جوجو رابيت.. قبل أن تحتل الأرض تحتل الطفولة

كتبت تسنيم البطاينة: تم عرض الفيلم في عام 2019 من إخراج وايتيتي وكتابته وقد كان الفيلم مقتبس من الكاتبة.
رواية Caging Skies النيوزيلنديةالبلجيكية كريستين ليونيز لكن الرواية الأصلية أشد قتامة من الفيلم فأحداثها حول فتى يدعى يوهانس تتحول علاقته بالفتاة اليهودية المختبئة إلى هوس مرضي، بينما إختار وايتيتي أن يجعل للقصة طبقة من السخرية والحنان من دون أن يخون جوهرها المأساوي. وقد فاز بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو مقتبس وكان ضمن ست ترشيحات للأوسكار بينها أفضل فيلم محققا أكثر من تسعين مليون دولار بميزانية لم تتجاوز أربعة عشر مليونا.
كانت المعركة الحقيقية في فيلم جوجو رابيت ليست بين الحلفاء والمانيا النازية بل كانت في رأس طفل في العاشرة نرى رهان المخرج الجريء ان الكوميديا السوداء في الفيلم ليست تخفيفا لبشاعة النازية بل أحد الأسلحة لفضحها، فالفاشية لا تبدأ بالدم انما تتسلل الى براءة الأطفال لتعيد تشكيله.
في أحداث الفيلم يعيش جوجو في المانيا أواخر الحرب العالمية الثانية مع أمه روزي ، وكان من المفتونين بالعقيدة النازية لدرجة اتخاذه هتلر صديقا من خياله ويجعله مثله الأعلى ونراه في الفيلم شخصية مرحة والسبب ببساطة أنها من خيال طفل طيب القلب رغم تعصبه الظاهر ألا انه يعجز عن كسر عنق أرنب حين يطلب منه ذلك فتصبح كنية جوجو رابيت ملتصقة به، ثم يتغير كل شيئ حين يكتشف أن أمه تخبئ فتاة يهودية إسمها السا في غرفة اخته المتوفاة فيجد نفسه في صراع بين ما تربى على تصديقه وبين ما يميل عليه قلبه.
برأيي قوة الفيلم بانه لا يكتفي بسرد القصة بل يجسدها في كل أداة من أدواته وتبدأ المعركة من الموسيقى، في البداية يفتتح المخرج شريطة باغنية المانية على لقطات ارشيفية لجموع تحيي ومع تصاعد الاحداث تتغير الموسيقى من المرح الى الحزن تماما لينتهي الفيلم برقصة حرة في الشارع على أغنية ديفيد بوي.
أما من الناحية البصرية فيختار وايتيتي ألوانا زاهية في بداية الفيلم لتصنع العالم كما يراه الطفل مبهج بينما يختبئ تحته واقع الحرب القاسي،وحتى الكاميرا تبقى في معظم الفيلم عند إرتفاع نظر الطفل حتى في أشد لحظاته الحزينة لا نرى مصير الام مباشرة بل نرى الحذاء في مستوى عينه قرار اخراجي يجعلنا نعيش الصدمة من موضعه، وهنا تتجلى البنية الرمزية التي يقوم عليها الفيلم.
.jpg)
الأرنب الذي يعجز جوجو عن قتله ليس مجرد حيوان بل دال على فطرته البريئة التي رسمها الحزب ضعفا وهي في الحقيقة بذرة خلاصه ونقاءه
وربط الحذاء يتكرر بوصفه دالة: يبدأ رمزا لعجز الطفل واتكاله حين تربط له أمه حذاءه وينتهي حين يربط جوجو حذاء إلسا بيديه، معلنا بلوغه ونضجه الإنساني وتحمله المسؤولية.
المهيمنة في الفيلم على المستوى الموضوعي اثر البروباغندا السياسية وغسل الأدمغة ،الهيمنة الموضوعية في هذا الفيلم تتمثل من وعي الطفل جوجو وبراءة الطفولة في زمن الحرب وكيف يحاولون اللعب في عقول الصغار لتشويه فطرتهم المهيمنة على المستوى الشكل البصري اما لتجسيد وعي الطفل وظف المخرج هتلر ليس القائد التاريخي الحقيقي بل هو مهيمنة شكلية داخل عقل الطفل.
.jpg)
وعندما يركل صديقه الخيالي هتلر من النافذة هذا المشهد يحمل معنى التحرر الفكري والحرية .
وعلى مستوى الشخصيات يقدم وايتيتي بناء محكم فجوجو شخصية مستديرة نامية تنتقل من التعصب الاعمى الى النضح والتحرر الفكري عبر صراع داخلي بأن يبلّغ عن السا فيتسبب بإعدام أمه أو بان يصمت ويتعايش مع من علّموه أن يراها وحشا.
في المقابل الأم روزي شخصية ثابتة لا تتغير عن مبادئها الإنسانية الرافضة للنازية.

تسنيم هشام بطاينة: ناقدة سينمائية



