خنساء فلسطين… أم ناصر أبو حميد: أمٌّ تنجبُ الثورة وتُرضعها الصبر

كتبت: رغد القيسي
في مخيم الأمعري قرب رام الله، لا تسير الرياح كما تشتهي آلة الاحتلال، ففي بيتٍ متواضعٍ اختبأت خلف جدرانه امرأةٌ نُحتت من الصخر، امرأةٌ كلّما هبّت عليها ريح الظلم، اشتدّ جذعها في الأرض أكثر. اسمها لطيفة محمد ناجي أبو حميد، ولقبها الذي بات يصدح في المحافل الوطنية والدولية هو: “خنساء فلسطين”.
ليست خنساء شعرٍ ورثاء فقط، بل خنساء الميدان، وعرين المعركة، وسيدة وجعٍ لا ينكسر.
❖ أم أنجبت وطناً
ما أعظم أن تنجبي طفلاً، وما أقدس أن تنجبي ثورة. لطيفة أنجبت ثمانية رجال، سبعة منهم امتهنوا طريق المقاومة، وواحد فقط قدّر له أن يعيش خارج الزنزانة. لم يُمهلها الاحتلال لتفرح بهم، فكل واحد منهم تحوّل إلى قصة عزّ دامية، وبعضهم تحول إلى أسطورة محفورة في ذاكرة الأرض.
عبد المنعم، ابنها البكر، لم يكن مجرد مقاوم، بل كان صاعق برقٍ ضرب الاحتلال في مقتل. اغتال ضابطًا في الشاباك، في عملية وُصفت بأنها من أدق ما عرفته فلسطين في تسعينيات القرن الماضي. استُشهد بعدها، ولم يجد الاحتلال إلا أن يُلقّبه في تقاريره بـ”الخطر المتحوّل”.
ناصر، قلبها ووتدها، قضى أكثر من 20 عامًا في سجون الاحتلال، حُكم عليه بـ7 مؤبدات و50 عاماً إضافية، فقط لأنّه قرّر ألا يعيش عبداً. استُشهد عام 2022 في أحد أكثر فصول القهر قسوة، قتلوه بالإهمال الطبي، ولكنهم لم يسلبوه شرف الكلمة الأخيرة.
أما البقية — نصر، شريف، محمد، جهاد، وإسلام — فكلٌّ منهم نسرٌ جريح، حلّق في سماء الكرامة ثم قبع في القيد، منتظرين شمس الحرية. خمسة مؤبدات تتوزع على أجسادهم، وجدران زنزاناتهم تكتب تاريخًا يُعلَّم للأجيال.
❖ امرأة تُهزَم الجرافات ولا تنهزم
منزل أم ناصر هُدم خمس مرات. خمس جرافات عبرت فوق الجدران، لكنّها لم تستطع أن تمرّ على كبريائها. كانت تقف في وجه الجرافة، كما تقف الجبال في وجه الإعصار، وتقول:
“كل بيت يُهدَم يُصبح حجراً في أساس الدولة التي نحلم بها… لا جدار في الكون ينهار دون أن ينبض قلبه من جديد.”
هل تعرف ماذا يعني أن تواصل الحياة بعد أن يُعتقل خمسة من أبنائك، ويُستشهد السادس، ويُهدم بيتك، وتُحرَم من دفن من تحب؟
إنه لا يعني القوة فقط، بل يعني أنك من طينة الأنبياء، ومن صبر زينب، ومن ليل القدس الطويل الذي لا ينحني.
❖ بين القيد والرحم
حين رُزقت أم ناصر بحفيدها الأول، كان أبوه في الزنزانة، وكانت العائلة تقتات على الانتظار. لم تكتفِ أم ناصر بأن تكون أماً، صارت جدةً للمقاومة، تُرضع الحكايا بدل الحليب، وتعلّم الصغار كيف يكون “باب السجن” مجرد قوسٍ قبل فجرٍ قادم.
“في رحم الظلم يولد الأمل، وفي أقبية التحقيق تُصنع البطولة… وفي كل زنزانة، تنبت لنا شجرة زيتون جديدة.”
❖ من ضلوعها شُيّدت الكوفية
كانت أم ناصر تقول دائمًا
“أنا لم أُربّهم ليكونوا أطباء أو تجارًا… بل ربّيتهم ليكونوا أحرارًا، لأن من لا يملك حريته، لا يملك شيئًا.”
والحرية في قاموسها ليست شعارًا، بل سلوك يومي، ودمعة ساخنة، وصرخة لا تخبو. إنها لا تؤمن بالنصر السهل، بل تؤمن أن النصر يُزرع في قبور الأبناء، ويُسقى بدمع الأمهات، ثم يُقطف في يوم لا ريب فيه.
❖ وجعٌ يُدرّس… وصمودٌ يُنقش
أم ناصر اليوم، لم تمت، بل أصبحت نُصبا إنسانياً حياً، تُدرّس سيرتها في المحافل، وتُروى قصتها كملحمة صبر فلسطيني لا يُضاهى. هي أمّ واحدة، لكنها أنجبت أمةً من المقاومين، وخلّدت اسمها في سجلّ التاريخ كواحدة من أقوى النساء في القرن.
خاتمة:
إذا أردت أن ترى فلسطين تمشي على قدمين، انظر إلى أم ناصر أبو حميد.
وإن سألك أحدٌ: “كيف تُهزم جيوش ولا تُهزم امرأة؟”
فأجبهم:
لأن أم ناصر تقف خلف كل بندقية شريفة، وخلف كل طفل يولد وهو يردد: “أنا ابن خنساء فلسطين.


