اسماعيل الريماوي يكتب لوطن: واشنطن وطهران.. تفاوض تحت النار وحرب مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات

04.11.2026 09:49 AM

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في التهديدات المتبادلة أو الرسائل الدبلوماسية، فالتطورات الأخيرة في جزيرة قشم الإيرانية، الواقعة عند المدخل الاستراتيجي لمضيق هرمز، تؤكد أن المنطقة ما زالت تعيش على إيقاع احتمال الانفجار العسكري، رغم الحديث المتواصل عن فرص التهدئة والتوصل إلى اتفاق. فالضربات الأميركية المحدودة التي استهدفت الجزيرة، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين أميركيين في الثالث من نوفمبر، أعادت طرح السؤال الجوهري: هل تسعى واشنطن إلى احتواء الحرب أم إلى إبقاء النار مشتعلة تحت سقف يمكن التحكم به؟

تقول الرواية الأميركية إن الضربات جاءت في إطار إجراءات دفاعية ضد قوات إيرانية كانت تستخدم صواريخ أرض-جو ضد أصول أميركية، وإنها لا تمثل استئنافاً للعمليات العسكرية الكبرى، وفي المقابل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن وقوع انفجارات في الجزيرة، من دون إعلان حصيلة مؤكدة للضحايا أو حجم الأضرار، وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الأهم أن المواجهة لم تنتهِ، وأن استخدام القوة لا يزال حاضراً في حسابات الطرفين، حتى في الوقت الذي تتحرك فيه قنوات الوساطة بحثاً عن مخرج سياسي.

لكن ما يمنح هذه الضربات دلالة سياسية أوسع هو توقيتها وسياقها، فقد كشفت تقارير لوكالة أسوشيتد برس وصحيفة فايننشال تايمز أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط باتجاه تنفيذ موجة جديدة من الضربات الأميركية على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، بينما لم يحسم الرئيس دونالد ترامب موقفه من العودة إلى حرب واسعة، مفضلاً، وفق تلك التقارير، منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية، وهذه المعلومات تستند إلى مصادر إقليمية ومسؤولين مطلعين، وليست إعلاناً رسمياً عن قرار أميركي أو اتفاق عسكري جديد.

هنا تبرز المفارقة السياسية: إسرائيل تدفع باتجاه استمرار الضغط العسكري، فيما تحاول واشنطن الموازنة بين حسابات الأمن والتحالفات ومخاطر اتساع الحرب، فنتنياهو يرى في استمرار المواجهة وسيلة لإبقاء الملف الإيراني في صدارة الأولويات، بينما يدرك ترامب أن حرباً جديدة قد تفتح جبهات إضافية، وتربك أسواق الطاقة، وتضع المصالح الأميركية وحلفاءها في المنطقة أمام مخاطر أكبر، كما أن دولاً إقليمية تحذر من أن استئناف العمليات العسكرية قد يدفع أطرافاً أخرى إلى الانخراط في المواجهة، بما في ذلك الحوثيون في اليمن وفصائل مسلحة في العراق.

وفي المقابل، لا تبدو طهران راغبة في إغلاق باب التفاوض، لكنها تحاول تحويل موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة إلى أوراق ضغط، فقد أعلنت أنها تستطيع إعادة فتح مضيق هرمز خلال يومين إذا استجابت واشنطن لمطالبها، التي تشمل رفع الحصار البحري عن موانئها، وتخفيف العقوبات على قطاع النفط، وتجميد بعض الإجراءات الاقتصادية، إلى جانب التوصل إلى ترتيبات لتنظيم حركة السفن بالتنسيق مع سلطنة عُمان، كما تطالب إيران بأن تشمل أي تسوية وقف الحرب على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان. غير أن هذه المطالب لا تزال موضع تفاوض، ولم يُعلن حتى الآن عن اتفاق نهائي.

إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي في خريطة الصراع، بل شريان أساسي لتجارة الطاقة العالمية، وأي تعطيل طويل لحركة الملاحة فيه لا يقتصر تأثيره على إيران أو دول الخليج، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين، وصولاً إلى أسعار السلع التي يدفع المستهلكون ثمنها في مختلف أنحاء العالم، ولهذا فإن أي مغامرة عسكرية جديدة لن تكون مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل قد تتحول إلى أزمة دولية تتجاوز حدود المنطقة.

أما السؤال الذي لا يمكن تجاهله، فهو: من يحدد اتجاه القرار الأميركي؟ هل هي حسابات واشنطن ومصالحها، أم ضغوط الحليف الإسرائيلي الذي يريد استمرار المواجهة؟ فالعلاقة بين البلدين تقوم على تحالف استراتيجي، لكنها لا تعني بالضرورة تطابق الحسابات في كل لحظة، والقرار النهائي بشأن استخدام القوة الأميركية يبقى قراراً تتخذه الإدارة الأميركية، مهما بلغت الضغوط أو التفاهمات مع إسرائيل.

إن المنطقة تقف اليوم بين مسارين متناقضين: مسار تفاوضي يحاول إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود الاقتصادية وتهيئة الظروف لاتفاق أوسع، ومسار عسكري قد تعيد فيه ضربة محدودة إشعال مواجهة واسعة يصعب احتواء نتائجها، وبين المسارين، لا يكفي إعلان النوايا أو تبادل الرسائل لإنتاج تسوية مستقرة، ما لم تُعالج أسباب الصراع وتُطرح ضمانات متبادلة قابلة للتنفيذ.

فالخطر الحقيقي ليس في انفجارات جزيرة قشم وحدها، بل في أن تتحول الضربات المحدودة إلى مقدمة لجولة جديدة من الحرب، وأن يصبح التفاوض مجرد استراحة بين مواجهة وأخرى، منطقة أنهكتها الحروب، لا يحتاج العالم إلى حرب إضافية تُدار لحسابات النفوذ والانتخابات والتحالفات، بل إلى تسوية تمنع الانفجار وتحمي أمن المنطقة ومصالح شعوبها، فهل تنتصر لغة التفاوض، أم تفرض حسابات القوة جولة جديدة من النار؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير