نبهان خريشة يكتب لوطن: الإنتخابات الإسرائيلية وحدود الرهان الفلسطيني

26.10.2026 05:42 PM

ينظر الفلسطيني إلى الانتخابات الإسرائيلية من مكان مختلف عن ذلك الذي يقف فيه الناخب الإسرائيلي. يسأل الأخير عن رئيس الحكومة، والتجنيد، والقضاء، وكلفة المعيشة، بينما يسأل الفلسطيني عن الحاجز الذي سيقطع طريقه غدا، والأرض التي قد يصادرها المستوطنون، والبيت المهدد بالهدم، وإمكان أن يعيش أولاده خارج دائرة الحرب. لذلك، لا تكفي متابعة عدد المقاعد لمعرفة ما ينتظر الفلسطينيين؛ الأهم هو البرنامج الذي ستنتجه مفاوضات الائتلاف، وحجم النفوذ الذي سيمتلكه دعاة الضم والتهجير، وقدرة الآخرين على تقييدهم.

تفتح الانتخابات أربعة احتمالات رئيسية: عودة ائتلاف اليمين، أو تشكيل المعارضة حكومة، أو قيام ائتلاف يجمع قوى من المعسكرين، أو استمرار نتنياهو على رأس حكومة انتقالية إذا تعذر تشكيل بديل. وهذه سيناريوهات تختلف في أدواتها وسرعتها، وقد تتباين نتائجها اليومية بصورة مؤثرة، لكنها لا تتيح افتراض أن تبديل رئيس الحكومة سيقود تلقائيا إلى الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

فالمعارضة الإسرائيلية ليست كتلة سلام متجانسة؛ فهي تضم قوى يمينية ووسطية ويسارية يجمعها السعي إلى إزاحة نتنياهو أكثر مما يجمعها تصور مشترك لتسوية الصراع. وتشير المواقف المعلنة إلى تقاطع بين نتنياهو وغادي آيزنكوت بشأن استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، مع اختلافات في التعامل مع الاستيطان والمناطق الفلسطينية. وهذا تقاطع جوهري، وإن لم يلغ الفروق بينهما.

وإذا عاد اليمين إلى الحكم، وخصوصا إذا بقي محتاجا إلى أحزاب الاستيطان الديني الموغلة يالتطرف، فالأرجح أن يتعامل شركاؤه مع النتيجة باعتبارها تفويضا لمواصلة تغيير الأرض. سيزداد الضغط لتوسيع المستوطنات، وربطها بالطرق والبنية التحتية، وتقليص المساحات المتاحة للتجمعات الفلسطينية. وقد يتقدم الضم عبر قرارات إدارية ومالية وتنظيمية متفرقة، قبل أن يتحول إلى إعلان سياسي شامل؛ إذ يمكن تفريغ الأرض دون رفع لافتة رسمية تقول إن الضم اكتمل.

في هذا السيناريو، تصبح حياة الفلسطيني في الضفة أكثر تعرضا للضغط: قيود على الحركة والبناء، وتراجع في فرص العمل، وخشية متزايدة لدى التجمعات الريفية من الاعتداء والطرد. أما السلطة الفلسطينية، فقد تبقى قائمة بوظائف محدودة، بينما تتآكل قدرتها المالية والسياسية. فاليمين يستطيع الاستفادة من وجود جهاز يدير شؤون السكان، بالتوازي مع إضعاف المؤسسة التي يفترض أن تتحول إلى دولة.

وفي غزة، قد تتعزز أولوية السيطرة الأمنية وتقييد الإعمار وربط الحياة المدنية بشروط إسرائيلية متجددة. وقد يدفع المتطرفون نحو سياسات تجعل الرحيل مخرجا من حياة مستحيلة. لكن تقدير مدى تحقق ذلك يحتاج إلى النظر أيضا في الموقف الأمريكي، والرفض العربي، والضغط الدولي، وقدرة الفلسطينيين على البقاء؛ فالانتخابات تمنح الحكومة أدوات، لكنها لا تمنحها حرية مطلقة.

أما إذا نجحت المعارضة في تشكيل حكومة، فربما تنشأ "فرصة" لتخفيف بعض الأخطار، دون ضمان تحول استراتيجي. قد تتراجع قدرة سموتريتش وبن غفير على توجيه القرار، وقد يصبح كبح اعتداءات المستوطنين أكثر جدية، وتعود العلاقة مع السلطة إلى حسابات تحافظ على الاستقرار. وبالنسبة إلى سكان قرية تتعرض للهجمات، فإن وجود شرطة تتدخل وجيش يمنع المعتدين قد "يصنع فرقا ملموسا".

