مغراس الثقافي في بيت لحم: حين تتحول الثقافة إلى مقاومة صامتة”

01.06.2025 10:31 PM

كتبت: بيسان تعامرة

في أحد الأزقة القديمة بمدينة بيت لحم، حيث تختلط رائحة القهوة برائحة الكتب العتيقة، يقع “مركز مغراس الثقافي”، أحد أبرز المراكز الأهلية التي تحتفي بالثقافة والتراث وتمكين المرأة والطفل في فلسطين. وراء هذا المكان قصة سيدة فلسطينية قررت أن تبدأ “الثورة من الداخل”، بعيدًا عن الشعارات، عبر القراءة والفن والتمكين الاجتماعي.

الولادة في زمن العتمة

تعود فكرة المركز إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، حين قررت ابتسام الزغير، وهي معلمة سابقة، تحويل جزء من بيتها إلى مساحة صغيرة للأطفال الذين كانوا يتعرضون لضغوط نفسية بسبب العنف المتصاعد آنذاك. كانت البداية بخزانة كتب وأدوات رسم بسيطة، ثم تطور المشروع شيئًا فشيئًا ليصبح مركزًا ثقافيًا متكاملاً.

تقول ابتسام:

“لم تكن هناك مساحة آمنة للأطفال. المدارس تغلق، والشوارع تعج بالخطر، ففكرت: لمَ لا أصنع لهم بيتًا آخر للخيال والتعبير؟”

أطفال ونساء… وأحلام كثيرة

يضم المركز اليوم مكتبة تحتوي على أكثر من 2000 كتاب، ويقدم جلسات قراءة منتظمة للأطفال، إضافة إلى ورش رسم ومسرح، وجلسات دعم نفسي من خلال الفن.
لكنه لا يقتصر على الأطفال فقط، بل يشكّل منصة للنساء في البلدة، حيث يتلقين دورات في التطريز، اللغة، والقراءة، خاصة لمن لم يُتح لهنّ إكمال تعليمهن.

“أكثر ما يسعدني هو أن تأتي امرأة في الأربعين تقول لي إنها قرأت أول قصة في حياتها هنا”، تضيف ابتسام بابتسامة.

ثقافة لا تعرف الاحتلال

رغم الحواجز العسكرية والقيود على الحركة، واصل المركز نشاطه حتى في أحلك الظروف، مثل الانتفاضة الثانية وجائحة كورونا.
خلال الإغلاقات، قام فريق المتطوعين بتوصيل كتب إلى الأطفال في البيوت، وإطلاق فعاليات قراءة عبر الإنترنت، للحفاظ على العلاقة مع العائلات.

تمويل ذاتي وأحلام مستمرة

يعتمد المركز على تبرعات محدودة، لكنه يرفض تلقي تمويل مشروط يمس رسالته. تقول ابتسام:

“الاستقلال الثقافي أهم من المال. نحن نزرع بذورًا، لا نبني مشاريع استهلاكية”.

يحلم الفريق حاليًا بتوسعة مساحة المركز وافتتاح قسم خاص للفتيات الموهوبات في الكتابة والرسم، وتحويل بعض القصص المكتوبة إلى رسوم متحركة بأيدٍ فلسطينية.

رسالة صامتة للعالم

تحولت قصة مغراس الثقافي إلى نموذج يُدرّس في عدة ورش عربية، كأنموذج لـ”التمكين الثقافي المحلي”. وقد زاره مؤخرًا باحثون من جامعات أوروبية، ووصفوه بأنه “مقاومة ناعمة تحفظ الجذور وتبني الإنسان”.

في زمنٍ أصبح فيه كل شيء سريعًا ومؤقتًا، اختار مركز مغراس أن يمضي ببطء، لكن بثبات. ليس فقط من أجل كتب تُقرأ أو تطريزات تُخاط، بل من أجل جيل فلسطيني يعرف كيف يحلم، ويعرف كيف يعيش كفرد حُرّ وسط العاصفة.

المصادر:
• لقاءات صحفية مع ابتسام الزغير – موقع الخليج الثقافي، 2015.
• تغطية ميدانية لبرامج المركز – إذاعة صوت فلسطين، 2021.
• تقرير عن “تمكين النساء من خلال الثقافة في بيت لحم” – مؤسسة عبد المحسن القطان، 2022.

تصميم وتطوير