موسم الزيتون.. حربٌ على الأرض والذاكرة والجذور

كتب إسماعيل جمعة الريماوي: ليس في فلسطين موسمٌ يشبه موسم الزيتون ، ففي كل خريف، تستيقظ ذاكرة الأرض، وتعود حكايات الآباء والأجداد مع أولى حبات الزيتون الناضجة ، لكن موسم هذا العام يأتي مثقلاً بالحزن والخوف والدم والمواجهة ؛ فالأشجار التي كانت تجمع العائلات حولها باتت شاهدةً على الحرب والاستيطان والحرمان، وأصبح الوصول إليها معركةً من أجل الرزق والكرامة والبقاء.
في فلسطين، ليست شجرة الزيتون مجرد محصول زراعي، بل ذاكرة وطنٍ متجذرة في الأرض، وشاهدٌ حي على تعاقب الأجيال، إنها إرث الآباء ووصية الأمهات، وعنوان الانتماء إلى أرضٍ يحاول الاحتلال تغيير ملامحها ومصادرة جغرافيتها، ولذلك، فإن الاعتداء على الزيتون لا يستهدف الشجرة وحدها، بل يصيب علاقة الإنسان بأرضه، ويهدد مصدر رزقه وحقه في البقاء.
كم من أبٍ اصطحب أبناءه إلى البستان، وعلّمهم كيف يقطفون الثمار برفق، ثم قال لهم: هذه أشجار جدكم، حافظوا عليها كما حافظ عليها آباؤكم، وكم من أمٍ أعدّت الطعام للقطّافين، وانتظرت عودة أبنائها لتجتمع العائلة حول محصول الموسم، في طقسٍ اجتماعي تختلط فيه مشقة العمل بفرحة اللقاء.
كانت أيام القطاف عيداً ريفياً تتعالى فيه الأغاني، وتلتقي فيه الأجيال، وتتحول العونة والعمل الجماعي إلى صورةٍ من صور التكافل الفلسطيني، أما اليوم، فقد غاب الفرح عن بساتين كثيرة، وحلّ الخوف مكان الأغاني، وأصبح المزارع يراقب أشجاره من خلف الحواجز، أو يخشى الاعتداء عليه إذا حاول الوصول إليها.
أيُّ قهرٍ أشدّ من أن ترى أشجارك مثقلةً بالثمار، ثم تُمنع من الوصول إليها؟
في الضفة الغربية، لا يواجه المزارع صعوبة القطاف وحدها، بل يصطدم بقيود الوصول والإغلاقات واعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني، وتُحرم عائلات من جني محصول انتظرته عاماً كاملاً، فيما تتساقط الثمار على الأرض، لا لأن أصحابها أهملوها، بل لأن الطريق إلى أراضيهم أصبح محفوفاً بالخطر.
وفي قطاع غزة، تتخذ المأساة وجهاً أكثر قسوة، فالحرب والتدمير والتجريف وشح المياه ألحقت أضراراً جسيمة بالأراضي الزراعية وأشجار الزيتون، وحوّلت بساتين كثيرة إلى مساحاتٍ من الركام والخراب، ولم تعد الخسارة مرتبطة بتراجع الإنتاج وحده، بل بفقدان مصدر رزقٍ وذاكرةٍ عائلية، وبحرمان المزارعين من أبسط حقوقهم: أن يزرعوا أرضهم ويجنوا ثمارها بأمان.
تخيّلوا فلاحاً يعود إلى أرضه بعد شهور من الحرب، يبحث بين الركام عن شجرةٍ رافقته منذ طفولته، ويمرر يده على جذعها كأنه يتحسس نبض إنسانٍ عزيز، قد لا يجد الثمار التي انتظرها، وربما لا يجد البستان الذي تركه، لكنه يفتش عن علامةٍ صغيرة تخبره أن الحياة لم تنتهِ، وأن الأرض لا تزال قادرةً على النهوض.
اما في جنوب لبنان، تتكرر الحكاية بوجوهٍ أخرى، فالحرب والاعتداءات ومخاطر الوصول تحرم مزارعين من قطاف مساحات واسعة من بساتينهم، وتضع عائلات أمام خسائر فادحة، أشجارٌ تنتظر أصحابها، وحقولٌ يهددها الخراب، وقلوبٌ معلقة بأمل العودة إلى أرضٍ لا تعوضها الأموال مهما بلغت.
وهكذا، تتشابه دموع المزارعين الفلسطينيين واللبنانيين؛ فكلاهما يخشى على رزقه وذكرياته، وكلاهما يعرف أن الشجرة التي تُحرق لا تستعيد عمرها في يوم، وأن البستان الذي ورثه عن أبيه ليس مجرد ملكية، بل جزءٌ من حكايته وهويته.
وتزداد المعاناة مع الجفاف وشح الأمطار وارتفاع تكاليف الزراعة ونقص المياه ، فالمزارع الذي يواجه مخاطر الحرب والاستيطان يجد نفسه أيضاً أمام تحديات المناخ والأعباء الاقتصادية، بينما تعتمد أسر ريفية كثيرة على موسم الزيتون لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ومع ذلك، لا يستسلم الفلاح ، يلتقط ما تبقى من الثمار، وينظف جذوع الأشجار، ويعتني بالأغصان التي نجت من النار والجفاف، إنه يعرف أن كل حبة يجمعها تحمل معنى يتجاوز قيمتها المادية، وأن كل شجرة يحافظ عليها تمثل تمسكاً بالحياة ورفضاً للاقتلاع.
لكن الصمود وحده لا يكفي، فالمزارعون يحتاجون إلى حمايةٍ فعلية، وضمان الوصول الآمن إلى أراضيهم، ومحاسبة المعتدين، وتعويض المتضررين، وتوفير الدعم الزراعي والمائي والاقتصادي، ولا يجوز أن يتحول الحديث عن صمود الفلاح إلى وسيلةٍ لتبرير تركه وحيداً في مواجهة الخطر والخسارة.
إن شجرة الزيتون لا تطلب المستحيل؛ كل ما تطلبه أن تُترك في أرضها، وأن يصل صاحبها إليها، وأن يقطف ثمارها بسلام.
يا زيتون فلسطين ولبنان، كم من عاصفةٍ مرّت فوق أغصانك، وكم من جرحٍ حملته جذوعك، وكم من موسمٍ غاب عنه أصحابه! ومع ذلك، لا تزال جذورك تذكّر العالم بأن الأرض ليست رقعةً تُنتزع بالقوة، وأن علاقة الإنسان بوطنه أعمق من الحواجز والأسلاك والنيران.
ستأتي مواسم أخرى، وربما تتأخر الثمار، لكن الحكاية لن تنتهي ما دام هناك فلاحٌ يؤمن بأن الأرض تستحق البقاء، فالأوطان لا تحفظها الشعارات وحدها، بل تحفظها الأيدي التي تزرع، والقلوب التي تصبر، والأجيال التي تتوارث حب الأرض.
فالمأساة ليست أن تتساقط حبات الزيتون على التراب، بل أن يُمنع صاحب الأرض من التقاطها، وليست الخسارة أن يحترق بستان، بل أن يُترك الإنسان وحيداً أمام النار.
سيبقى الزيتون ذاكرة الآباء، ووصية الأمهات، ورزق الفقراء، وعنوان الانتماء، وسيظل الفلاح متمسكاً بأرضه، لأن من يزرع الزيتون لا يزرع محصولاً لموسمٍ واحد، بل يزرع أملاً لوطنٍ يريد أن يبقى.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


