اسماعيل الريماوي يكتب لوطن: صناديق الاقتراع تعاقب ترامب.. زلزال واشنطن يربك البيت الأبيض ويقلق تل أبيب

05.11.2026 08:10 AM

لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني مجرد استحقاق انتخابي لتجديد مقاعد في الكونغرس، بل تحولت إلى اختبار سياسي واسع لإدارة الرئيس دونالد ترامب ولسياسته الداخلية والخارجية، بعدما تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، منهياً بذلك احتكار الجمهوريين للمؤسسة التشريعية خلال العامين الأولين من الولاية الثانية لترامب، إنها نتيجة تفتح مرحلة جديدة من الصراع السياسي في واشنطن، وتضع الإدارة الأمريكية أمام واقع مختلف، بعدما أصبح البيت الأبيض في مواجهة كونغرس يسيطر عليه خصومه السياسيون.

وتشير النتائج التي أعلنتها وسائل الإعلام الأمريكية استناداً إلى فرز الأصوات وتقديرات وكالة أسوشيتد برس إلى أن الديمقراطيين حققوا مكاسب في عدد من الولايات التي كانت تعد معاقل جمهورية، من بينها تكساس وكانساس وآيوا وكارولاينا الجنوبية، في تحول انتخابي لافت يعكس حجم التحديات التي واجهها الجمهوريون، ولم تكن هذه النتائج منفصلة عن المزاج الاقتصادي والاجتماعي داخل الولايات المتحدة؛ فقد تصدرت قضايا غلاء المعيشة والتضخم والفساد، إلى جانب تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع كلفة الانخراط العسكري الخارجي، اهتمامات قطاعات من الناخبين، وفق ما أظهرته استطلاعات الخروج والتحليلات الانتخابية.

وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها لا تعني مجرد خسارة مقاعد جمهورية، بل تضع قيوداً مؤسسية وسياسية على قدرة ترامب في تمرير أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته، فسيطرة الديمقراطيين على المجلسين تمنحهم صلاحيات أوسع لممارسة الرقابة على الإدارة، وفتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، ومراجعة السياسات والإنفاق والقرارات التنفيذية، كما ستصبح التشريعات التي يريد البيت الأبيض تمريرها أكثر تعقيداً، فيما سيجد ترامب نفسه مضطراً إلى التعامل مع معارضة تمتلك أدوات دستورية وسياسية أقوى، ومن المتوقع أن يدخل الطرفان مرحلة من التجاذب الحاد، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالميزانية والهجرة والسياسة الخارجية والحرب.

لكن أحد أبرز أبعاد هذا التحول يتصل بإسرائيل، التي باتت المساعدات الأمريكية لها موضوعاً حاضراً بقوة في النقاش السياسي والانتخابي داخل الولايات المتحدة، ففي يوم الاقتراع نفسه، أعلن ترامب أنه توصل إلى تفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقضي بوقف المساعدات الأمريكية السنوية لإسرائيل، التي تحدث عنها بنحو أربعة مليارات دولار، بحلول نهاية عام 2026، مع استمرار بيع الأسلحة لها، وبرر ترامب موقفه بأن إسرائيل أصبحت قادرة على تمويل احتياجاتها، كما أشار صراحة إلى أن الدعم المالي الأمريكي تحول إلى مادة يستخدمها بعض المرشحين الديمقراطيين لانتقاد الجمهوريين، غير أن الإعلان لم يترافق مع تفاصيل واضحة حول آلية التنفيذ، ولا يزال الاتفاق القائم للمساعدات العسكرية، البالغ 3.8 مليارات دولار سنوياً، سارياً حتى عام 2028، ما يجعل تنفيذ أي تغيير مبكر مرتبطاً بإجراءات وقرارات تشريعية ومالية أمريكية.

وهنا تبرز دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها: فالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، رغم عمقها الاستراتيجي والعسكري، لم تعد بمنأى عن التحولات في الرأي العام الأمريكي والحسابات الحزبية والانتخابية، ولم يعد الدعم غير المشروط لإسرائيل موضوعاً محصناً من النقاش، بل أصبح موضع خلاف داخل الحزبين، بما في ذلك داخل التيار الجمهوري نفسه، كما أن الحرب على غزة، والتصعيد الإقليمي، والحرب مع إيران، وما تثيره من تكاليف ومخاطر، ساهمت في توسيع النقاش الأمريكي حول حدود الالتزام العسكري والمالي تجاه إسرائيل.

ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين الإعلان السياسي والقرار التنفيذي؛ ففوز الديمقراطيين لا يعني تلقائياً أن واشنطن ستتخلى عن إسرائيل أو أن سياستها ستشهد انقلاباً فورياً، فالتحالف بين البلدين يستند إلى مصالح أمنية وعسكرية واستخباراتية راسخة، كما أن استمرار مبيعات الأسلحة والتعاون الدفاعي يوضح أن الحديث يدور عن احتمال إعادة صياغة شكل الدعم، لا بالضرورة إنهاء الشراكة الاستراتيجية، لكن وجود أغلبية ديمقراطية في الكونغرس سيمنح الأصوات المطالبة بمراجعة المساعدات والرقابة على استخدامها مساحة أكبر للتحرك، وسيجعل تمرير التمويل والقرارات المرتبطة بإسرائيل أكثر خضوعاً للنقاش والمساءلة.

أما في ملف إيران، فإن خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس تضع الحرب وتكاليفها وتداعياتها الاقتصادية أمام رقابة سياسية أشد، فالإدارة التي دخلت المواجهة وهي تمتلك دعماً تشريعياً واسعاً ستواجه الآن أسئلة أكثر صعوبة بشأن أهداف العمليات العسكرية، وحدودها، وكلفتها، ومخاطر اتساعها، ومدى تأثيرها على أسعار الطاقة والاستقرار الدولي، وقد لا يملك الكونغرس وحده قرار وقف الحرب أو إنهائها، لكنه يستطيع التأثير في التمويل والرقابة والمحاسبة، وهي أدوات ذات وزن كبير في تحديد مسار أي مواجهة طويلة.

إن ما جرى في الانتخابات الأمريكية يكشف أن السياسة الخارجية لم تعد منفصلة عن هموم الناخب الأمريكي اليومية، وأن الحروب البعيدة والمساعدات الخارجية يمكن أن تتحول إلى قضايا انتخابية مؤثرة عندما تتقاطع مع الغلاء والضرائب والإنفاق العام، وترامب الذي راهن على إبقاء الكونغرس تحت سيطرة حزبه يجد نفسه أمام مرحلة سياسية مختلفة، فيما تواجه إسرائيل أسئلة جديدة حول مستقبل الدعم الأمريكي وطبيعته وحدوده.

في المحصلة، لم تسقط التحالفات الأمريكية بين ليلة وضحاها، ولم تتغير ثوابت السياسة الخارجية بمجرد إعلان النتائج، لكن ميزان القوى داخل واشنطن تغير بصورة ملموسة، والرسالة الأهم أن الدعم لإسرائيل لم يعد خارج النقاش السياسي الأمريكي، وأن استمرار الحرب والتدخلات العسكرية والإنفاق الخارجي باتت ملفات تخضع لحسابات داخلية أكثر تعقيداً، إنها بداية مرحلة لن يكون فيها البيت الأبيض وحده صاحب الكلمة في رسم السياسات، ولن تكون فيها العلاقة مع إسرائيل بمنأى عن أسئلة الناخبين والكونغرس ومصالح الولايات المتحدة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير