عنواني 36 شارع عباس حيفا

23.05.2020 12:09 AM

كتبت: سلوى جراح*

دعيت قبل عامين من قبل وزارة الثقافة الفلسطينية لحضور أيام معرض الكتاب في رام الله.  أسعدني أن أكون في معرض كتاب في فلسطين كان يضم في وقتها ثلاثاً من رواياتي أبواب ضيقة، صورة في ماء ساكن، وصخور الشاطئ في طبعة ثانية، في جناح المؤسسة العربية للدراسات والنشر التي صدرت عنها خمس من رواياتي الست.  كان من ضمن منهاج المعرض أن أشارك في ندوة عن الغربة والاغتراب، في إحدى قاعات المعرض تحمل اسم الشاعر الفلسطيني توفيق زياد.  وقفت أتحدث مع الحضور الذين جاء بعضهم من حيفا وعكا لحضور الندوة، وأوقع لهم ما اقتنوا من رواياتي.  تقدمت مني فتاة شابة جميلة ببشرة بيضاء صافية وشعر ينساب حول وجهها البشوش في تعرجات منتظمة وقالت لي ضاحكة: "أنا التي أعيش في بيت فؤاد أبو غيدة في حيفا".  فؤاد أبو غيدة فلسطيني يعيش في لندن كان من نجوم النادي الأهلي في مصر في الستينيات وصديق عزيز.  تأملتها لحظة.  هذه الفتاة تعيش في البيت الذي تركته أسرة فؤاد في حيفا ويحكي لنا عنه الحكايات.  قلت باسمة: "يعني أنت من العائلة اليهودية التي سكنت بيت فؤاد؟"  تلبد وجهها الجميل وهمهمت: "أنا نضال رافع فلسطينية من حيفا أعيش أنا وأسرتي في بيت فؤاد أبو غيدة الذي اشتراه أبي من الأسرة اليهودية التي سكنته بعد النكبة لكن أمي مازالت تقول إن هذا البيت ليس لنا بل لأسرة أبو غيدة."  كان في عينيها غضب وحزن.  حاولت أن أشرح لها أن غربتي الطويلة عن فلسطين وأهلها جعلتني أظن أن كل من يعيش اليوم في منزل كانت تسكنه إسرة فلسطينية هو من غير الفلسطينيين.  لم يرضها شرحي واعتذاري ونشرت مقالاً وصفت فيه بالقسوة والجهل "هذه العجوز التي تقارب السبعين من عمرها التي التقتها في معرض الكتاب". 

بعد عودتي إلى لندن كتبت لها أشرح أسبابي وأعذاري وأقول إن جهلي بمن تكون هو المعنى الحقيقي للشتات الفلسطيني لكنها لم تقتنع تماماً.  بعد عام عدت لرام الله وأقمت أمسية في مركز خليل السكاكيني بمناسبة صدور الطبعة الثانية من روايتي أرق على أرق.  وجاءت نضال تلتقيني وترحب بي وفرحت حين قلت لها إني سآتي إلى حيفا وأزور عكا والناصرة، الجليل الفلسطيني موطن الآباء والأجداد.  في حيفا حضرت مع والدها المحامي علي رافع ووالدتها الأمسية التي أقيمت لي ودعتني لزيارتها في بيتها في شارع عباس البيت الذي بناه والد فؤاد أبو غيدة قبل النكبة، ويحمل عنوان 36 شارع عباس.  شربت القهوة وسلمت على والديها وأكلت حلوى والدتها التي راحت تحكي قصة هذا البيت الذي تركه أهله عام ثمانية وأربعين.  قفلوا بابه وأخذوا مفاتيحهم على أمل أن يعودوا بعد أسبوعين لكنهم لم يعودوا، لم يسمح لهم بالعودة، وجاءت أسر يهودية سكنت مكانهم نامت في أسرتهم وتغطت بلحفهم وغسلت وجوهها بصابونهم وأكلت كل ما وجدته من "خزين الدار"، طحين وسكر وشاي وقهوة وعدس وحمص وفول.  ثم تحول البيت الكبير إلى شقق صغيرة.  بعد سنين، قررت الأسر اليهودية مغادرة العمارة وبيع ما استملكت من أموال الغائبين، واشترى فلسطينيون الشقق في الشارع الذي صار سكانه فلسطينيين.  كان نصيب والد نضال، علي رافع، الشقة الصغيرة في الدور الثاني، جزء من المكان الرحب الذي كانت تسكنه عائلة أبي غيده.  نضال الصحفية والناشطة السياسية كانت تحلم لسنين أن تحكي حكاية هذا البيت وكرست جهدها وجل وقتها لتحقيق ذلك. 

كانت البداية عملاً مسرحياً من شخصية واحدة قدمته رائده طه الممثلة المسرحية الفلسطينية المعروفة في عمان ومدن الضفة وحيفا ولاقى النجاح والترحيب.  لكن أحلام نضال رافع كانت أبعد من ذلك كانت تريد أن تسجل الحكاية عبر الكاميرا في فيلم وثائقي يشارك فيه الجيل الثاني والثالث من أبناء أسرة أبو غيدة.  عملت لشهور وانتقلت مع الكاميرا بين حيفا ولندن وواشنطن وقطر.  سجلت حوارات ولقاءات واستعانت بما في أرشيف الأسرة من توثيق لزيارة فؤاد أبو غيده لبيت الأسرة في حيفا عام ألفين وعشرة وزيارة إبنة شقيقه دينا مع أسرتها إلى بيت الأسرة الذي توارثت عنه الحكايا.  انتقلت بالكاميرا بين تفاصيل البيت وحديث والدتها وأسرتها عنه وبين بيوت فلسطينية في القدس الغربية لم يعد أصحابها وبناتها سوى الماضي البعيد بعد أن أصبحت ملكاً لأناس جاؤا واستملكوا أموال غائبين.  تركت الكاميرا تدور بين تفاصيل البيت في ستة وثلاثين شارع عباس وجمال الطبيعة في حيفا من الهدار العالي إلى البحر الذي يقبل شطآنها مع كل موجة ونسمة.  تركت أبطال الحكاية يرون عن حياتهم في الغربة والشتات وعن حنينهم الذي لا ينتهي لفلسطين وأرضها وأهلها.  حملت بعضاً من رمال وأصداف شاطئ حيفا إلى من لم يسمح لهم بدخول حيفا من عائلة أبي غيده.  حكت عن غربة الفلسطيني وحنينه الذي لا ينتهي لأرضه في فيلم وثائقي متقن الصنع قادر على رواية الحكاية بكل تفاصيلها، وأنهته بمكالمة تجريها دينا إبنة شقيق فؤاد أبو غيدة لسيدة تمتلك شقة في بناية ستة وثلاثين شارع عباس تعرض عليها فيها أن تبيعها شقتها وتظل تعيش فيها لأن دينا تريد أن يكون لها عودة إلى البيت الذي بناه أبوها وعمها. 

الوثائقي عرض مؤخراً على وثائقيات قناة الجزيرة يمتلك كل مقومات الوثائقي الجيد في تصويره وإخراجه ومونتاجه وقدرته على توثيق فكرة أن الفلسطيني مهما طال به العيش في الشتات يظل مرتبطاً بالأرض التي هجر منها يحلم بالعودة لها وامتلاك بقعة صغيرة من أرضها ليقول بفرحة حقيقية عنواني هو 36 شارع عباس.

 

* روائية فلسطينية تقيم في لندن

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير