من التحدي إلى النجاح.. قصة فتاة فلسطينية لا تعرف حدودًا لإمكاناتها

كتبت : أمل الحيح
في زقاقٍ ضيّقٍ من بلدة صوريف شمال الخليل، تتقدم سماح بكر ( 28 عاماً) بخطوات ثابتة، رغم حركتها المحدودة على كرسيّها المتحرّك. تحمل بين يديها خيوطًا ملونة أضفت عليها حياةً جديدةً لمتجر صغير ورثته عن والدها الراحل، فحوّلته إلى واحةٍ للتراث الفلسطيني. ولدت سماح بشلل نصفي في قدميها، لكن قلبها الكبير وإرادتها التي لا تلين لم يتركا مكانًا للشكّ في قدرتها على تغيير واقعها وواقع من حولها.
قالت سماح بكر، وهي فتاة من ذوي الهمم تعيش في بلدة صوريف: "إعاقتي لا تعرف حدودًا، ولكن إمكانياتي لا تُحد." يبلغ عدد ذوي الإعاقة في الضفة الغربية والقطاع ٩٣ ألف فلسطيني، تشكّل النساء منهنّ شريحةً تواجه صعوباتٍ مضاعفة في فرص العمل والاندماج الاجتماعي. ومن بينهن سماح بكر التي لم تستسلم للإعاقة الحركية التي تعايشها، وأصرت على أخذ مكانتها في المجتمع إذ اضطرت إلى ترك دراستها الجامعية بعد وفاة والدها، لتتولّى مسؤولية الدكانة التي ورثتها من والدها وهو محل بسيط في حجمه، لكنه غالٍ في معناه بالنسبة لها. كان المتجر مصدر رزق الأسرة، لكن بعد غياب الأب، أصبح رمزًا للبداية الجديدة، ولبذرة الأمل التي نمت في قلب سماح.
لم تكتفِ سماح ببيع المنتجات التقليدية، بل أضافت لمسة خاصة جعلت من المتجر وجهة مميزة. فخلال جدران الدكانة الخشبية، يطوف الزبائن بين رفوف تضمّ المحاصيل البلدية المطحونة يدويًا، من دقيق القمح وزيت الزيتون إلى التوابل المحلية. أضافت زاوية مخصصة للمشغولات اليدوية التي تصنعها بنفسها باستخدام الخيوط الملونة. فكل قطعة نسيج تحمل حكاية، وكل لون فيها يرسم لوحة من التراث الفلسطيني. تتوقف الزائرات عند الزاوية يسألن عن معنى كل تصميم، فتروي سماح بكل فخر تفاصيل القطعة ومن أين استوحتها، كأنها تقرأ فصول رواية كتبتها بخيوط وإبرة. لم يأتِ الزوار مصادفةً، بل أصبحت الدكانة الوحيدة في البلدة التي تحافظ على مزيجٍ فريدٍ من الغذاء والتراث، ما جذب الاهتمام من داخل صوريف وخارجها.

لكن الطريق لم يكن معبّدًا بالورود. فصعوبة التنقل، وقلة الموارد، ونظرة المجتمع التقليدية كلها كانت تحديات يومية. ومع ذلك، رفضت سماح أن تكون حبيسة لحالتها الصحية. توقفت عن الدراسة الجامعية بعد رحيل والدها، لكنها لم تتوقف عن التعلّم والتطوير الذاتي، فبدأت بالاطلاع على تقنيات التسويق اليدوي، وتعلّمت مهارات النسيج والأعمال اليدوية من نساء البلدة.
وراء هذه الإنجازات، تحظى سماح بدعمٍ كبير من أسرتها، وعلى رأسهم شقيقها محمد، قائلًا " سماح كانت وستبقى مصدر فخرٍ لنا. لقد واجهت الإعاقة بشجاعةٍ وإصرارٍ لا يُضاهى، نحن هنا لنساندها في كل خطوة، لأنها بحقّ مثالٌ حيٌّ على الإرادة والعزيمة". كما وتضيف والدتها بابتسامة فخر: " نحن نرى سماح قدوة بيتنا، تعلمنا منها أن لا شيء مستحيل، فقط الإرادة هي التي تصنع الفارق".
وفي مجتمعٍ لا تزال فيه النساء من ذوي الإعاقة يعانين ضعف فرص الاندماج، تمثّل قصة سماح نموذجًا ملهمًا للآخرين، لا سيّما الفتيات اللواتي يخشين تحقيق أحلامهنّ بسبب أيّ إعتراض. تسعى سماح لتنظيم ورشٍ تدريبيةٍ لذوي الإعاقة في مجال الحرف اليدوية والتراثية، إيمانًا منها بأن الحدَّ من قدرات ذوي الهمم يبدأُ من نقص الفرص وتخطط أيضًا لإطلاق منصةٍ إلكترونيةٍ تعرض عبرها منتجات المشاركين، فتصبح الدكانة الصغيرة مركزًا إبداعيًا يُعزز فرص العمل للفئات المهمشة.
من داخل زقاقٍ ضيّقٍ، تطلق سماح بكر رسالةً واضحةً: ليست الإعاقة نهاية الطريق، بل نقطة انطلاقٍ نحو صنع الفارق. بخيوطها المتعددة الألوان وكلمتها الصادقة، تبرهن أنّ الإرادة أقوى من الظروف، وأنّ التراث الفلسطيني يتجدَّد بعزيمة أبناءه وبناتِه.
تقول سماح: "هدفي أن يرى الجميع إمكاناتنا وقدراتنا، وأن نفتح أبواب الأمل لكل مَن يظنّ أن الإعاقة عائق"


