إذا كانت الفلسطينزم قد "انبثقت" عن فلسطين بوصفها فلسفة ووعيا للتحرر الإنساني، فإن ما نشهده الآن، سواء في الولايات المتحدة من خلال الانتخابات (مع ضرورة توخي الحذر من القراءة المفرطة في التفاؤل لنتائجها)، أو في أوروبا من خلال المظاهرات، هو بداية انتقال هذه الفلسفة من الوعي إلى الفعل، ومن التضامن إلى السياسة. لقد أخذت الفلسطينزم بالمشي على "قدمين" بعد أن حلقت في سماء الفكر والوعي منذ "الطوفان"، وذلك من خلال الفعل السياسي الحركي الذي جرى ويجري الآن في كل من الولايات المتحدة وأوروبا.
في الوقت الذي خضعت فيه "حاجة" فلسطين للطوفان وما زالت للكثير من النقاش على المستوى الفلسطيني وذلك بسبب الحجم الهائل للجريمة التي ارتكبها الاحتلال في غزة، ثبت أن حاجة العالم له كانت أكثر وضوحا وإلحاحا.   في هذه الحالة، كانت فلسطين، وأكثر تحديدا كانت غزة، تمثل حالة "نبوية" إن جاز التعبير، حيث النبي لا يحتاج نفسه بل يحتاجه الناس، بهذه الطريقة شكلت الفلسطينزم "رسالة" غزة إلى العالم، تلك الرسالة التي على ما يبدو أنها ذهبت إلى "المركز" مباشرة، دون الحاجة لأن تعرج على أي من دول الجوار.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير