سوما حسن تكتب لوطن: حين ينام العالم مطمئناً يبقى الفلسطيني حارساً لخوفه

حين يخلد العالم الى النوم، يغلق الناس ابوابهم، ويحتضنون وسائدهم، ويسحبون اغطيتهم، ويفكرون في يوم جديد ينتظرهم. ينامون مطمئنين الى ان بيوتهم ستظل قائمة، وان ابناءهم سيستيقظون الى جانبهم، وان الصباح لن يحمل اليهم خبرا يقلب حياتهم راسا على عقب.
اما الفلسطيني، فيغلق بابه ولا يعرف ان كان سيظل خلفه حتى الصباح. يضع راسه على الوسادة، لكن عقله يبقى مستيقظا: هل سيقصف منزله؟ هل سيقتحم الجنود بيته؟ هل سيأتي من يجبره على الرحيل؟ وهل سيرن هاتفه ليلا بخبر عن ابنه او اخيه او احد احبائه؟
هذا هو الفرق بين من يعيش الامان ومن يعيش مترقبا فقدانه في كل لحظة.
في الضفة الغربية، ولا سيما في الخليل، تتجدد معاناة الفلسطينيين مع العمليات العسكرية والاخلاء القسري وهدم المنازل. عائلات تجبر على مغادرة بيوتها، واطفال ينتزعون من اسرّتهم، واباء وامهات يجدون انفسهم في العراء، لا يعرفون اين سيمضون ليلتهم، ولا متى سيتمكنون من العودة الى المكان الذي يسمونه بيتا.
لكن السؤال الاشد ايلاما هو: لماذا يدفع الابرياء ثمن افعال لم يرتكبوها؟
في كل بلدان العالم، هناك من يخالف اهله، ومن يرتكب جريمة رغم رفض عائلته لما فعل. فلماذا يحمل الاب والام والاخوة والاقارب والجيران مسؤولية فعل لم يشاركوا فيه، وربما لم يعلموا عنه شيئا؟ لماذا يحرم طفل من بيته وامانه بسبب قرار لم يتخذه؟ ولماذا تتحول احياء كاملة الى ساحة للعقاب بسبب فعل فرد واحد؟
ان العدالة الحقيقية تقوم على محاسبة المسؤول عن فعله، لا معاقبة عائلته ومحيطه. فالعقاب الجماعي محظور بموجب القانون الدولي الانساني، ولا يمنح وقوع هجوم مسلح اي طرف حق معاقبة الابرياء او تهجيرهم قسرا.
ولا يعني رفض العقاب الجماعي تجاهل ضحايا الهجمات او انكار حقهم في العدالة، بل يعني ان العدالة لا تتحقق بظلم ابرياء اخرين، وان حياة الانسان وكرامته لا يجوز ان تصبحا ثمنا يدفعه الاخرون.
ان المنزل ليس جدرانا وسقفا فحسب؛ انه ذاكرة العائلة، وطفولة الابناء، وتعب السنين، والمكان الذي يفترض ان يجد فيه الانسان امانه. وحين يجبر صاحبه على مغادرته، فانه لا يفقد ماوى فقط، بل يفقد جزءا من حياته ومستقبله.
فالى متى يبقى الفلسطيني مطالبا باثبات حقه في حياة امنة؟ والى متى ينام العالم مطمئنا، بينما يقضي هو ليله مترقبا صوت القصف او طرقات الجنود او خبرا قد يسلبه اعز الناس اليه؟
الفلسطيني لا يطلب امتيازا على غيره؛ انه يطلب حقا بسيطا يشترك فيه البشر جميعا: بيتا ياويه، وابناء لا يخاف عليهم كل ليلة، وصباحا لا يبدا بالفقد.
الى متى يحاسب الانسان على فعل لم يرتكبه، ويهجر من بيت لم يرتكب جريمة، ويترك الابرياء يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها؟
الى متى يبقى حلم الفلسطيني ليلة واحدة ينام فيها مطمئنا، ويستيقظ ليجد بيته قائما واحباءه الى جانبه؟
ليلة واحدة يعيش فيها الحياة، بدلا من ان يقضيها في انتظار النجاة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