وقد تكون حكومة كهذه أكثر استعدادا لتفاهمات تخص غزة، ولإشراك أطراف عربية وفلسطينية في ترتيبات إدارتها وإعمارها، وأشد اهتماما بترميم العلاقات الدولية. غير أن سقف ذلك قد يبقى إدارة الصراع وتحسين شروطه. فآيزنكوت يعارض، وفق مواقفه المعلنة، إقامة دولة فلسطينية، رغم رفضه أيضا مسار السيطرة الدائمة الذي يدفع إليه اليمين المتطرف. المسافة بين الموقفين تفتح مجالا للنزاع السياسي، لكنها لا تقدم للفلسطينيين وعدا بالسيادة.

وتكمن المشكلة في أن الحكومة الجديدة قد تحصل على رصيد دولي لمجرد خروج نتنياهو، قبل تقديم تغيير فعلي. ستعود لغة الاعتدال، وتكثر اللقاءات، وربما تتحسن إجراءات اقتصادية، بينما يستمر الاستيطان ويؤجل البحث في الحقوق. وهنا يحتاج الفلسطيني إلى التمييز بين تخفيف المعاناة، وهو مطلب ضروري، وبين تسوية تمنحه الحرية، وهي المعيار السياسي الأبعد.

الاحتمال الثالث هو حكومة تجمع قوى من اليمين والمعارضة، تحت عنوان الوحدة أو إنقاذ الدولة من الشلل. وقد تنشأ برئاسة نتنياهو، أو بترتيب آخر، بحسب النتائج والتسويات. ميزتها المحتملة أنها تقلص ابتزاز الأحزاب الصغيرة إذا اتسعت قاعدتها البرلمانية، وتتيح ضبط بعض السياسات التي فرضها الشركاء الأكثر تطرفا.

لكن اتساع الائتلاف قد ينتج أيضا غطاء أوسع لاستمرار الاحتلال. فالحكومة التي تضم خصوم الأمس تستطيع تسويق قراراتها باعتبارها تعبيرا عن إجماع وطني، وتخفيف الاعتراض الخارجي عليها. وقد تؤجل الضم الرسمي، مع مواصلة توسيع المستوطنات؛ وتعلن دعم الاستقرار الفلسطيني، مع إبقاء السيطرة على الأرض والحدود والموارد. عندئذ يصبح الاعتدال في الخطاب وسيلة لإطالة عمر الوقائع القائمة.

وستحمل حكومة الوحدة تناقضاتها داخلها. قد يمنع جناح منها اندفاعة خطرة، بينما يعطل جناح آخر أي مبادرة سياسية. والنتيجة المحتملة هي تسويات داخلية إسرائيلية يدفع الفلسطيني ثمنها: استيطان في مقابل تهدئة، وتسهيلات اقتصادية في مقابل صمت سياسي، وتأجيل للقضايا الكبرى حفاظا على تماسك الحكومة.

أما السيناريو الرابع، أي استمرار نتنياهو على رأس حكومة انتقالية، فيستحق اهتماما خاصا. فالعجز عن تشكيل حكومة جديدة لا يجمد حياة الفلسطينيين عند لحظة إعلان النتائج. الأجهزة العسكرية والإدارية تواصل عملها، والسياسات السابقة تترك آثارها، والمستوطنون يستفيدون من كل شهر إضافي. وقد تتحول الفترة الانتقالية إلى زمن طويل تتراكم خلاله تغييرات يصعب عكسها.

وقد يميل نتنياهو، في هذه الحالة، إلى إبراز ضرورته الأمنية وقدرته على القيادة، خصوصا إذا بقي احتمال انتخابات جديدة قائما. وهذا يخلق حافزا محتملا للتشدد، لكنه لا يعني أن التصعيد العسكري نتيجة حتمية أو أن كل قرار أمني سيكون انتخابيا. الخطر الأوضح هو أن يصبح الفلسطيني مادة للمزايدة بين أطراف تتنافس على إثبات القوة، بينما يغيب شريك إسرائيلي مستعد لتحمل كلفة التسوية.

لهذا، يحتاج الموقف الفلسطيني إلى تجنب رهانين مكلفين: انتظار الخلاص من المعارضة، وافتراض أن جميع النتائج متطابقة. الفروق مهمة حين تتصل بحماية الناس والأرض، لكنها تحتاج إلى فعل فلسطيني يستثمرها ويختبرها. وأي حكومة جديدة ينبغي أن تقاس بقرارات واضحة: وقف الاستيطان، وحماية السكان، ورفع القيود، وإتاحة إعمار غزة، وفتح طريق سياسي ينهي الاحتلال.

ويبقى السؤال موجها إلينا أيضا: بأي شرعية ومؤسسات وبرنامج سنواجه الحكومة المقبلة؟ إن تجديد النظام السياسي الفلسطيني، وتوسيع المشاركة، واستعادة وحدة التمثيل، يمنح الفلسطينيين قدرة أكبر على التأثير. فالانتخابات الإسرائيلية قد تغير هوية من يتخذ القرار، أما تحويل هذا التغيير إلى فرصة فلسطينية فيحتاج إلى شعب يملك صوته، وقيادة تخضع لمساءلته، ومشروع لا ينتظر حريته من صندوق اقتراع الآخرين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير