رغم الحرب والدمار.. مبادرة تعليمية في غزة تعيد مئات الأطفال إلى مقاعد الدراسة وتتمسك بحقهم في التعليم

13.07.2026 01:25 PM

غزة – وطن للأنباء: في وقت تحولت فيه المدارس في قطاع غزة إلى مراكز نزوح أو ركام، وباتت القرطاسية من الكماليات، تمكنت مبادرة تعليمية أطلقتها مريم أبو شنب من إعادة مئات الأطفال إلى مقاعد الدراسة، في محاولة للحفاظ على حقهم في التعليم رغم الحرب، قبل أن تتحول لاحقا إلى نقطة تعليمية معتمدة بإشراف وزارة التربية والتعليم، وتواصل عملها رغم القصف والنزوح ونقص الإمكانات.

وقالت أبو شنب، خلال حديثها لبرنامج "شد حيلك يا وطن" الذي يبث عبر شبكة وطن الإعلامية، إن فكرة المبادرة ولدت في مطلع آب/أغسطس 2024 بعد مشاهدتها أطفال غزة يقفون في طوابير المياه والتكايا بدلا من الاستعداد للعام الدراسي، فبادرت مع شقيقتها إلى تدريس مادتي اللغة العربية والرياضيات في إحدى مدارس وكالة الغوث القريبة من مكان سكنها، مع التركيز على المهارات الأساسية بعيدا عن المناهج الرسمية.
وأضافت أنه بعد إعلان وزارة التربية والتعليم اعتماد النقاط التعليمية، تقدمت بطلب لاعتماد المبادرة، وحصلت على إشراف رسمي لتصبح نقطة تعليمية معتمدة.

وأوضحت أن نحو 70 طالبا التحقوا بالمبادرة خلال اليومين الأولين، قبل أن يرتفع العدد تدريجيا مع تزايد إقبال الأطفال وأهاليهم الباحثين عن أي فرصة تعليمية رغم المجاعة والظروف الإنسانية الصعبة.
وأكدت أن توفير القرطاسية في البداية كان بجهود شخصية، إلا أن ازدياد أعداد الطلبة دفع فريق المبادرة إلى جمع دفاتر قديمة ومسح صفحاتها وإعادة استخدامها، موضحة: "حتى اليوم ما زلنا نستخدم دفاتر مستعملة، لأن سعر الدفتر الواحد أصبح مرتفعا جدا، ويصعب على الأسر التي لديها ثلاثة أو أربعة أطفال توفير احتياجاتهم الدراسية. كان الخيار إما استخدام الدفاتر القديمة أو توقف الأطفال عن التعلم، ولم نقبل بذلك."

وأضافت أن فريق المبادرة وفر أحيانا ما استطاع من القرطاسية من أمواله الخاصة، دون أن يطلب من أي طفل التوقف عن الدراسة بسبب عدم قدرته على شراء دفتر أو قلم.
وأشارت إلى أن المبادرة توسعت بعد اعتمادها رسميا، لتضم معلمين ومتطوعين في تخصصات مختلفة، بينها العلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية، بعد أن كانت تعتمد في بدايتها عليها وعلى شقيقتها فقط، كما جرى تقسيم الطلبة إلى مجموعات وفق أعمارهم ومستوياتهم الدراسية، وتنظيم الدوام بما يضمن استيعاب أكبر عدد ممكن من الأطفال.
لكن الحرب، بحسب أبو شنب، لم تمنح المبادرة فرصة للاستقرار، إذ تعرضت إحدى المدارس المجاورة للقصف خلال أحد الأيام الدراسية، واضطر الفريق إلى تأمين الأطفال وإعادتهم إلى ذويهم قبل استكمال الدروس.
وأضافت أن الضربة الأكبر جاءت في تشرين الأول/أكتوبر 2025، عندما تعرض مجمع المدارس الذي كانت تعمل فيه المبادرة للقصف، ودمر الصف الدراسي بالكامل، ما اضطرها وعائلتها إلى النزوح جنوبا، قبل أن تعود لاحقا إلى مخيم الشاطئ لتجد المكان مدمرا بالكامل.
وقالت: "لم يبق شيء... لا سبورة ولا مقاعد ولا صفوف. في تلك الفترة كان هم الناس توفير الماء والغذاء فقط، وكان التفكير في التعليم يبدو مستحيلا."

ورغم ذلك، أوضحت أن طلبة المبادرة وأهاليهم طالبوا باستئناف الدراسة، وبعد مشاورات مع فريق العمل تم استئجار مكان بسيط داخل المخيم، واستؤنفت المبادرة، حيث سجل في اليوم الأول وحده 160 طالبا، قبل أن يرتفع العدد إلى أكثر من 200 طالب، مع تجهيز أربعة صفوف دراسية لتوفير مساحة آمنة للأطفال وسط الحرب.
وأكدت أبو شنب أنها تواصلت مع العديد من المؤسسات المحلية والدولية الداعمة للتعليم، إلا أن المبادرة لم تتلق دعما حقيقيا، باستثناء مساهمة من مؤسسة "رؤيا" التي وفرت في البداية عبوات من البسكويت لكل طالب خلال فترة المجاعة، وما تزال تقدم بشكل أسبوعي كراتين من البسكويت، معتبرة أن ذلك شكل حافزا للأطفال على الاستمرار في الحضور.

وأضافت أن أبرز الاحتياجات الحالية تتمثل في توفير المقاعد الدراسية، إذ يجلس الطلبة على الأرض فوق مفارش بسيطة، إضافة إلى الحقائب والدفاتر والقرطاسية التي أصبحت، بحسب وصفها، "ترفا" في غزة بسبب الحصار وارتفاع الأسعار.
وأشارت إلى أن المبادرة، خلال عامين من العمل، رافقت عشرات الطلبة حتى انتقالهم إلى الصف السابع، إلا أن هؤلاء يطالبون اليوم بفتح صفوف للمرحلة الإعدادية، وهو ما تصفه بالحلم المؤجل بسبب نقص الإمكانات، إذ يتطلب استئجار مكان أكبر وتوفير عدد أكبر من المعلمين.
ورأت أن الحاجة إلى التعليم في الميدان تتزايد يوما بعد يوم، وأن المبادرة قد تتمكن مستقبلا من الوصول إلى المرحلتين الإعدادية ثم الثانوية إذا توفر لها الحد الأدنى من الدعم.
واختتمت أبو شنب رسالتها بالقول: "التعليم في غزة رسالة تحد للعالم. نحن لا نعلم الأطفال المناهج فقط، بل نمنحهم الأمل، ونحمي أحلامهم من الضياع. مبادرتنا لم تولد من فراغ، بل من رحم الحاجة والمعاناة، وبجهود فريق متطوع لم يطلب الشفقة، وإنما يطلب شراكة حقيقية لاستعادة عقول أطفالنا ومستقبلهم."

تصميم وتطوير