طفولة من رماد: ورد الشيخ خليل جسدٌ ناجٍ وقلبٌ محترقٌ

02.06.2025 08:43 PM

كتبت: شمس الجنازرة

"بابا عايش وماما استشهدت"، قالتها ورد ذات الأعوام الخمسة وعيناها تفيضان بالدموع التي انسابت فوق وجنتيها الصغيرتين، كانت تقف وسط ركام مدرسة فهمي الجرجاوي التي تحولت من مأوى للنازحين إلى محرقة جماعية، تنظر إلى ما تبقى لها من أمها وأشقائها، فردتين من حذائين: إحداهما لوالدتها، والأخرى تعود لشقيقتها.

ورد، الطفلة الفلسطينية التي نزحت مع عائلتها إلى مدرسة فهمي الجرجاوي في حي الدرج بقطاع غزة؛ بحثاً عن  الأمان وفراراً من الموت, لكن النيران التهمت أمها وشقيقاتها الثلاثة وشقيقيْها في ليلة واحدة، تلك الليلة التي نامت فيها ورد طفلة لا تتعدى الخمس سنوات واستيقظت عجوزاً تحمل أعباءً تكبرها بعقود، عبء المشهد، عبء الفقد، والأشد إيلاماً عبء النجاة، فألم الفقد يجعل من النجاة عبئاً يكتم أنفاسها، عبئاً يظهر في غصة صوتها الذي تقطعه شهقاتٌ موجعة، وفي عينيها الذابلتين من هول المشهد وفظاعته.

فجر الاثنين السادس والعشرين من مايو، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة مدرسة الجرجاوي، التي أصبحت مأوى للنازحين، وراح ضحيتها 36 شهيداً من بينهم أسرة ورد، استيقظت ورد على هذا المشهد المفزع، ومشت بين النيران بقدميها الصغيرتين بحثاً عن النجاة، النجاة التي كانت بدايةً لحياةٍ مسلوبة الملامح، بلا حضن أمها، وبلا مواساة أشقائها. 

"محمد كان نايم هان والقنبلة فيه" هكذا وصفت الطفلة ورد المشهد وهي تشير بعينيها قبل سبابتها إلى مكان أخيها الذي ارتقى شهيداً بعدما أكلته النيران أمام عينيها، فهي لم تكن ناجية فحسب بل شاهدة على جحيم رأته في اليقظة، نعم نجت ورد بجسدها من المجزرة لكن كيف ستنجو من الذكرى؟  من سيمسح من ذاكرتها صوت الانفجار؟ وصورة الأجساد المشتعلة؟ كيف ستنسى الصمت المفاجئ الذي خيّم على المشهد بعد الصراخ؟

حملت ورد ألم الشوق على كتفيها قبل أن تسلبها الأيام ذكرى ملامحهم حتّى ، ملامح أمها وأشقائها وشقيقاتها، فقالت ببراءة ووجع يُعجِز الصخر: "كل خواتي ماتوا، ونفسي نرجع مع بعض"، وكأنها تنسج بخيوط من المستحيل حلماً بريئاً يعيد لها دفء الوجوه التي احترقت أمام عينيها، ورد التي لم تفهم بعد معنى الحياة لكنها فهمت معنى الموت، وألم الفقد الذي يترك فراغاً لا يملؤه شيء، تلك الكلمات التي وصفت فيها ورد المشهد والألم ما هي إلا صوتٌ صارخٌ ينقل واقع الطفولة المنكوبة في غزة، الطفولة التي يبيدها الاحتلال الصهيوني لا بالقصف والقتل فحسب بل بثقل الفقد وسرقة الضحكات واجتثاث الأمان من قلوبهم.

ورد لم تكن مجرد ناجية من المجزرة بل شاهدة على وحشية الاحتلال وخذلان العالم، فإن عيونها المتّقدة بالحقيقة ستظل تفضح صمته، وبقاؤها رغم ما انكسر فيها هو بذاته انتصار، انتصار لبرعم صغير قاوم اللهب، انتصار لطفلة مشت على أنقاض المجازر ولا تزال تعرف كيف تنطق وتسمي الأشياء، وانتصار لطفولة تحولت إلى شهادة حيّة على الحقيقة، ورد ليست استثناءً، بل هي وجه من وجوه آلاف الأطفال في غزة.

تصميم وتطوير