خسائر غير مرئية لكورونا في فلسطين
المايسترو يعقوب الأطرش: "لم أقف مكتوف الأيدي أمام كورونا "

كتبت الإعلامية ميساء الشامي : في الوقت الذي عانى فيه القطاع السياحي والثقافي في فلسطين من عجز على مواجهة العقبات التي تسببت بها جائحة كورونا، تراكمت الخسائر المادية على مستوى الأفراد والمؤسسات بسبب تعطل المهرجانات وإغلاق المسارح وحظر التجمعات على مدار أشهرٍ طويلة، ما أدى إلى توقف دخل الأفراد العاملين في هذا القطاع دون وجود أية تعويضات.
هذا الواقع المقلق دفع المايسترو يعقوب الاطرش ابن مدينة بيت ساحور للتفكير من جديد في مساره المهني، حيث اعتاد الجمهور الفلسطيني والعربي على رؤيته قائداً لفرقة اوتار الموسيقية على كبرى المسارح لإحياء المهرجانات الدولية مثل مهرجان قرطاج ومهرجان جرش، ليالي موازين واحتفالات دار الأوبرا وغيرها الكثير، برفقة نجوم فلسطينيين وعرب جاب معهم العالم في سلسلة من العروض التي بدأت في عام 2008 وتوقفت في سنة 2020 مع اجتياح فيروس كورونا للكوكب.
تَوَقُف المهرجانات الغنائية لأشهرٍ طويلة شكل منعطفاً هاماً في حياة المؤلف والموزع الموسيقي يعقوب الأطرش، ليتحول إلى منتج فني يبحث عن آفاق جديدة يعمل من خلالها على توفير مصدر دخلٍ جديدٍ له ولعائلته، من خلال الاستديو الذي قام بتأسيسه في عام 2007 وجهّزهه بأفضل المعدات القادرة على الإنتاج الاحترافي في مجال الغناء والتسجيلات الصوتية وتأليف الموسيقى التصويرية، ليصبح هذه المرة حاضنة للمواهب الشابة ونافذتهم للتواصل مع العالم الخارجي من خلال إنتاج الأغاني الخاصة وال covers ومشاركتها من خلال قناة ستوديو أوتار عبر موقع YouTube ومنصات التواصل الاجتماعي.
.jpg)
كانت البداية مع عام 2021 أي بعد مرور سنة على جائحة كورونا، حيث أطلق المايسترو مشروع "أصواتنا بأغانيكم" الذي احتضن مجموعة من المواهب الشابة، تنوعت مواهبهم ما بين الغناء والعزف، أنتج لهم المايسترو سلسلة من الفيديوهات العربية والغربية على هيئة أغاني cover قام بتوزيعها موسيقياً من جديد، وخاض الأطرش تجربته الأولى في الإنتاج الفني متمثلة في إشرافه على العملية الإنتاجية من الألف إلى الياء تبدأ في اختيار الصوت إلى التوزيع والتسجيل والتصوير على هيئة فيديو كليب احترافي، الذي لم يسبق له أن خاضها طيلة سنوات عمله في المجال الموسيقي، ولكنه استطاع خلال فترة قصيرة من إنتاج 20 عمل متنوع ما بين الغناء والعزف بأنماط مختلفة، تفاجئ بها الجمهور الذي اعتاد على المايسترو بصفته الملحن والمؤلف الموسيقي، يجده الآن منتج فني يقف خلف الكاميرات ويقوم بالإشراف على إنتاج هذه الفيديوهات.
كما يضاف إلى إنجازات المشروع أنه ساهم في إبراز مواهب شابة بطريقة احترافية جديدة كلياً، منحهم فرصة الظهور في فيديو كليب عالي الجودة من حيث الصوت والصورة على اختلاف المواد التي كانوا يشاركونها عبر صفحاتهم الشخصية من الحفلات التي كانوا يشاركون بها مثل النجم الصاعد طارق كيوف، والعازفة كارول إبراهيم، والفنان الشاب إبراهيم عاشور، والفنان أحمد شرباتي الذي لم يسبق له أن ظهر في فيديو كليب كما هو الحال مع الشابة لارا ابنة مدينة جنين التي لم يكن أحد يعلّم بموهبتها قبل أن يقوم الأطرش في اكتشافها.
تفاعل النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع هذه الانتاجات، وكتابة وسائل الإعلام الفلسطينية عنها، جعل المشروع يكسب ثقة شعبية أكثر ليحصد آلاف المتابعات من خلال القناة الرسمية لاستديو اوتار على YouTube، ما شكّل حافزاً لدى المايسترو في الاستمرار بالإنتاج رغم عدم وجود أي جهة ممولة للمشروع، إلا أنه استطاع أن يطلق برنامج "ليالي أوتار" مستثمراً بموارده الذاتية من استديو احترافي ومعدات عالية الجودة وخبرته الموسيقية، طوّعها في إنتاج سلسلة من الحلقات المباشرة بشراكة إعلامية مع عدد من وسائل الإعلام المحلية باستخدام تقنية البث المباشر لموقع facebook وتلفزيون حضارة عبر شبكة الانترنت، استضاف فيها نخبة من النجوم الفلسطينيين برفقة فرقة أوتار الموسيقية، من النجم يعقوب شاهين والفنانة ليان بزلميط والفنان إبراهيم عاشور والفنان طارق كيوف والفنان أحمد شرباتي ونجم الراب الفلسطيني تامر نفار.
منحت هذه السهرات فرصة تفاعلية لنجوم فلسطينيين غابوا عن المسارح بسبب جائحة كورونا، ولكن مرة آخرى لم يكن الاستسلام من طبع المؤمنين بأنفسهم، فكانت منصات التواصل الاجتماعي هي المسرح الافتراضي الذي اعتلاه النجوم والموسيقيين معبرين عن اشتياقهم لتأدية الفن الذين اعتادوا على تقديمه للجمهور رغم كل العقبات والعراقيل.
إن تجربة المايسترو يعقوب الأطرش الذي صنّع باباً جديداً لنفسه بتحوّله إلى منتج موسيقي، واكب التطورات في صناعة الموسيقى وتوجه لمنصات التفاعل الرقمية واتجه للفئة الشابة متلمساً ذوقهم في الاستماع لأغاني معاصرة محافظاً على جودة الفن الذي يقدمه، تدق في أذهاننا أجراس اليقظة، وتدعونا للتأمل من جديد أمام كل عقبة نواجهها قد تسبب لنا الاحباط والاستسلام، وتدفعنا إلى التفكير في طبيعة المهن التي نعمل بها اليوم، وما هو مصيرنا إذا تعطل مصدر رزقنا لأي سبب كان، هل نستطيع التفكير بإعادة بناء أنفسنا من جديد والاستفادة من المعرفة المتاحة عبر شبكة الانترنت لنتعلم من تلقاء أنفسنا مهارات جديدة نحتاجها لمواكبة الزمن الرقمي الذي نعيشه، أم سنقف مكتوفي الأيدي وننتظر المعونات من الأخرين.
###
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



