عبير...الإبرةُ التي تُخيطُ ملامحَ الوطنْ

04.06.2025 06:53 PM

كتبت ملاك خالد بدير:  في بيتٍ دافئ بمدينة بيت لحم، حيث تمتزج أصوات ضحكات الأطفال برائحة القهوة الصباحية، تجلس عبير عيسى برجيه، تمسك إبرتها برقة وخبرة، تُمرر الخيط بخفة الأم التي اعتادت أن توازن بين طفولة لا تهدأ وحلمٍ لا يلين.

عبير، فلسطينية من بلدة سعير في قضاء الخليل، ولدت عام 1991، تعيش اليوم في بيت لحم مع زوجها وأطفالها الخمسة، كان آخرهم زهرتها الصغيرة التي أنجبتها قبل أربعة أشهر فقط. وسط زخم الحياة وتحديات الأمومة، وجدت عبير متنفسها في خيط وإبرة، لتروي قصة أصالة وتراث عبر كل غرزة.
منذ طفولتها، كان في ذهن عبير إيمان راسخ بأن الإنسان لا يجب أن يكون عابراً في الحياة، بل عليه أن يترك أثراً يخصه وحده. فأنهت دراستها الثانوية عام 2009، وحصلت على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة الخليل عام 2015. عملت معلمة للغة العربية لسنوات، لكن صوت خيوط الإبرة كان يدعوها بقوة، وكأنه الحلم الكامن الذي ينتظر أن يولد.

في عام 2017، وبين أعباء الأمومة من رضاعة ورعاية، وبين ليالي السهر وأحلام الصباح، انطلق مشروع "دار عبير للتراث"،  لم يكن المشروع مجرد متجر للمطرزات الفلسطينية، بل أصبح مساحة دافئة تجمع نساءً مبدعات يتقن الخيط والإبرة، ويحمل كل منهن قصة تُنسج بحب وإصرار، ليجسد بصمة عبير الفريدة التي تعكس هدوءها وقوة إرادتها.

اختارت عبير تسمية مشروعها "دار عبير" لتكون رمزاً لبيتها الذي احتضنها منذ الصغر، حيث كانت جدتها ووالدتها تُعلّمانِها فنون التطريز وأسرار الخيط والإبرة. منذ أن كانت في الثالثة عشرة من عمرها، بدأت عبير رحلتها مع التطريز، مستمدة شغفها من إرثٍ عائلي عميق، جمع بين الأصالة والحرفة التي توارثتها الأجيال. هذا البيت الذي شهد أولى غرزة في مشوارها، أصبح مصدر إلهامها ودافعها للاستمرار رغم التحديات، لتتحول "دار عبير" إلى مساحة تجمع بين التراث الفلسطيني وروح المرأة التي تصنع المستقبل.

في "دار عبير"، كل قطعة تحمل قصة، وكل غرزة تحكي وجعاً فلسطينياً قديماً أو أملاً جديداً يخرج من بين أنقاض الواقع. فالتطريز ليس مجرد حرفة، بل هو سردٌ حيّ لهوية لا تنكسر رغم كل الصعوبات. ولعبير كانت هذه المهمة صعبة، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية لا ترحم، ولكنها لم تفقد الأمل يوماً. تردد دائما تلك الكلمات التي كانت تنير دربها:

"لربما طلبت من الله قطرة، فأعد لك محيطاً... ولربما طلبت زهرة، فأعد لك حدائق."
حرصت عبير على استخدام خامات فلسطينية محلية الصنع، من مصانع يدويّة، لتكون كل قطعة امتداداً لهوية فلسطينية أصيلة. هذا الاختيار لم يكن عشوائياً، بل كان موقفاً ورسالة واضحة بأن التراث الفلسطيني حيّ وقادر على الصمود والابتكار في آنٍ واحد.

ومع كل غرزة تخيطها، كانت عبير تخيط معها كرامة نساء فلسطين، وتمكينهن من الاعتماد على النفس وسط واقع مليء بالتحديات. المشروع ليس فقط عملاً، بل شكل من أشكال المقاومة السلمية، التي تحافظ على التراث، وتُعطي المرأة الفلسطينية صوتاً جديداً في سوق العمل.

رغم الأدوار المتعددة التي تفرضها عليها الحياة كأم وزوجة ومربية، لم تتوقف عبير عن متابعة حلمها بشغف لا يلين. مشروعها الذي بدأ بخطىً صغيرة في بيت لحم، تجاوز حدود المدينة، ووصل إلى العالمية، حيث أصبحت تصاميمها الفلسطينية رمزاً حياً لتراث أصيل ينبض بالحياة والإبداع. بالنسبة لعبير، التراث الفلسطيني ليس مجرد قطع محفوظة في صناديق أو معلقات على الجدران، بل هو قصة تُنسج بخيوط الأمل والصبر، تُرتدى بفخرٍ لتعكس هُوية المرأة الفلسطينية وقوتها وصمودها، وتعيش في تفاصيل الحياة اليومية، حاملةً معها عَبق التاريخ وأحلام المستقبل.

"دار عبير للتراث" أكثر من مجرد مشروع، هو نبض حياة عبير وكل امرأة فلسطينية تحمل بين أناملها قصة الصمود والتحدي. هو رسالة تراث تُحاك بإرادة وعزيمة، تحافظ على روح الوطن وتُخلّدها في كل غرزة وكل تصميم، لتظل حية في ذاكرة الأجيال القادمة.

تصميم وتطوير