سند ساحلية يكتب لوطن: بعد حمود: من يواجه الفكرة التي سبقت الرصاصة؟

في حمود، ذهب الناس إلى الكنيسة لوداع فقيدة، فسقط بعض المشيّعين شهداء. ولم تكشف الرصاصات عن وحشية الاعتداء فحسب، بل عن خطورة فكرٍ تكفيري يستطيع أن يجرّد الإنسان من إنسانيته، حتى يرى في قتل الآخر فعلًا مبررًا. أُلقي القبض على المتهمين، لكن من يلاحق الفكرة التي سبقت الرصاصة؟ وكيف نمنعها من أن تحصد ضحايا جددًا؟ ربما لم يكن أخطر ما كشفته حمود هو الجريمة نفسها، بل الأسباب التي جعلتها ممكنة ولم نكتشفها بعد، وما إذا كنا نمتلك شجاعة مواجهتها بدل الاكتفاء بإدانة نتائجها.
في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأردنية، استهدف اعتداء إرهابي كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس أثناء مراسم جنازة، وأسفر عن تسعة شهداء و34 مصابًا. وأعلنت الأجهزة الأمنية توقيف ثلاثة متهمين على خلفية الهجوم، فيما أكدت السلطات استمرار التحقيق وجمع الأدلة لتحديد المسؤوليات.
العدالة لا تتوقف عند المتهمين
لعائلات الشهداء والمصابين والمجتمع كله حق في معرفة الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. ولا يجوز أن تصبح الدعوة إلى المصالحة أو الحفاظ على الوحدة الوطنية بديلًا عن المساءلة القانونية. لكن العدالة القضائية، على ضرورتها، لا تكفي وحدها لمنع الجريمة التالية.
وقالت السلطات الأردنية إن المتهمين يتبنون فكرًا تكفيريًا متطرفًا. لكن تحديد المشتبه فيهم والتحقيق في مسؤولياتهم لا يجيبان وحدهما عن السؤال الأعمق: كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها مشيعين داخل كنيسة أهدافًا مشروعة؟ هنا تبدأ ضرورة البحث في الفكر الذي يبرر العنف والظروف التي تسمح له بالنمو.
الأردن لا يواجه الإرهاب أمنيًا فقط
وجّه الملك عبدالله الثاني الحكومة والمؤسسات المعنية إلى مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتكثيف العمل على تجفيف منابعه ضمن خطة منهجية، بالتنسيق مع المرجعيات الدينية. وبعد توقيف المتهمين، أكد الملك أن "لن يفلت أي صاحب فكر يفرّق بين الأردني والأردني". وشددت الحكومة على أن مواجهة التطرف مسؤولية وطنية تشارك فيها المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والمجتمعية.
تفتح هذه التوجيهات فرصة للمراجعة، لكن المعيار ليس وحدة التصريحات بعد المأساة، بل ما ستنتجه من عمل. ولا يبدأ الأردن من الصفر في مواجهة الفكر التكفيري؛ فقد شكّلت "رسالة عمّان"، وما أكدته من اعتدال ورفض للتكفير، جزءًا من هذا المسار. لكن حمود تفرض سؤالًا عن أثر السياسات القائمة وما يحتاج إلى تطوير، حتى لا تبقى مواجهة التطرف حاضرة في الخطاب، بينما تستمر الأفكار التي تبرر العنف في إيجاد بيئات حاضنة.
ما الفكر الذي سبق الرصاصة؟
قد يسبق الإرهاب مسارٌ يتحول فيه الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى تكفير، والتكفير إلى تبرير للعنف. لذلك، لا ينبغي أن يبقى وصف الفكر التكفيري المتطرف مجرد توصيف أمني، بل يجب أن يقود إلى مراجعة الخطاب والبيئات التي تنتقص من كرامة الإنسان وتسمح لهذه الأفكار بالنمو.
ولا يعني ذلك تحميل دين أو مجتمع بأكمله مسؤولية الجريمة. فالتطرف لا يمثل الإسلام، ومواجهة الفكر التكفيري ليست مواجهة بين المسلمين والمسيحيين، بل مواجهة مع كل فكرة تبيح إقصاء الآخر أو استباحة دمه. ولهذا، فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمنبر الديني والإعلام والفضاء الرقمي أساسية في تعزيز الوعي واحترام التنوع والوقاية من العنف.
