1061 انتهاكًا في آب.. منظمة البيدر: التجمعات البدوية في الضفة تواجه ضغطا متصاعدا للتهجير والاستيطان

وطن للأنباء: قالت منظمة البيدر الحقوقية بأنها وثقت في الضفة الغربية تسجيل 1061 انتهاكا بحق التجمعات البدوية والقرى الفلسطينية خلال شهر آب 2026، في حصيلة تعكس تصاعد الضغوط المفروضة على هذه التجمعات، وتحول الانتهاكات اليومية إلى مسار متواصل يستهدف مقومات الحياة والاستقرار وسبل البقاء.
ويأتي التقرير الشهري في ظل واقع ميداني تتداخل فيه إجراءات سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع اعتداءات المستوطنين والأنشطة الاستيطانية، بما يفرض على سكان التجمعات البدوية والريفية ظروفا معيشية وأمنية شديدة القسوة، ويضع وجودهم في أراضيهم أمام ضغوط متزايدة.
ولا تقتصر هذه الانتهاكات على الاعتداءات المباشرة على السكان، بل تمتد إلى المساكن والممتلكات والأراضي وحرية الحركة ومصادر الرزق، في وقت تواجه فيه التجمعات البدوية والقروية أصلا قيودا مشددة على البناء والتوسع العمراني والوصول إلى الأراضي وممارسة الأنشطة الزراعية والرعوية.
222 حادثة إطلاق نار خلال شهر
ووثقت منظمة البيدر 222 حالة إطلاق نار في محافظات الضفة الغربية خلال شهر آب، بينها 198 حالة وقعت أثناء عمليات الاقتحام اليومية للقرى والبلدات والتجمعات السكانية، فيما سجلت 24 حالة إطلاق نار عند الحواجز العسكرية أو خلال عمليات التوقيف .
وتشير هذه الأرقام إلى أن إطلاق النار لا يظهر فقط باعتباره حدثا أمنيا منفردا، وإنما يأتي في سياق الاحتكاك المتكرر الذي تفرضه عمليات الاقتحام والحواجز العسكرية على السكان.
وبالنسبة للتجمعات البدوية، تكتسب هذه الممارسات بعدا إضافيا، نظرا لضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية فيها، وطبيعة انتشارها الجغرافي، الأمر الذي يجعل الإجراءات العسكرية والقيود المفروضة على الحركة أكثر تأثيرا على الحياة اليومية للسكان.
هدم المساكن والمنشآت والضغط على الحق في السكن
ووثق التقرير 59 عملية هدم لمنشآت سكنية خلال الشهر المنصرم، ويكتسب هدم المنشآت في التجمعات البدوية أهمية خاصة، لأن المسكن بالنسبة إلى هذه التجمعات لا يمثل مجرد مبنى، بل يشكل أحد العناصر الأساسية لاستمرار الأسرة في أرضها، وعندما يقترن الهدم بقيود على البناء وصعوبة الحصول على التراخيص، فإن النتيجة العملية تكون تقليص قدرة السكان على الحفاظ على وجودهم وتوفير مساكن لأسرهم وأبنائهم.
وبهذا المعنى، يرى المحامي حسن مليحات - المشرف العام البيدر الحقوقية أن هدم المنشآت يجب ألا يقرأ باعتباره إجراءا منفصلا، وإنما ضمن منظومة أوسع من القيود التي تؤثر على قدرة التجمعات البدوية على النمو الطبيعي والاستقرار.
استهداف مقومات الحياة لتدمير الممتلكات ومصادرتها
وكذلك وثقت المنظمة كذلك 120 حالة لتدمير الممتلكات، إضافة إلى 67 حالة مصادرة للممتلكات، وتكتسب هذه الانتهاكات خطورتها من طبيعة اقتصاد التجمعات البدوية، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الأرض والثروة الحيوانية والممتلكات المرتبطة بالزراعة والرعي والسكن، وبالتالي، فإن تدمير أو مصادرة الممتلكات لا يؤدي فقط إلى خسارة مادية مباشرة، وإنما يمكن أن يضرب مصادر الدخل ويزيد من هشاشة الأسر ويضعف قدرتها على الصمود.
وتكشف هذه المعطيات عن انتقال الضغط من استهداف الأفراد والمنشآت إلى استهداف البيئة المادية التي تسمح للسكان بمواصلة حياتهم في مناطقهم.
545 واقعة اعتداء للمستوطنين خلال آب
وثق تقرير البيدر تسجيل 545 اعتداء من قبل المستوطنين، وهو رقم يمثل أحد أبرز مكونات الانتهاكات التي رصدها التقرير،وشملت اعتداءات المستوطنين، بحسب طبيعة الوقائع التي ترصدها المنظمة، الاعتداء على السكان وممتلكاتهم ومواشيهم وأراضيهم، إضافة إلى عمليات التخريب والتهديد والمضايقة ومنع الوصول إلى الأراضي.
وتكمن خطورة هذا المسار في أن الاعتداءات المتكررة يمكن أن تنتج واقعا من انعدام الأمن اليومي، حتى في الحالات التي لا تنتهي بإصابات أو خسائر بشرية مباشرة، إن مجرد استمرار الاعتداءات والتهديدات قد يدفع السكان إلى تقليص حركتهم، والابتعاد عن أراضيهم ومراعيهم، أو التخلي تدريجيا عن أنماط الحياة التي اعتمدوا عليها لعقود، لهذا، فإن الاعتداءات لا تقاس فقط بعدد الضحايا المباشرين، وإنما أيضا بآثارها التراكمية على قدرة المجتمع البدوي على البقاء.
