هاكابي في ترمسعيا... زيارة الثعلب في ثوب الحمل

07.09.2026 08:43 AM

كتب اسماعيل جمعه الريماوي:

في مشهد يحمل الكثير من المفارقات السياسية، وصل السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى ترمسعيا، القرية الفلسطينية الواقعة شمال رام الله، ليلتقي فلسطينيين أمريكيين ويتحدث عن عنف المستوطنين، بل ويصف المعتدين منهم بـ«الإرهابيين».

للوهلة الأولى، يبدو المشهد وكأنه تحول في الموقف الأمريكي: سفير واشنطن في إسرائيل يدخل قرية فلسطينية تعرضت لاعتداءات المستوطنين، يستمع إلى الضحايا، ويدين من يهاجمهم. لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما نتذكر من هو هاكابي.

فهاكابي ليس دبلوماسيًا أمريكيًا محايدًا جاء فجأة لاكتشاف مأساة الضفة الغربية، إنه إنجيلي معروف بمواقفه شديدة الانحياز لإسرائيل، وبموقفه المؤيد للمستوطنات الإسرائيلية، بل إنه يستخدم تسمية «يهودا والسامرة» بدلاً من الضفة الغربية في الكثير من أحاديث، كما سبق أن زار مستوطنة شيلو، القريبة من ترمسعيا، مرتين منذ توليه منصبه.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: هاكابي الذي يقف سياسيًا وفكريًا في الجانب الأكثر دعمًا لإسرائيل، يقف اليوم في ترمسعيا ليدين المستوطنين، قد يتسال البعض هل تغير الرجل؟ أم أن السياسة هي التي ارتدت ثوبًا جديدًا؟

ترمسعيا ليست قرية فلسطينية عادية بالنسبة لواشنطن، فهي قرية فلسطينية تقع شمال رام الله، ويشكل الفلسطينيون الأمريكيون غالبية كبيرة من سكانها، إذ يحمل نحو 80% منهم الجنسية الأمريكية، بحسب تصريحات رئيس بلديتها، هؤلاء ليسوا مجرد فلسطينيين يعيشون تحت الاحتلال؛ إنهم مواطنون أمريكيون يعيشون على أرض فلسطينية ويتعرضون لاعتداءات من مستوطنين إسرائيليين.

وهنا تحديدًا تصبح زيارة هاكابي أكثر حساسية، فالولايات المتحدة تستطيع أن تتجاهل أو أن تتعامل ببرود، مع انتهاكات تطال الفلسطينيين باعتبارها قضية «بعيدة» أو «معقدة» سياسيًا، لكن عندما يصبح الضحية مواطنًا أمريكيًا، فإن القضية تنتقل إلى مساحة أخرى.

إنها لم تعد فقط قضية حقوق فلسطينيين تحت الاحتلال، بل قضية مواطنين أمريكيين يُعتدى عليهم، وتُحرق ممتلكاتهم، وتُهدد حياتهم، بينما تبدو الحماية الإسرائيلية عاجزة أو غير راغبة في وضع حد حقيقي لهذه الاعتداءات.

ومع ذلك، فإن هاكابي نفسه حاول وضع حدود واضحة لإدانته، فهو وصف منفذي الاعتداءات بأنهم مجموعة صغيرة من المستوطنين، وقال إنهم لا يمثلون سوى أقلية من مجتمع المستوطنين، بينما يرى فلسطينيون في ترمسعيا أن المشكلة أوسع بكثير من «حفنة» من المتطرفين.

وهنا تكمن المشكلة، حين تتحول ظاهرة عنف ممنهج إلى مشكلة «حفنة من المشاغبين»، يصبح المطلوب حماية صورة إسرائيل أكثر من حماية الفلسطينيين.

فالمستوطن الذي يحرق منزلًا أو يعتدي على فلسطيني ليس المشكلة الوحيدة؛ السؤال الأهم هو: من يحميه؟ ومن يحاسبه؟ ولماذا يبقى الإفلات من العقاب هو القاعدة في كثير من هذه الاعتداءات؟

والسؤال الأكبر: ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل؟

يقول هاكابي إن السفارة الأمريكية لا تملك سلطة تنفيذية داخل إسرائيل أو الضفة الغربية، وإنها تستطيع الضغط وإثارة القضية فقط، لكن فلسطينيين أمريكيين في ترمسعيا يرون أن واشنطن تملك أدوات ضغط أكبر بكثير من مجرد إصدار التصريحات.