من صورة الله إلى كرامة الإنسان
هنا تأتي الإضافة المسيحية. فالإيمان المسيحي ينطلق من أن الإنسان مخلوق على صورة الله، وأن كرامته لا تتوقف على دينه أو طائفته أو موقفه السياسي. ويؤكد إعلان المجمع الفاتيكاني الثاني "نوسترا إيتاتي" أهمية الاحترام والحوار والتعاون مع أتباع الأديان الأخرى من أجل الخير العام والسلام.
هذا الحوار لا يلغي الاختلافات العقائدية، بل يمنع اتخاذها ذريعة للعداء. لذلك، لا يرفض المسيحي الإرهاب لأنه استهدف كنيسة فحسب، بل لأنه استهدف الإنسان. ورفض الانتقام لا يعني التخلي عن العدالة، والمغفرة لا تلغي المسؤولية، والصلاة لا تعفي المجتمع من واجبه، والمصالحة لا تقوم من دون حقيقة.
حضور مسيحي لا يحكمه الخوف
حماية دور العبادة وتأمين المواطنين مسؤولية الدولة، لكن الأمن لا يمكن أن يُختزل في الحواجز والإجراءات الأمنية. فالكنيسة جماعة حية تشارك في مجتمعها، ولا ينبغي أن يصبح الخوف محددًا لحضور المسيحيين أو لعلاقتهم بمحيطهم.
نريد كنيسةً لا يرى المسلم الاعتداء عليها شأنًا يخص المسيحي وحده، ومسجدًا لا يرى المسيحي الاعتداء عليه شأنًا يخص المسلم وحده. عندها تصبح حرية العبادة قيمة مشتركة يحميها الجميع، لا مسؤولية أمنية فحسب.
والمسيحيون ليسوا ضيوفًا في الأردن أو المشرق، بل أبناء هذه الأرض وشركاء في حضارتها وتاريخها وصناعة حاضرها ومستقبلها. وصون حضورهم يكون بمواطنة متساوية، وقانون يحمي الجميع، وشراكة فاعلة في بناء المجتمع، لا بعزلهم عنه.
ماذا بعد العدالة؟
إن التقاطع بين الدولة والمرجعيات الكنسية في رفض الاعتداء والدفاع عن وحدة المجتمع فرصة ينبغي استثمارها. والمطلوب شراكة مستدامة تجمع المؤسسات الرسمية والمرجعيات الدينية والكنائس والمدارس والجامعات والإعلام والمجتمع المدني، ضمن مسار وطني يحدد أولويات عملية في التربية على المواطنة واحترام التنوع، ومراجعة الخطاب الديني والإعلامي، ومواجهة التحريض الرقمي، وتنظيم برامج حوار وتوعية مع الشباب. وينبغي تحديد المسؤوليات ومتابعة النتائج دوريًا، حتى يتحول التوافق على مواجهة التطرف إلى عمل مستمر.
ومسؤوليتنا لا تقتصر على إدانة الاعتداء أو المطالبة بحقوق المسيحيين، بل تشمل الإسهام في صون كرامة الإنسان وتعزيز المواطنة والعيش المشترك. فثمرة الشراكة لا تُقاس بتقارب المواقف وحده، بل بقدرتها على جعل التطرف أصعب، والانقسام أقل احتمالًا، والمجتمع أكثر قدرة على حماية جميع أبنائه.
لقد بدأت ملاحقة المتهمين، وأكدت الدولة ضرورة مراجعة سياساتها في مواجهة الفكر المتطرف، ورفضت الكنائس أن تنال الجريمة من وحدة الأردنيين. لكن الوفاء للشهداء يتطلب أن يتحول هذا التلاقي إلى عمل متواصل، لا أن ينتهي بانحسار الخبر.
فالمساءلة القانونية تحاسب من تثبت مسؤوليته عن الجريمة، أما الوقاية فتسعى إلى منع تكرارها. والمسيحي لا يريد كنيسة محمية فقط، بل مجتمعًا لا يرى في الكنيسة هدفًا، ولا يرى في الاختلاف الديني سببًا للكراهية.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


