نحو حوار وطني فلسطيني شامل يوسّع المشاركة لمواجهة التحديات

كتب: د.عيسى العملة
تمر القضية الفلسطينية بمرحلة دقيقة في ظل تصاعد التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، واستمرار الاحتلال والاستيطان، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وما تواجهه الضفة الغربية والقدس من اعتداءات وإجراءات تهدد الأرض والإنسان والمشروع الوطني الفلسطيني.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى حوار وطني فلسطيني شامل يتجاوز الأطر التقليدية، ويوسّع دائرة المشاركة لتشمل القوى والفصائل السياسية، والشخصيات الوطنية المستقلة، ومؤسسات المجتمع المدني، والنقابات، والمرأة والشباب، والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن مشاركة أوسع في صياغة الأولويات الوطنية وتحديد سبل مواجهة التحديات
إن الحوار الوطني ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لاستعادة الوحدة، وتوحيد الجهود، وبناء توافق سياسي يستند إلى المصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن الحسابات الفئوية والحزبية الضيقة. فقد أضعف استمرار الانقسام القدرة على مواجهة التحديات، وألقى بظلاله على ثقة المواطنين بمؤسساتهم، الأمر الذي يجعل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية أولوية لا تحتمل التأجيل.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز دورها التمثيلي، وتوسيع المشاركة فيها على أسس ديمقراطية وتوافقية، بما يضمن احتضان مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويعزز قدرتها على التعبير عن تطلعاته والدفاع عن حقوقه الوطنية المشروعة.
إن نجاح الحوار يتطلب الانتقال من تبادل المواقف إلى الاتفاق على برنامج عمل وطني واضح، يحدد الأولويات والمسؤوليات وآليات التنفيذ والمتابعة. وينبغي أن يركز هذا البرنامج على جملة من القضايا الأساسية، أبرزها:
إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوحيد المؤسسات وتعزيز سيادة القانون.
توحيد الرؤية والاستراتيجية الوطنية لمواجهة الاحتلال والاستيطان والتهجير، وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية والقانونية والشعبية.
تعزيز المشاركة الديمقراطية وتجديد الشرعيات الوطنية، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات وفق ضمانات قانونية وتوافقية.
تعزيز صمود المواطنين من خلال معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ودعم الفئات المتضررة، وحماية الحقوق وتطوير الخدمات العامة.
حماية السلم الأهلي وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح واحترام التعددية، ومعالجة الخلافات بالوسائل القانونية والمؤسسية.
ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف دون إشراك المجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته، والاستفادة من خبرات مؤسساته وطاقاته، ومنح الشباب والمرأة دوراً فاعلاً في صناعة القرار. فالمشاركة الحقيقية لا تقتصر على الحضور والاستماع، بل تعني الإسهام في تحديد الأولويات وصياغة الحلول ومتابعة تنفيذها
كما أن الحوار الجاد يتطلب بيئة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، ونبذ الإقصاء نحو حوار وطني فلسطيني شامل يوسع المشاركه لمواجهه التحديات لا تعني التطابق في الرأي، وإنما تعني إدارة الاختلاف بمسؤولية، والاتفاق على الثوابت والمصالح المشتركة.
إن التحديات الراهنة تفرض على جميع القوى والفعاليات الفلسطينية مسؤولية تاريخية تقتضي تغليب المصلحة الوطنية على الاعتبارات الضيقة، والتحلي بالإرادة السياسية اللازمة لتحويل الحوار إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة. فلا قيمة للتوافقات التي تبقى حبيسة البيانات، ولا جدوى من المبادرات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
إن المطلوب اليوم هو إطلاق مسار حوار وطني شامل، تشارك فيه مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، وينتهي إلى برنامج واقعي محدد الأولويات، وآليات متابعة ومساءلة تضمن الالتزام بمخرجاته.
إن توسيع المشاركة في الحوار الوطني ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة لتعزيز الوحدة والصمود وتجديد الثقة بالمؤسسات الوطنية. فالقضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل أو جهة، ومواجهة تحدياتها مسؤولية جماعية تتطلب توحيد الطاقات، وتكامل الأدوار، والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني وتطلعاته إلى الحرية والاستقلال.
إن الطريق إلى مستقبل وطني أكثر قدرة على مواجهة التحديات يبدأ بحوار صادق وشامل، ويتقدم بشراكة حقيقية، ويتحقق بإرادة سياسية تترجم التوافق إلى عمل. فالوحدة قوة، والمشاركة مسؤولية، والمصلحة الوطنية العليا يجب أن تبقى البوصلة التي توجه الجميع.
بقلم: الدكتور عيسى العملة
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


