بيت عزاء للراحل نصر أبو جيش في رام الله
من الضفة إلى غزة ولبنان.. حضورٌ وطني يختصر مكانة الراحل نصر أبو جيش
رام الله - وطن للأنباء
في مشهدٍ جسّد حجم الوفاء والتقدير، فتحت عائلة القيادي في حزب الشعب الفلسطيني، الراحل نصر خليل أبو جيش"أبو يسار"، بيت العزاء في مدينة رام الله، حيث توافدت شخصيات وطنية وسياسية ورسمية لتقديم واجب العزاء، يتقدمهم رئيس الوزراء محمد مصطفى، إلى جانب ممثلين عن الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والأوساط الأكاديمية، في وداع أحد أبرز رموز الحركة الوطنية الفلسطينية.
وامتد صدى الرحيل إلى خارج حدود الضفة الغربية، إذ أُقيمت بيوت عزاء في قطاع غزة ولبنان، في مشهد عكس المكانة التي حظي بها الراحل بين أبناء شعبه في مختلف أماكن وجودهم، بعد مسيرة نضالية امتدت لعقود، حمل خلالها هموم الفلسطينيين، ودافع عن حقوقهم، وجعل من الوحدة الوطنية عنوانًا ثابتًا في عمله السياسي.
وقال شقيقه، الدكتور نصري أبو جيش لوطن للأنباء، إن الراحل كان شخصية وطنية استثنائية كرّست حياتها للنضال منذ سنواتها الأولى، وظلت تؤمن بأن وحدة الشعب الفلسطيني هي الطريق الوحيد لمواجهة الاحتلال. وأضاف أن إقامة بيت عزاء في رام الله جاءت بسبب صعوبة وصول المعزين إلى بلدته بيت دجن نتيجة الحواجز العسكرية، في صورة تعكس ما تعانيه القرى الشرقية بمحافظة نابلس من حصار واعتداءات استيطانية متواصلة. وأكد أن الراحل كان في طليعة المدافعين عن الأرض، وواجه المستوطنين وقوات الاحتلال منذ بدايات المشروع الاستيطاني في المنطقة.
من جانبه، أكد ابن عم الراحل والمدير العام للإغاثة الزراعية منجد أبو جيش لشبكة وطن ، أن نصر أبو جيش ترك إرثاً وطنياً وسياسياً كبيراً، بعدما شغل رئاسة المجلس القروي في بيت دجن لنحو ثلاثة عقود، وأسهم في تطوير البلدة، كما لعب دوراً محورياً في لجنة تنسيق الفصائل بمحافظة نابلس، وحظي بإجماع وطني بين مختلف القوى الفلسطينية. وأضاف أن الراحل كان عضواً في اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني، وعضواً في المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني، وشارك في وفود الحوار الوطني، مؤكداً أن رحيله ترك فراغاً كبيراً في الحزب والحركة الوطنية الفلسطينية.
أما نجله، يسار أبو جيش، فقال لوطن للأنباء إن والده لم يكن مجرد أب، بل كان الصديق والسند الأول للعائلة، حاضراً في كل تفاصيل حياتهم، مضيفاً أن فقدانه يمثل خسارة كبيرة للأسرة كما هو خسارة للوطن. ووجّه الشكر لكل من شارك في تشييعه وقدم واجب العزاء في بيت دجن ورام الله، ولأبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ولبنان الذين أقاموا بيوت عزاء وفاءً لمسيرته.
بدوره، أوضح القيادي في حزب الشعب الفلسطيني عاصم أبو حنيش لوطن للأنباء أن الآلاف شاركوا في بيوت العزاء التي أُقيمت للراحل في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، في تعبير واضح عن حجم المحبة والاحترام اللذين حظي بهما. وأضاف أن رفاقه في لبنان أطلقوا اسم "مقر الشهيد نصر أبو جيش" على مقر الحزب في مدينة صيدا، تخليداً لمسيرته النضالية.
ومن قرية بيت دجن، شرق نابلس، بدأت رحلة أبو جيش، المولود في السادس والعشرين من تموز عام 1969. انخرط في صفوف حزب الشيوعي الفلسطيني الشعب لاخقا)عام 1986، متأثراً بوالده، أحد كوادر الحزب الشيوعي الفلسطيني (الشعب لاحقاً)، وتعرض للاعتقال عدة مرات خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وتدرج في المواقع التنظيمية حتى أصبح عضواً في اللجنة المركزية ، وظل حاضراً في مختلف القضايا الوطنية والاجتماعية، جامعاً بين العمل السياسي والنقابي والدفاع عن حقوق العمال.
وأكد رئيس الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين، أمين شومان، أن الراحل كرّس حياته للدفاع عن فلسطين وكرامتها، ولم يتغيب عن أي فعالية وطنية أو نشاط للمقاومة الشعبية، مشيراً إلى أنه شغل منصب منسق القوى الوطنية والإسلامية في محافظة نابلس، وسيبقى أحد أبرز الرموز الوطنية التي أسهمت في تعزيز العمل الوطني الفلسطيني.
من جهته، قال صديق الراحل أمجد المصري إن نصر أبو جيش عُرف بوفائه لوطنه وأصدقائه، وبشجاعته ومبادرته الدائمة لمساندة الفقراء والفئات المهمشة، مؤكداً أن هذه القيم لم تكن شعارات، بل سلوكاً يومياً جسّده في علاقاته مع الناس ورفاقه، وهو ما أكسبه احترام ومحبة كل من عرفه.
وأضاف عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني، سهيل السلمان لوطن للأنباء، أن رحيل أبو جيش يمثل خسارة كبيرة للحزب وللحركة الوطنية الفلسطينية، لأنه كان نموذجًا للوحدة الوطنية، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وظل طوال سنوات عمله منسقاً للقوى الوطنية في محافظة نابلس، كما كان من أبرز وجوه المقاومة الشعبية، وترك بصمة واضحة في مختلف ميادين النضال.
أما عضو مجلس إدارة الإغاثة الزراعية، سميح محسن، فقال إن معرفته بالراحل امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، وكان خلالها مثالاً للمناضل الوطني المخلص، مشيراً إلى أن الحشود الكبيرة التي شاركت في جنازته وبيوت العزاء جسدت المكانة التي احتلها في قلوب أبناء شعبه، وأن هذا الالتفاف الشعبي يمثل أعظم إرث يتركه الإنسان بعد رحيله.
ويجمع رفاق درب نصر أبو جيش وأصدقاؤه على أن إرثه تجاوز المناصب التي تقلدها، ليتجسد في حضوره الإنساني، وقربه من الناس، وإيمانه العميق بالوحدة الوطنية، ودفاعه المستمر عن الأرض والحقوق. وبين كلمات الوداع في بيت العزاء، بقيت سيرته حاضرة بوصفها سيرة مناضلٍ كرّس حياته لفلسطين، فيما تحولت مراسم العزاء إلى محطة وطنية لاستذكار مسيرته والتأكيد على أن إرثه السياسي والإنساني سيبقى حاضرًا في ذاكرة الفلسطينيين




