ما جرى في القاهرة: حوار «وطني» أم حوار ضد إرادة الشعب، وتآمرًا عليه ؟

كتب: يوسف شرقاوي
ليس كل حوارٍ وطنيًّا، لمجرد أن المشاركين فيه فلسطينيون، وليس كل اجتماعٍ من أجل فلسطين، لمجرد أن اسم فلسطين يتصدر بياناته الختامية. فالأوطان لا تُقاس بعدد الاجتماعات التي تُعقد باسمها، ولا بعدد المصافحات أمام الكاميرات، ولا بكمية العبارات المنمّقة التي تُسكب في بيانات لا تجد طريقها إلى حياة الناس.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بشأن ما جرى في القاهرة ليس: هل تحاورت الفصائل الفلسطينية؟ بل: عمَّ تحاورت؟ ولصالح مَن؟ وبأي تفويض شعبي؟ وهل خرج الشعب الفلسطيني من هذا الحوار أقرب إلى استعادة قراره، أم أبعد عنها؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة، لا حفلة المجاملات السياسية التي اعتدنا أن تنتهي فيها الخلافات أمام الكاميرات، ثم تستيقظ من نومها بعد مغادرة آخر وفد، وكأن شيئًا لم يكن.
حوار وطني، أم حوار الفصائل مع نفسها؟
منذ سنوات طويلة، والفصائل الفلسطينية تتقن فنّ الحوار أكثر مما تتقن فنّ الخروج من أزماتها. تتحاور، وتتوافق، وتختلف، ثم تتحاور كي تتفق على مواصلة الاختلاف. أما المواطن، الذي يُفترض أنه صاحب القضية ومصدر الشرعية وغاية النضال، فيُترك خارج القاعة، مثل ضيفٍ لم تصله الدعوة إلى عرسٍ يُقام باسمه!
تجلس الفصائل إلى الطاولة، وتتبادل الأفكار والمواقف، وتُعيد تدوير المصطلحات نفسها: الوحدة الوطنية، المصالحة، الشراكة، المصلحة العليا، الثوابت الوطنية. لكننا نريد أن نعرف: أين تظهر هذه الثوابت في حياة الناس؟ وأين تنعكس الوحدة الوطنية على حق المواطن في اختيار قيادته ومحاسبتها وتغييرها؟
وما قيمة الشراكة الوطنية إذا ظل الشعب شريكًا في دفع الأثمان، لا شريكًا في صناعة القرارات؟
إن أخطر ما في السياسة الفلسطينية ليس غياب الشعارات، بل تحوّل الشعارات إلى ستارٍ كثيف يحجب حقيقة المصالح والحسابات. فحين تصبح الوحدة الوطنية عبارةً جاهزة تُستخدم لتبرير كل تسوية داخلية، وحين يُطلب من الشعب أن يصبر إلى ما لا نهاية، يصبح من حقه أن يسأل: هل الوحدة غاية وطنية فعلًا، أم أصبحت وسيلةً لتوزيع الأدوار والمحافظة على المواقع؟
الشعب ليس قاصرًا سياسيًا!
ثمة عقلية سياسية لا تزال تتعامل مع الشعب الفلسطيني باعتباره جمهورًا ينبغي إقناعه بما تقرره القيادات، لا شعبًا صاحب حق أصيل في تقرير خياراته.
تلك العقلية تفترض أن الفصائل تعرف مصلحة الشعب أكثر مما يعرفها الشعب نفسه، وأن ما تتوافق عليه القيادات ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى إرادة وطنية، حتى لو لم يُستفتَ الناس عليه، وحتى لو بقيت القرارات الكبرى بعيدة عن رقابتهم ومحاسبتهم.
لكن من منح هذه الفصائل حق احتكار تعريف الشعب بمصالحه؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