وهنا نصل إلى البعد السياسي للزيارة، فالانتخابات النصفية الأمريكية تقترب، والمجتمع الأمريكي الفلسطيني والعربي لم يعد هامشًا سياسيًا يمكن تجاهله، كما أن الناخبين الأمريكيين من أصول فلسطينية وعربيه وإسلامية باتوا أكثر حضورًا في عدد من الولايات والدوائر الانتخابية.

لذلك، فإن ظهور سفير إدارة ترامب في قرية فلسطينية يقطنها آلاف الفلسطينيين الأمريكيين، والاستماع إلى ضحايا يحملون الجنسية الأمريكية، وإدانة المستوطنين أمامهم، يمكن قراءته أيضًا في سياق محاولة إدارة واشنطن التعامل مع صورة متزايدة التعقيد للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.

فواشنطن تريد أن تقول شيئًا للفلسطينيين الأمريكيين: «نحن نسمعكم». وفي الوقت نفسه، لا تريد أن تقول لإسرائيل: «نحن نتخلى عنكم».

وهكذا يقف هاكابي بين صورتين متناقضتين: صورة السفير الأمريكي الأكثر قربًا من اليمين الإسرائيلي، وصورة المسؤول الأمريكي الذي يضطر إلى مخاطبة فلسطينيين أمريكيين غاضبين من سياسة بلاده تجاه إسرائيل.

إنه مشهد يمكن اختصاره في عبارة واحدة: الثعلب في ثوب الحمل.

لكن المشكلة ليست في أن يدين هاكابي المستوطنين؛ بل في أن تتحول الإدانة إلى غطاء سياسي لا يتبعها ضغط حقيقي ومحاسبة حقيقية.

فإذا كانت واشنطن تعتبر المستوطنين المعتدين «إرهابيين»، فالسؤال البسيط هو: ماذا بعد الإدانة؟ هل ستضغط على الحكومة الإسرائيلية لاعتقالهم ومحاكمتهم؟ هل ستستخدم نفوذها لحماية المواطنين الأمريكيين في الضفة؟ هل ستفرض عقوبات فعلية على من يعتدي عليهم؟ أم ستبقى الإدانة مجرد صورة أمام الكاميرات، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه؟

ترمسعيا اليوم تختبر صدقية الموقف الأمريكي، فالقرية التي ترفع أعلام الولايات المتحدة فوق بيوت فلسطينية، والتي يحمل معظم سكانها الجنسية الأمريكية، تضع واشنطن أمام مرآة محرجة: كيف يمكن لأمريكا أن تدافع عن حقوق مواطنيها في العالم، ثم تعجز عن حمايتهم عندما يكون المعتدي مستوطنًا إسرائيليًا؟

لهذا فإن زيارة هاكابي ليست مجرد زيارة دبلوماسية، بل صورة تختصر تناقض السياسة الأمريكية في فلسطين: سفير إنجيلي صهيوني شديد الدعم لإسرائيل يقف في قرية فلسطينية ليدين المستوطنين؛ إدارة أمريكية تدعم إسرائيل سياسيًا، لكنها مضطرة إلى مخاطبة ضحايا يحملون الجنسية الأمريكية؛ وانتخابات نصفية تقترب، فيما تتزايد كلفة الانحياز المطلق لإسرائيل داخل السياسة الأمريكية.

وفي النهاية، لن تُقاس زيارة هاكابي بعدد الكلمات التي قالها أمام أهالي ترمسعيا، وإنما بما إذا كانت تلك الكلمات ستتحول إلى ضغط أمريكي حقيقي يحمي الفلسطينيين الأمريكيين ويحاسب المعتدين.

أما إذا انتهت الزيارة بانتهاء الكاميرات، وبقي المستوطنون في الأرض، وبقي الفلسطينيون تحت الخوف، فستبقى الصورة كما هي:

ثعلبًا في ثوب الحمل... جاء ليدين الذئب، لكنه لم يغيّر شيئًا في الغابة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير