حلم لم يتحقق... إبادة المباني

01.06.2025 06:45 PM

كتبت: ياسمين ابو حمد

في قلب زعترة جنوب شرقي بيت لحم، حيث تتصارع الأحلام مع قسوة الواقع، لم يكن مجرد منتزه يغلق أبوابه، بل كان حلم العم أبو أنس، الذي بناه بجهد السنين وعرق الجبين، هو الذي يتبدد. في كل زاوية من  منتزه "سماء البادية"، كانت قصة أمل تُروى، واحةٌ وُلدت من قلب الصحراء لتكون متنفسًا لأهالي المنطقة. لكن هذا الحلم، الذي ارتفع شامخًا، سرعان ما هوى تحت وطأة قرار الاحتلال بالإغلاق القسري، لأن موقعه في "المنطقة ج" جعله هدفًا لسياسات المصادرة والهدم الإسرائيلية.

منذ سنوات، راود العم أبو أنس حلمٌ بتحويل أرضه القاحلة في زعترة إلى واحة خضراء، متنفسٍ لأهالي المنطقة والمجاورين. أراد منتزهًا عائليًا يضم مساحات للجلوس، وألعابًا للأطفال، ومقهىً يقدم القهوة لزوار البادية. بجهدٍ جهيد وعرقٍ غزير، بدأ أبو أنس بتنفيذ حلمه عام 2017. روى الأرض، زرع الأشجار، نصب المظلات، ونحت بالصخر وسرعان ما أصبح ملاذاً لأهل هذه البلدة ،كان المنتزه أكثر من مجرد مشروع تجاري؛ كان يمثل الإرادة في إيجاد مساحة للفرح والأمل في منطقة تفتقر للمتنزهات.

كان المنتزه يشهد إقبالاً جيدًا، ويشعر أبو أنس بالرضا كلما رأى الابتسامة على وجوه الأطفال وهم يلهون، أو العائلات وهي تستمتع بأجواء الهدوء. كان يُعَد قصة نجاح صغيرة، دليلاً على أن الإرادة الفلسطينية قادرة على البناء والعطاء حتى في أصعب الظروف.

لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً. فمنطقة زعترة، كغيرها من المناطق في الضفة الغربية، تقع ضمن ما يُعرف بـ"المنطقة ج" بموجب اتفاقيات أوسلو، وهي مناطق تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة على المستويين الأمني والإداري. هذا التصنيف يعني أن أي بناء أو تطوير فيها يتطلب تراخيص من الإدارة المدنية الإسرائيلية، وهي تراخيص لا تُمنح للفلسطينيين، في حين تُمنح للمستوطنات الإسرائيلية المحاذية.

وبعد كل التعب والجهد الذي بذله أبو أنس، تلقى الأمر الصاعق: قرار من سلطات الاحتلال بإغلاق المنتزه. لم تشفع آماله ولا حاجة الناس لمثل هذا المتنفس. تبدد حلم "سماء البادية" أمام عينيه، وأُجبر على إغلاق الأبواب التي فتحها للبهجة، ليتحول المنتزه الصغير إلى شاهدٍ صامتٍ على سياسات الاحتلال الغاشم.

قصة أبو أنس وحلمه جزء لا يتجزأ من نمط أوسع وأكثر إيلامًا من ممارسات الاحتلال في "المنطقة ج". فبعد إغلاق المنتزه، لم يتوقف إجرام الاحتلال. تستمر جرافاته في مصادرة الأراضي الفلسطينية وهدم المنازل بحجة "البناء دون ترخيص" أو "أغراض أمنية"، تاركةً خلفها عائلات بلا مأوى، وأحلامًا محطمة.

في الوقت الذي تتوسع فيه المستوطنات الإسرائيلية وتنمو بلا قيود على الأراضي الفلسطينية المصادرة، يُحرم الفلسطينيون من حقهم الأساسي في البناء والتطوير على أراضيهم الخاصة. أصبحت "المنطقة ج" ساحة معركة مستمرة، حيث يواجه الفلسطينيون سياسات تهدف إلى تهجيرهم وتقليص وجودهم، ليتركوا مساحة أكبر للتوسع الاستيطاني.

يقف العم أبو أنس اليوم على أنقاض حلمه، لكنّه لا ينحني. فكل حجر تهدّم، زرع في قلبه إصرارًا جديدًا، وكل ذكرى ضاعت، أنبتت في روحه وعدًا بالعودة. قصته ليست مجرد حكاية خسارة، بل شهادة حيّة على شعبٍ يعرف كيف يصنع من الألم طاقة، ومن الفقد وعدًا لا يخون: أن الحرية قادمة، مهما طال
الطريق.

تصميم وتطوير