ابنة انريكي... فقد ولّد المجد

كتب: الأمين سند
في كرة القدم، كثيرًا ما نحتفل بالبطل الّذي يرفع الكأس، ونُصفِّق له بحرارة ونحن لا نعلم شيئًا عن العواصف التي هزّت قلبه في الخفاء. أما اليوم، فنحن أمام قصة ليست مجرد انتصار كروي، بل ملحمة إنسانية تُروى بحبر الألم ودموع الصبر... قصة رجل فقد جزءًا من روحه، ثم نهض من تحت الرماد ليكتب فصلاً من المجد. إنها حكاية "لويس إنريكي"، الذي صعد من هاوية الحزن إلى قمة المجد الأوروبي، رافعًا الكأس الأغلى مع باريس سان جيرمان، بعد سنوات من الصمت والانكسار.
فصل الألم: صمتٌ في وجه العاصفة
في أغسطس من عام 2019، انطفأ نورٌ صغير في حياة إنريكي، نور كان كل شيء. "تشانا"ابنته ذات الأعوام التسعة، خُطفت من بين ذراعيه على يد مرضٍ لا يرحم: سرطان العظام ( ساركوما Osteosarcoma). بعد تسعة أشهر من الصراع المرض، خاض لويس وأسرته خلالها حربًا لا هوادة فيها. لم يكن مدربًا في تلك المعركة، بل أبًا مكسورًا، يمسك بيد طفلته في كل جلسة علاج، يبتسم لها وهو ينهار من الداخل، يغني لها في الليالي الطويلة التي لا يأتي فيها النوم.
في مساء خيّم عليه الحُزن، مساء الخميس التاسع والعشرين من آب - أغسطس. أعلن في بيان رسمي:
"توفيت ابنتنا تشانا هذا المساء بعد خمسة أشهر من الكفاح الشجاع ضد السرطان." وشكر الطاقم الطبي في مستشفيَيّ "سانت جوان دي ديو" و " سانت باو" على رعايتهم وتفانيهم في محاولة انقاذ ابنته وأعرب عن امتنانه لكل من قدّم الدعم والمواساة خلال تلك الفترة.
هكذا، بلا زخارف لغوية، بلا تمويه. كانت الكلمات موجعة، لكن صلابته في التعبير عنها كانت مزلزلة. صمت بعدها العالم كله، ليس احترامًا فقط، بل حزنًا على رجل تهشّمت روحه.
الغياب... ثم العودة بعينين مثقلتين بالدمع
"تركتُ كُل شيء من أجلها، لكنّها تركتني" تصريح شهير يحكي مرارة فقدٍ لم تُشفها الأيّام، اختفى بعده لويس إنريكي عن الأنظار. لم يكن غيابه مجرد انسحاب مهني، بل انسحاب وجودي. تخلى عن تدريب المنتخب الإسباني، وأغلق أبواب قلبه. كان يحاول أن يعيد ترتيب كتل الحزن في داخله، يبحث عن معنى للفراغ. تمرّ الشهور، والدموع تسيل بصمت، حتى في لحظات الضحك.
لكن شيئًا ما بداخله، شيء يشبه صوت تشانا، ربما، قال له: “قم. عُد. لا تجعل موتي نهاية الحكاية.”
وعاد إنريكي... ليس كما كان، بل أقوى، أعمق، أكثر إنسانية.
باريس سان جيرمان... تحدٍ جديد ومعركة روح
في صيف 2023، كانت باريس تبحث عن بوصلة، كانت تحتاج لمن يقودها من الفوضى إلى المجد. وقع الاختيار على لويس إنريكي. البعض تساءل: لماذا هو؟ لكن من عرف تاريخه أدرك أن الرجل لا يعرف الهزيمة، لأنه ذاق أقساها خارج المستطيل الأخضر.
منذ يومه الأول في باريس، لم يأتِ بخطاب ناري أو وعود فضفاضة، بل جاء بخطة. بنى فريقًا بروح جماعية، أعاد تعريف أدوار اللاعبين، أعاد إحياء شخصية النادي، وكان حازمًا مثل أب، صبورًا مثل معلم، صلبًا مثل من عرف أن لا شيء يُكسر القلب أكثر مما كُسِر سلفًا.
قاد الفريق خلال موسم صاخب، مليء بالإصابات، الانتقادات، الضغوط، لكنه ظل ثابتًا كالصخر. باريس لم تعد مجرد فريق نجوم، بل أصبحت وحدة متماسكة، تنبض بروح واحدة. كان يلعب كل مباراة وكأنها رسالة لابنته: *“شاهدي يا تشانا، أنا ما زلت هنا.”*
نهائي دوري الأبطال... الدمع على أطراف المجد
في ليلة الأول من يونيو 2025، تزينت ملعب الأليانز أرينا في ميونخ الألمانية لاستضافة النهائي المنتظر بين باريس سان جيرمان وأنتر ميلان. ليلة مشبعة بالتوتر، لكن على وجه لويس، كان هناك شيء مختلف... مزيج من السكينة والعزم. وكأن قلبه يُحدِّثه: "هذه ليست مجرد مباراة، هذه مصالحة مع القدر"
افتتح حكيمي التسجيل في الدقيقة 12 من مسافة قريبة مستغلا تمريرة عرضية منخفضة من دوي.
وبعد 20 دقيقة من بداية المباراة، سجل دوي الهدف الثاني بتسديدة من داخل منطقة الجزاء اصطدمت بقدم فيدريكو ديماركو وغيرت اتجاهها إلى داخل المرمى.
وأضاف دوي الهدف الثالث من تسديدة من داخل منطقة الجزاء في الدقيقة 63، قبل أن يسجل خفيتشا كفاراتسخيليا الهدف الرابع من داخل منطقة الجزاء في الدقيقة 73. واختتم سيني مايولو التسجيل من مسافة قريبة مكللا سلسلة من التمريرات المتقنة في الدقيقة 86. أطلقت فرحة هستيرية، لكن في قلب الملعب، بين الزحام، كان هناك رجل يرفع عينيه نحو السماء، يبتسم بابتسامة باكية، يهمس بكلمات لا يسمعها إلا من في العُلى. (المصدر: الجزيرة)
من الرماد يولد المجد
"ابنتي كانت تحب الاحتفالات كثيرًا ، أتذكر صورتي معها حينما غرست علم برشلونة بعد تحقيق الأبطال في برلين.، وأريد أن أكرر ذلك مع باريس سان جيرمان "
هكذا صرّح إنريكي قبل المباراة النهائية في برلين، وفي الاحتفالية بعد التتويج، رفع إنريكي قميصًا يحمل تلك الصورة وقد تفاعلت جماهير باريس سان جيرمان مع هذه اللفتة، ورفعت لوحة “تيفو” عملاقة تُظهر إنريكي وابنته، تكريمًا لذكراها الخالدة.
يقول إنريكي في مقابلة سابقة:
“منذ أن رحلت ابنتي عن هذا العالم، أصبحت روحها رفيقتي الدائمة. أعيش بها، ومعها، وهي من تمنحني القوة كل يوم.”
هي ليست مجرد قصة فقد، بل حكاية حبٍّ لا ينتهي، يُولد من رحم الغياب، ويصير نورًا في قلب الألم.


