الاعتقال الإداري إجراء قمعي استعماري.. تكثّف ضد الأطفال والنساء بعد 7 أكتوبر
أوامر الاعتقال الإداري تجاوزت 10 آلاف أمر في غضون شهور
عدد الأطفال المعتقلين إدارياً وصل إلى 100 طفل، فيما وصل عدد النساء إلى 23 امرأة
اعتقال الطفل يمُس العائلة نفسيا وليس فقط الطفل المُعتقل
الاعتقال الإداري إيذاء نفسي متعمد لتخويف المجتمع وتركه في حالة عجز
القمع والتجويع يؤديان إلى عذاب جسدي ونفسي للأسير خاصة الأطفال
وطن للأنباء: قالت المحامية ومديرة مؤسسة الضمير، سحر فرانسيس، إن الاحتلال منذ بدايته يستخدم الاعتقالات كإجراء قمعي استعماري، لكن بعد حرب الإبادة على قطاع غزة تكثفت الاعتقالات على امتداد الأراضي الفلسطينية، لتشمل الأطفال، في حين ما كان لافتاً استخدام إجراء الاعتقال الإداري ضد الأطفال، بشكلٍ غير مسبوق.
وأوضحت فرانسيس خلال حلقة خاصة تُنتج وتُبث عبر شبكة وطن الإعلامية بالشراكة مع مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، أن سبب اعتماد الاحتلال على الاعتقال الإداري ضد الأطفال هذه الفترة، هو غياب أدلة قانونية واضحة تدينهم بالسجن ومحاكمتهم، فيما يخالف الاعتقال الإداري القوانين الدولية كاتفاقية جنيف الرابعة، في حين باتت سياسة الاعتقال الإداري تلاحق الأسيرات الفلسطينيات، فيما تنتهك دولة الاحتلال المعايير الدولية الموقعة عليها بالأصل.
وذكرت فرانسيس أن سلطات الاحتلال كثّف عمليات الاعتقال الإداري ضد الأطفال الفلسطينيين، بهدف التأثير على جيل كامل ولسنوات طويلة، ومن منظور قانوني، فإن الاعتقال على خلفية ملف سري، وعدم عرض المعتقل للمحاكمة، يخالف القانون الدولي بشكل مطلق، ويُعد شكلاً من أشكال العذاب النفسي للمعتقل وعائلته، فيما يستخدم الاحتلال اعتقال مشابه للمواطنين في قطاع غزة، الذين كان يتم الحكم عليهم وفق قانون أسرى الحرب، واخفائهم بشكل قسري، بل وعدم تمكن الجهات القانونية من الحصول على أي معلومة عنهم.
وأكدت فرانسيس أن أوامر الاعتقال الإداري تجاوزت 10 آلاف أمر في غضون شهور، في حين وصل عدد الأطفال المعتقلين إدارياً إلى 100 طفل، فيما وصل عدد النساء إلى 23 امرأة، بشكل يؤكد أنها جريمة ممنهجة ضد الفلسطينيين، وسط غياب دولي، للجرائم المرتكبة المتمثلة بالتعذيب والإخفاء القسري وإخفاء التهم أثناء المحاكمات.
وعن ظروف الاعتقال الصعبة، قالت فرانسيس إن الأسرى تعرضوا لإجراءات قمعية إجرامية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، وتنوعت هذه الجرائم بين الضرب والتعذيب لدرجة الموت، والتجويع، والحرمان من العلاج، في حين تقع هذه الجرائم كانتهاكات للقانون الدولي، وهو ما يجب توثيقه لنشره على صعيد عالمي، ضمن خطاب قانوني يكشف جرائم ومخالفات الاحتلال.
من جهتها قالت الدكتورة النفسية سماح جبر، إن عملية الاعتقال تستهدف عدة دوائر خارج الأسير ذاته، في حين يكون الأسير هو المستهدف الرئيسي لكسر معتقداته، ولكن عند اعتقال الأطفال، تدخل العائلة في دائرة الاستهداف، والتي تدخل في مشاعر الذنب النابعة من فكرة عدم مقدرتهم على حماية ابنهم.
وعن الاعتقال الإداري، قالت جبر إن هذه الإجراء كفيل أن يجعل الجميع يشعرون بالاستهداف، بسبب وجود ما يسمى بالملف السري، والتهم غير المعلنة، فضلاً عن عدم وجود موعد للإفراج، إذ بات الاعتقال الإداري ذات تأثير نفسي كبير يستهدف المجتمع الفلسطيني ككل، فضلاً عن المعاناة النفسية للمعتقل الإداري، حيث تتضاعف هذه المعاناة عند النساء والأطفال، وتكون عند النساء أشد إذا ما كانت أم لأطفال، ضمن خصوصية جندرية للمعاناة.
وعن الآثار النفسية للاعتقال الإداري، قالت جبر، إن الاعتقال الإداري هو عبارة عن إيذاء نفسي متعمد مصنوع من قبل الاحتلال، لتخويف الناس وتركهم في حالة عجز، ويتضاعف هذا الأذى على الأطفال الذين يتعرضون للاعتقال الإداري، حيث يعانون من اضطرابات صدمية والاكتئاب والقلق، مع إمكانية الإصابة بالأمراض الذهانية، لأن الطفل يكون في طور النمو وقدراته أقل من الشخص الراشد.
وأكدت جبر إن تكثيف الاعتقالات الإداري تهدف لخلق شعور لدى الشعب الفلسطيني بالعجز، خاصة فيما يتعلق بقضية الأسرى، فيما خُلق شعور لدى الأسرى الفلسطينيين بأن الجرائم المرتكبة ضدهم ليست تعذيب بسبب شيوع التعذيب المكثف ضد الأسرى والتي تعتمد على البُعد النفسي، حيث تم تطبيعها بالتعامل معها لاتساع انتشارها.
وأضافت جبر أن هناك آلية يجب اتباعها لتوثيق قضايا التعذيب النفسي الذي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيين، عن طريق وجود فريق من الأطباء والمختصين نفسياً الذي يشخصون حالات الأسرى بعد تحررهم، وإنشاء ملفات تقارن بين حالة الأسير قبل الاعتقال وبعده، ثم عرض هذه الملفات للجهات الدولية المختصة.
ووجهت جبر دعوةً للمؤسسات الحكومية للتعاون في قضية متابعة الآثار النفسية للاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيين، وإعداد فريق من الأطباء والمختصين النفسيين، مع ضرورة توثيق ذلك وإنشاء ملفات لرفعها للمحكمة الدولية.
وأشارت جبر إلى ضرورة مناصرة قضية الأسرى من قبل المؤسسات المحلية والعالمية، ومتابعة الأسرى بعد تحررهم، لعلاجهم وإدماجهم بالمجتمع، ومرافقتهم بشكلٍ مستمر، وتقديم الدعم النفسي لمعالجة آثار الاعتقال، كجزء من عملية التحرر.
اما الأسير المحرر والمعتقل الإداري السابق قسام عميرة، فوصف لحظة اعتقاله مؤكداً اقتحام منزل عائلته بأعداد كبيرة من جنود الاحتلال، ثم الاعتداء عليه بالضرب أمام ذويه، وتفتيش المنزل بواسطة الكلاب البوليسية، إضافة لضربه من قبل جنود الاحتلال أثناء عملية نقله بطريقة وحشية، لدرجة وصوله سجن عوفر وجروحه تنزف.
وأضاف انه تعرض للتهديد بالقتل أثناء الاعتقال، فضلاً عن شعور الخوف والترقب، مؤكداً أن قرار الاعتقال الإداري هو أسوأ ما يتلقاه الأسير الفلسطيني.
واستذكر عميرة رحلة الاعتقال قائلاً أن التنكيل تواصل على مدار الساعة أثناء عملية نقله، فضلاً عن شتمه بشكلٍ مستمر دون مقدرته على الكلام أو الرد.
وأكد عميرة أن أصعب فترة تمر على الأسير هي لحظة نقل الأسير من المنزل للتحقيق، بسبب شعور انتظار المجهول والقلق، إضافة لحجم الضرب والتنكيل الذي يتعرض له الأسير.
وعن عملية التحقيق قال عميرة إن مجموعة من الجنود استدعاهم المحقق لضربه بشكل عنيف وعلى مناطق حساسة من الجسد، مع التهديد باعتقال والده، واحتجازه مقيد اليدين لساعات دون السماح له بأي حركة.
أما شعور التهديد والابتزاز باعتقال الأسرة، قال عميرة ان هذا يخلق شعوراً بالخوف الشديد والانهيار النفسي، لدرجة يجعل الأسير على استعداد بأن يعترف بتُهم باطلة وغير صحيحة.
وأكد عميرة أن الأوضاع في معتقل عوفر كانت مفاجئة، خاصة في قسم الأشبال الذي نُقل إليه، في حين مُنع الأسرى القاصرين من أدنى الحقوق الإنسانية، كالمياه والإنارة، وحرمانهم من التجول بالساحة "الفورة" الملابس، مع قلة كمية الطعام وجودته الرديئة، إضافة لعمليات القمع الوحشية والتنكيل بالأسرى، ما يخلق عذاب جسدي ونفسي على حدٍ سواء.
ووجه عميرة رسالة من الأسرى في سجون الاحتلال مفادها متابعة قضيتهم من كافة الأطراف القانونية والسياسية، وعن الأسرى الأطفال ناشد بضرورة التحرك من أجل إنقاذهم من ما يواجهونه، مع ضرورة التقدم بالجانب القانوني.


