المهندس منير سعد يكتب لوطن: معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة

10.10.2026 08:31 PM

في فلسطين، يكفي أن تدخل معصرة زيتون في موسم القطاف حتى تشعر أن للزيت حكاية بدأت قبل وصوله إلى الزجاجة بوقت طويل. ثمار جاءت من شجرة عاشت سنوات، وأيدٍ جمعتها بين الأغصان، وصناديق امتلأت بمحصول موسم كامل، ثم تبدأ في المعصرة رحلة التحول. لهذا تبدو المعصرة أكثر من آلة. إنها المكان الذي تتحول فيه ثمرة الزيتون إلى زيت يصل إلى المائدة، أو إلى مصباح يمنح النور.

لكن للمعصرة في الذاكرة المسيحية حضورًا أقدم وأعمق، يأخذنا إلى بستان الزيتون الذي عُرف باسم جثسيماني، والواقع في منطقة جبل الزيتون قرب القدس. ويرتبط الاسم في أصله بمعنى «معصرة الزيت». وهناك ذهب السيد المسيح له المجد مع تلاميذه في الليلة التي سبقت الصلب، في لحظة من أعمق لحظات الحزن والصلاة والتسليم. ومن المفارقات اللافتة أن يحمل المكان اسمًا يرتبط بعصر الزيت، بينما شهد في تلك الليلة صلاة السيد المسيح في أشد لحظات الحزن والتسليم؛ فبقي جثسيماني في الذاكرة مكانًا يلتقي فيه ألم الإنسان برجاء الإيمان.

في الكتاب المقدس، يظهر الزيت في صور متعددة، وفي العهد الجديد يرتبط بمعانٍ تمس حياة الإنسان اليومية والروحية: ففي مثل السامري الصالح، نجد الزيت مرتبطًا بالعناية بالإنسان المجروح: «وضمد جراحاته، وصب عليها زيتًا وخمرًا» (لوقا 10:34). وهنا لا يعود الزيت مجرد مادة نافعة، بل يصبح جزءًا من فعل الرحمة والعناية بالإنسان. وفي مثل العذارى العشر، يرتبط الزيت بالنور والاستعداد: «فأخذت الحكيمات زيتًا في آنيتهن مع مصابيحهن» (متى 25:4). أما في رسالة يعقوب، فيأتي الزيت في سياق الصلاة والعناية بالمريض: «فليدع شيوخ الكنيسة... ويدهنوه بزيت باسم الرب» (يعقوب 5:14). وهكذا يظهر الزيت في العهد الجديد في صور متقاربة: العناية، والنور، والصلاة.

وربما لهذا يحتفظ الزيت بحضور خاص في الوجدان المسيحي؛ فهو مادة بسيطة من الحياة اليومية، لكنه يحمل في النص الإنجيلي معاني تتجاوز استعماله المادي. إنه زيت يداوي، وزيت يرتبط بالنور، وزيت يأتي في سياق الصلاة. ومن هنا يصبح الزيت في التأمل الروحي صورة للعطاء الذي لا يبقى حبيس الثمرة، بل يخرج منها لينفع الإنسان.

ما زالت شجرة الزيتون تشكل جزءًا أساسيًا من الزراعة الفلسطينية، وما زالت المعصرة هي المحطة التي تتحول فيها ثمرة الموسم إلى زيت. وبحسب البيانات الرسمية، بلغ عدد معاصر الزيتون العاملة في موسم 2024 نحو 270 معصرة، منها 265 معصرة أوتوماتيكية وخمس معاصر قديمة أو نصف أوتوماتيكية. أما إنتاج زيت الزيتون، فيتغير بصورة واضحة من موسم إلى آخر؛ فقد بلغ نحو 27ألف طن عام 2024، قبل أن يتراجع إلى نحو 7 آلاف طن عام 2025.

وتكشف هذه الأرقام أن الزيت الذي يصل إلى المائدة لا يرتبط بعدد الأشجار والمعاصر وحدها؛ فهناك موسم وظروف طبيعية واستثنائية، من صعوبة الوصول إلى بعض الأراضي أو فقدان القدرة على استثمارها، إلى تقلبات الموسم الزراعي، وثمر يحتاج إلى أن يُحصد في وقته، وطريق يجب أن تكتمل مراحله من الشجرة إلى المعصرة.