الأرض في قلب المعركة
ورصد التقرير 48 نشاطا استيطانيا خلال أغسطس، شملت إنشاء بؤر استيطانية، وتوسيع مستوطنات وبؤر قائمة، وشق طرق استيطانية، وطرح عطاءات للبناء، وتجريف الأراضي.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية استثنائية عند قراءتها بالتوازي مع هدم المنشآت ومصادرة الممتلكات واعتداءات المستوطنين. إذ أن النشاط الاستيطاني لا يتعلق فقط بإضافة مباني جديدة، بل بإعادة تشكيل المجال الجغرافي نفسه، فالطرق الاستيطانية، وتجريف الأراضي، وتوسيع المستوطنات والبؤر تؤدي إلى تقطيع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، وتقليص المساحات المتاحة للرعي والزراعة، وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأكد المحامي حسن مليحات على أن الضغط على التجمعات البدوية لا يجري عبر أداة واحدة، وإنما من خلال مجموعة من الإجراءات المتزامنة التي تضغط على السكان من جهات متعددة.
من الانتهاك المنفرد إلى نمط متكامل
وتكشف الأرقام عند وضعها في سياق واحد، عن نمط يتجاوز الحوادث الفردية، فقد وثق تقرير شهر آب 1061 انتهاكا كان من ضمنها؛
● 222 حالة إطلاق نار.
● 59 عملية هدم لمنشآت سكنية.
● 120 حالة تدمير للممتلكات.
● 67 حالة مصادرة ممتلكات.
● 545 اعتداء من المستوطنين.
● 48 نشاطا استيطانيا.
وعندما يتزامن الاعتداء على السكان مع مصادرة الممتلكات وتدميرها، وهدم المساكن، وتجريف الأراضي، وتوسيع النشاط الاستيطاني، فإن التأثير النهائي لا يقتصر على حادثة منفردة، وإنما يمس البيئة التي يحتاجها السكان للاستمرار في حياتهم.
البعد الاستيطاني.. تغيير الواقع قبل فرضه سياسيا
وحذر تقرير منظمة البيدر من أن الأنشطة الاستيطانية تأتي في صلب عملية الضغط على التجمعات البدوية، خصوصا مع استمرار شق الطرق وتوسيع المستوطنات والبؤر وطرح عطاءات البناء وتجريف الأراضي.
وتشير هذه الممارسات إلى أن الصراع لا يدور فقط حول السيطرة على مساحة محددة من الأرض، وإنما حول إعادة هندسة المجال الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، بحيث تصبح التجمعات البدوية الواقعة في المناطق المفتوحة أو القريبة من المستوطنات والطرق الاستيطانية أكثر عرضة للضغط، لأن وجودها يتقاطع بصورة مباشرة مع مشاريع التوسع والسيطرة على الأرض.
وأكد منظمة البيدر على أن استمرار هذه الانتهاكات يستدعي تحركا دوليا أكثر فاعلية لحماية التجمعات البدوية، وتدعو مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمنظمات الدولية والحقوقية ووسائل الإعلام إلى تحمل مسؤولياتها تجاه ما يجري.
وشددت المنظمة على أهمية توثيق الانتهاكات ونقلها إلى الرأي العام الدولي، وعدم التعامل مع الاعتداءات المتكررة باعتبارها حوادث منفصلة، معتبرة أن التراكم الزمني للانتهاكات يكشف عن تأثيرها على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والديموغرافي للتجمعات المستهدفة.
كما دعت وسائل الإعلام إلى تجاوز التغطية الخبرية العابرة والتركيز على البعد البنيوي لما يحدث، وربط عمليات الهدم والمصادرة والاعتداءات والأنشطة الاستيطانية بالتغيرات التي تطرأ على حياة السكان وعلى قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.
الخلاصة
لا تقدم حصيلة شهر آب 2026 مجرد قائمة بالانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون في التجمعات البدوية والقروية، بل تطرح سؤالا أكبر حول مستقبل هذه التجمعات في ظل استمرار الضغط المتعدد الأدوات، بحيث تشكل تلك الانتهاكات مؤشرات على بيئة تتزايد فيها الضغوط على السكان بصورة متزامنة.
والتحدي الأساسي لا يتمثل فقط في وقف انتهاك منفرد أو معالجة حادثة بعينها، وإنما في وقف المسار الذي يحول الحياة اليومية إلى سلسلة متواصلة من الخوف والخسارة وعدم الاستقرار.
وفي النهاية، فإن القضية التي تفرضها هذه الأرقام ليست فقط كم انتهاكا وقع خلال شهر آب؟ إنما ما الذي يحدث عندما تتحول الانتهاكات اليومية إلى واقع دائم، وعندما تصبح كلفة البقاء في الأرض أعلى من قدرة السكان على تحملها؟. وهنا تكمن أهمية التوثيق المستمر، والمساءلة الدولية، وحماية التجمعات البدوية، قبل أن تتحول الضغوط المتراكمة إلى واقع ديموغرافي جديد يصعب عكسه.



