خالد بطراوي يكتب لـ"وطن": "التاريخ ... هلوسات"

لا أدري لماذا يصاب البعض بالصدمة والذهول عندما قامت جهة إعلامية بنشر صورة للشهيد خاليل الوزير "أبو جهاد" بدلا من الشهيد "أبو إياد" رحمهما الله والتعريف على أنه "أبو إياد".
ولا أدري أيضا لماذا نصاب بالصدمة عندما تتوجه مقدمة برامج متأنقة الى الميدان وتسأل أسئلة تتعلق بالتاريخ ولا تجد إلا ما ندر إجابة صحيحةـ كأن تسأل من هو خليل الوزير ولا تجد إجابة أو أن تسأل ما إسم أبو جهاد، أيضا فلا تجد إجابة.
وعندما تمعن مقدمة البرامج هذه في إسئلتها "الصعبة" نكتشف أن الغالبية العظمى ممن تقابلهم وتعرض عليهم صورة قبة الصخرة المشرفة يجيبون فورا على أنها المسجد الأقصى المبارك.
لماذا نغضب ... لماذا نصاب بالذهول .... لماذا تنتابنا الصدمة؟
ألم تسمعوا بالمثل القائل " من دهنو قلليلو"؟
إنه توصيف دقيق لحالتنا، فنحن من يفعل ذلك لأنفسنا وللجيل القادم، نحن من يحجب التاريخ عن الأجيال الحالية ليس فقط في المناهج التعليمية وإنما أينما كان.
نحن من حوّل معتقل الفارعة مثلا الى مركز للشباب بدلا من أن نبقيه شاهدا على معاناة المعتقلين، بدلا من أن نبقي إسطبلاته التي كانت لخيول الإنتداب البريطاني شاهدا على كل حقبة تاريخية متعاقبة تعذب بها أبناء شعبنا، من ينسى منا القطعة الحديدية الدائرية الصغير المثبتة قليلا أعلى منتصف جدران الإسطبلات والتي كانوا يربطون فيها خيول البريطانيين وربطنا بها نحن ... مشبوحين بوضعيات مختلفة على أيدي مخابرات الإحتلال؟ لقد قمنا بأيدينا بإزالة بقع الدماء وكتابات المعتقلين في إسطبل خيل الفارعة. لماذا لا نضع هناك ما صدر عن الكاتبين سامي الكيلاني وعادل الأسطة تحت عنوان " الفارعة والبحر والشمس" ولماذا لا يكون هناك نسخا من دراسة مؤسسة " الحق" حول " القمع والتنكيل في سجن الفارعة" أو أن ننشر قصيدة سميح فرج " إسطبل خيل الفارعة"، وننشر شهادات من تعذبوا داخل هذا الإسطبل؟
كم هو عدد المباني التي تم هدمها في مختلف محافظات الوطن سعيا لإنشاء العمارات، وبهدمها زال تاريخها فأصبحنا نمر من أمامها لا نتنفس عبق المكان ولا نستذكر مناضلي القرية أو المدينة أو المخيم.
أين ذهبت حجارة المباني القديمة التي جرى هدمها، جزء منها تم بيعه للإحتلال وجزء منها تم طحنه وبيعه "بيسكورس أو حصمة" وجزء أخر قليل جدا تم إعادة إستخدامه في البناء، وفي ذات الوقت نجلس ونطرب لبيت شعر إمرؤ القيس الذي يقول:-
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل ..... بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
إننا أيها الأحبة بوعي أو من غير وعي نقوم بمساعدة الإحتلال في طمس التاريخ وتغيير الرواية وتغيير المكان وتحريف مجريات الزمان. أن التطبيع هو أن نقبل الرواية الصهيونية التاريخية ونقزم نحن روايتنا بل ونعمل على إندثارها.
نحن بحاجة الى حملة وطنية إستنهاضية لكل شىء، لتاريخ الحجر والشجر والبشر في فلسطين، لتاريخ الزمان والمكان، لتاريخ الجغرافيا وللتاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والفلكلوري والاقتصادي في فلسطين. لتاريخ الأرض والسماء والبحر والهواء، لا يكفي أن نعود للموسوعة الفلسطينية أو موسوعة " بلادنا فلسطين" أو "غزة عبر التاريخ" فقط وفقط عندما يريد طالبا أو طالبة إعداد أحد الأبحاث الجامعية أو المدرسية، نحن بحاجة الى كل شىء إلا النسيان والتقاعس عن تأدية هذا الواجب التاريخي. وأستذكر ما قالته لي ذات يوم زميلتي المهندسة دعد الصيرفي عن ضرورة " اخراج التاريخ من جمود حيز المتحف والذاكرة وعدم تحجيم التاريخ او اظهاره كمعجزة وابطال من المستحيل أن يتكرروا".
ولمقدمة البرامج تلك وهي توجه الأسئلة أقول " شدي البراغي شوي .... عمو".
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