ولا تقتصر أهمية هذه المعاصر الموسمية على دورها في إنتاج الزيت، فهي تمثل أيضًا مصدر رزق موسميًا لكثير من العاملين في القطاف والنقل والتصنيع والخدمات المرتبطة بموسم الزيتون. كما يشكل زيت الزيتون موردًا اقتصاديًا مهمًا، لما يمثله من قيمة للمنتج الزراعي الفلسطيني، ولما يرتبط به من حركة تجارية تمتد من الحقل إلى المعصرة ثم إلى الأسواق.

وهكذا لا تبقى ثمرة الزيتون محصولًا زراعيًا فحسب، بل تتحول عبر هذه السلسلة إلى مصدر دخل لعدد كبير من الأسر والعاملين، وإلى منتج يحمل قيمة غذائية واقتصادية في آن واحد.

لم تكن المعاصر دائمًا بالصورة التي نعرفها اليوم. فقد كانت المعاصر القديمة تعتمد على الدواب في تحريك أحجار الرحى التي تطحن ثمار الزيتون، ثم تطورت تدريجيًا مع دخول الآلات الحديثة، فأصبحت عملية العصر أسرع وأكثر قدرة على التعامل مع

كميات المحصول. ومع ذلك، بقيت المعصرة التقليدية حاضرة في الذاكرة؛ فهي جزء من موروث ارتبط بموسم الزيتون وبالحياة اليومية في القرى الفلسطينية.

ولا تبدأ حكاية الزيت في المعصرة، بل في الحقل، حيث يتحول موسم القطاف إلى مناسبة تنتظرها العائلات. يلتقي الكبار والصغار حول الأشجار، وتتوزع الأدوار بين من يقطف ومن يجمع ومن ينقل، وتمتد ساعات العمل مصحوبة بالحديث والذكريات والطعام. لهذا كان موسم الزيتون أكثر من موسم زراعي؛ كان موسم اجتماع العائلة، تلتقي فيه الأيدي حول شجرة واحدة، ويصبح العمل مناسبة لاستعادة الصلة بالأرض وبالأهل. ثم تأتي المعصرة لتكمل ما بدأه الحقل، فتحول ثمار يوم طويل من العمل إلى زيت تختزن فيه ذاكرة الموسم.

وهنا تلتقي حكاية الزيت بحياة الإنسان؛ فالثمرة لا تصل إلى صورتها النهائية إلا بعد رحلة من العناية والقطاف والعصر، وكذلك الإنسان يحتاج إلى الصبر والعمل والإيمان حتى تتحول تجاربه إلى معنى.

في بعض المواسم قد لا يتمكن المزارع من الاستفادة من كامل المحصول، لأسباب تتعلق بظروف الموسم وصعوبة الحصاد أو تأخره. وهنا تتضح أهمية كل خطوة في هذه الرحلة؛ فالثمرة التي لا تُقطف في وقتها قد تتأثر جودتها، والمحصول الذي يتأخر وصوله إلى المعصرة قد يفقد جزءًا من قيمته.

ولا تنتهي مسؤولية المعصرة بخروج الزيت. فعملية العصر تنتج مخلفات سائلة تعرف باسم الزيبار، وأخرى صلبة تعرف باسم الجفت، إضافة إلى بقايا الأوراق. وإذا لم تُدار هذه المخلفات بطريقة سليمة، فقد تشكل عبئًا على التربة والمياه والبيئة المحيطة.

وهنا تتسع مسؤولية المعصرة الحديثة؛ فهي لا تستقبل الثمار وتحولها إلى زيت فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى التعامل السليم مع ما ينتج عن هذه العملية، حتى تظل رحلة الزيت من الأرض إلى المائدة متوازنة مع مسؤولية الإنسان تجاه البيئة.

وفي فلسطين، تبقى معصرة الزيتون شاهدًا حيًا على حكاية الأرض وعمل الإنسان؛ تدخلها الثمرة محمّلة بموسمها، وتخرج زيتًا يحمل في قطراته رائحة التراب ودفء اليد التي قطفتها. وهكذا لا تكون المعصرة نهاية رحلة الزيت، بل لحظة يكشف فيها الزيتون ما أودعته الأرض فيه من عطاء، ليصل إلينا غذاءً ونورًا وذاكرة

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير