لن يصدق أحد أنني جثة
وطن للأنباء: ليس الموت، في جوهره، سوى العلامة الأخيرة في كتاب الحياة، النقطة التي تُغلق السطر الأخير من حكاية الإنسان. غير أن غزة، وهي تعيش زمن الحرب، نزعت عن الموت يقينه النهائي، وحولته إلى رفيق يومي يقف عند كل باب، وإلى انتظار طويل يتكرر مع كل صباح. من هذه المسافة المعلّقة بين الحياة والفناء، يكتب الشاعر الفلسطيني إيهاب بسيسو مجموعته الشعرية «لن يصدق أحد أنني جثة»، الصادرة عن دار طباق للنشر والتوزيع، والتي أُطلقت خلال أمسية ثقافية احتضنتها مؤسسة مريم لمكافحة السرطان، بوصفها محاولة لإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية، في زمن تتراجع فيه اللغة أمام هول الفاجعة.
وفي هذا العالم المثقل بالخراب، لا يقدّم بسيسو أجوبة جاهزة، بل يترك القصيدة تمضي في أسئلتها. فالإنسان الفلسطيني، كما ترسمه النصوص، لا يقف في مواجهة الموت وحده، بل يفاوضه على حقه في الحياة، ويحوّل الذاكرة إلى ملاذ، والكلمات إلى مساحة أخيرة للدفاع عن الكرامة. هكذا تمتزج الواقعية بالرمز، وتغدو القصيدة شهادة على زمن تتكسر فيه الحدود بين الممكن والمستحيل.
يحافظ هذا الصوت الشعري على مسافة تأملية من الواقع، لا هربًا منه، بل اقترابًا أعمق من جوهره. فالمجازر، والدبابات، والجثث، والمدن المهدمة لا تُستدعى باعتبارها صورًا للصدمة، وإنما بوصفها أسئلة مفتوحة حول معنى الوجود الإنساني. وفي لحظة يبدو فيها الخيال عاجزًا عن ملاحقة حجم الكارثة، لا تحاول القصائد تجميل العالم، بل تمنحه اسمه الحقيقي، وتترك الشعر شاهدًا على زمن يختبر فيه الإنسان حدود اللغة وحدود البقاء معًا.
وقال الشاعر الفلسطيني الدكتور إيهاب بسيسو، لوطن للأنباء، إن الديوان يمثل محاولة شعرية لمواكبة فصول الإبادة الدامية في قطاع غزة، انطلاقًا من تجربته الشخصية كغزي يقيم في رام الله، مشيرًا إلى أنه سعى إلى ترجمة معاناة البعد القسري عن مدينته وذكرياته، وما تتعرض له غزة من استهداف للإنسان والمكان، عبر قصائد تمزج بين المسافة الجغرافية والوجدانية التي فرضتها الحواجز والاحتلال.
وأوضح مدير مؤسسة مريم لمكافحة السرطان، محمد حامد، لوطن للأنباء، أن استضافة حفل إطلاق الديوان جاءت بالتعاون مع دار طباق للنشر والتوزيع، مؤكدًا أن المجموعة الشعرية تتناول غزة وتنسجم مع الرسالة الثقافية والإنسانية التي تحرص المؤسسة على دعمها.
بدوره، أعرب الكاتب الفلسطيني عيسى قراقع، لوطن للأنباء، عن أمله في أن يشكل الديوان صرخة ثقافية توقظ الضمير الإنساني، معتبرًا أن مفهوم "الجثة" لا يقتصر على موت الجسد، بل يمتد إلى موت الموقف الإنساني والسياسي، حين يفقد الإنسان قدرته على التفاعل مع معاناة الآخرين.
من جهتها، أكدت أستاذة الدبلوماسية وحل النزاعات في الجامعة العربية الأمريكية، الدكتورة دلال عريقات، لوطن للأنباء، أن على كل فلسطيني توظيف أدواته ومعارفه لخدمة القضية الفلسطينية، مشيرة إلى أن بسيسو قدم نموذجًا لذلك من خلال توظيف الشعر في توثيق الرواية الفلسطينية وحفظها للأجيال القادمة.


