سند

01.06.2025 06:50 PM

كتب: ايهاب جواريش

في ساعة متأخرة من ليلةٍ حملت معها نذر الموت، وبينما كانت مدينة غزة تحاول أن تلملم بقايا يومٍ حافلٍ بالقصف، استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي حي التفاح بعدة غارات متتالية. واحدة من هذه الغارات كانت الأكثر دمارًا، حين استهدفت مدرسة “دار الأرقم” التي تحوّلت في الأيام الأخيرة إلى ملاذ مؤقت لعائلات نزحت من المناطق الحدودية.

داخل أحد الصفوف، كان الطفل سند بلبل (7 أعوام) نائمًا بجوار والدته وشقيقته، وقد أخذهم التعب والقلق من كثرة التنقل. لم يتوقع أحد أن تصبح المدرسة هدفًا عسكريًا، فهي مكان تعليمي، وكانت تحت إشراف وكالة الغوث منذ بداية العدوان. ولكن في غزة، لم يعد هناك مكان آمن.

عند الساعة الثانية فجرًا، دوّى صوت الانفجار، وهز الحي بأكمله. انهار المبنى المكوّن من طابقين على رؤوس من فيه. ارتفعت سحابة من الغبار، وساد الظلام. صرخات الأطفال والنساء كانت ممزوجة بصوت صفارات الإسعاف والإنقاذ، فيما غاب صوت سند.

بدأت طواقم الإنقاذ في البحث بين الركام، لكن ضعف الإمكانات وانهيار الممرات الداخلية جعل من الوصول إلى الناجين مهمة شبه مستحيلة. في البداية، تم إنقاذ عدد من الأطفال والنساء، وكان من بينهم والدة سند، التي خرجت بجراح متوسطة، ولكنها لم تكن ترى أو تسمع أي شيء عن ابنها.

ساعات مضت، وتحولت المدرسة إلى موقع عزاء مفتوح. أُعلنت أسماء الشهداء، وتناقل الناس على وسائل التواصل قائمة الضحايا. في أحد المنشورات، كُتب: “الطفل سند، مفقود تحت الأنقاض”.

خال الطفل، مصعب الددا، لم يستسلم. قرر أن يعود للبحث بمساعدة الجيران، حيث أصرّت الأم، رغم إصابتها، على أن سند ما زال حيًا. تقول: “كنت أشعر بأنه حي… لا أعرف لماذا، لكن كل خلية في جسدي كانت تقول لي إن ابني لم يمت”.

في اليوم التالي، وبينما كانت رافعة صغيرة تزيح أجزاء من السقف المنهار، سمع خاله صوت بكاء خافت. في البداية لم يصدق، ثم نادى: “سند؟”، فجاءه الرد ضعيفًا لكنه حقيقي. تجمّع الناس، وبدأت عملية إنقاذ يدوية شاقة استمرت أكثر من ثلاث ساعات، حيث لم يكن بالإمكان إدخال معدات ثقيلة خوفًا من سقوط الحطام على الطفل.

أخيرًا، خرج سند، متربًا، مذهولًا، لكنه على قيد الحياة. حمله خاله بين ذراعيه وسط تكبيرات الناس وبكاء والدته. أصيب الطفل ببعض الكدمات الطفيفة، لكنه كان واعيًا. نقله الهلال الأحمر إلى نقطة طبية ميدانية، حيث تم فحصه والتأكد من سلامته الجسدية، لكن الأطباء أشاروا إلى أنه يعاني من صدمة نفسية شديدة.

“الطفل لا يتحدث كثيرًا. يظل ممسكًا بيد والدته أو خاله، وعيناه تراقبان المكان باستمرار”، قال الطبيب المسؤول عن حالته. لاحقًا، نُقل إلى مركز دعم نفسي تابع لوزارة الصحة، حيث بدأ يتلقى جلسات لمساعدته على تجاوز الموقف.

سند اليوم يعيش في أحد مراكز الإيواء مع والدته، بينما والده ما يزال في العناية المكثفة بسبب إصابة في الرأس. أما شقيقته فقد خضعت لعملية جراحية في ساقها، وما زالت تتلقى العلاج.

كل من سمع القصة، من الأهالي أو الصحفيين أو حتى عمال الإنقاذ، وصف ما حدث بالمعجزة. “قلّما يخرج أحد حيًا من تحت هذا الكم من الدمار”، قال أحد عناصر الدفاع المدني.

قصة سند ليست مجرد حكاية عن طفل نجا، بل شهادة على وحشية الحرب، وعلى عزيمة الفلسطينيين في التمسك بالحياة. إنها قصة الألم، لكنها أيضًا قصة الأمل في قلب المأساة.

في أحد الرسومات التي أنجزها مؤخرًا، رسم سند بيتًا صغيرًا تحيط به أشجار، وكتب تحته كلمة واحدة: “رجعت”. في هذه الكلمة، تختصر غزة حكاية جيل بأكمله، جيل يحلم بالعودة إلى ما قبل الحرب، إلى حياةٍ بسيطة وآمنة.

تصميم وتطوير