احتلال خمس نجوم.. من منح إسرائيل هذه الراحة في الضفة؟

30.09.2026 09:04 AM

كتب اسماعيل جمعه الريماوي: لم يكن الاحتلال الإسرائيلي يحلم، عندما وقع اتفاق أوسلو، بأن يحصل يومًا على هذه الدرجة من الراحة في احتلال الضفة الغربية ، احتلال يسيطر على الأرض، ويقتحم المدن والقرى متى شاء، ويحرك جيشه ومستوطنيه، ويصادر الأراضي، ويقيم المستوطنات والبؤر الاستيطانية، ويقطع الطرق، ويعتدي المستوطنون على الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه توجد سلطة فلسطينية تتولى إدارة شؤون السكان، وتجمع الضرائب، وتدير المؤسسات، وتحافظ على الأمن الداخلي، وتمنع في كثير من الأحيان اتساع الاحتجاجات الشعبية ضد الاحتلال ، ماذا يمكن أن يريد الاحتلال أكثر من ذلك؟ إنه، بكل بساطة، احتلال خمس نجوم.

على مدى ثلاثة عقود، تحولت السلطة الفلسطينية من مشروع يفترض أن يكون محطة على طريق الاستقلال إلى واقع سياسي وأمني واقتصادي يعيش تحت سقف الاحتلال ، الاحتلال لم يعد مضطرًا إلى إدارة كل تفاصيل حياة الفلسطينيين بنفسه؛ هناك سلطة تقوم بهذه المهمة نيابة عنه، بينما يحتفظ هو بالمفاتيح الحقيقية: الأرض، والحدود، والحركة، والمياه، والموارد، والأمن، والقدرة على الاقتحام والاعتقال، والقدرة على تغيير الواقع الجغرافي متى أراد.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر: الفلسطيني الذي يفترض أن تكون سلطته الوطنية سندًا له في مواجهة الاحتلال، يجد نفسه في أحيان كثيرة أمام سلطة مشغولة بتوزيع المناصب والنفوذ واحتكار القرار، وبضبط الشارع أكثر سدا للذرائع التي لا يحتاجها الاحتلال، حيث تمنع الاحتجاجات والمسيرات والاعتصامات لا اقتحامات الجيش واعتداءات المستوطنين.

المستوطن يدخل إلى الأرض الفلسطينية وهو يعرف أن خلفه من يحميه، وأن المنظومة السياسية الإسرائيلية توفر له الغطاء، وأن الفلسطيني أمامه ليس حرًا في تنظيم مقاومة شعبية واسعة، ولا يستطيع حتى في كثير من الحالات تحويل الاعتداء إلى ردة فعل جماهيرية كبيرة ، وهكذا أصبح المستوطن يتحرك بثقة أكبر، فيما أصبح الفلسطيني محاصرًا بين الاحتلال من جهة، وقيود السلطة المفروضة على اي فعل شعبي من جهة أخرى.

وهذا هو معنى «احتلال خمس نجوم»: أن يعيش الاحتلال بأقل كلفة ممكنة، وأن يحتفظ بكل أدوات السيطرة، بينما يتحمل الفلسطيني الجزء الأكبر من أعباء الحياة اليومية ، الاحتلال لا يحتاج إلى توفير الخدمات للسكان، ولا إلى إدارة المدارس والمستشفيات والبلديات، ولا إلى دفع رواتب الموظفين، ولا إلى معالجة أزمات المجتمع اليومية ، هناك سلطة فلسطينية تقوم بهذه المهمة، بينما يحتفظ الاحتلال بحق التدخل متى أراد.

الأكثر خطورة أن هذه المعادلة لا تكتفي بتوفير الراحة للاحتلال، بل تخلق مع الوقت واقعًا فلسطينيًا اعتاد على إدارة الانقسام والانتخابات والرواتب والتعيينات والصراعات الداخلية، بينما تتراجع القضية الأساسية: كيف نواجه احتلالًا يبتلع الأرض أمام أعيننا؟

ففي الوقت الذي تنشغل فيه السلطة وحركة فتح بتثبيت مواقعها وترتيب الانتخابات وتجديد احتكارها للسلطة بأي صورة ، لا ينتظر الاحتلال أحدًا ، المستوطنات تتوسع، والبؤر الاستيطانية تتمدد، والطرق تُشق لخدمة المستوطنين، والأراضي تُصادر، والقرى تُحاصر، والمزارعون يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم، والقدس تتغير، والضفة تتحول تدريجيًا إلى مناطق منفصلة لا يجمعها سوى اسم واحد.

المشكلة ليست في وجود سلطة فلسطينية من حيث المبدأ، ولا في الانتخابات ، وإنما في أن تصبح وظيفة السلطة الأساسية إدارة الفلسطينيين بدل حمايتهم سياسيًا وشعبيًا من تغول الاحتلال، فالسلطة التي لا تستطيع

حماية الأرض، ولا تستطيع وقف الاستيطان، ولا تستطيع منع اقتحام مدنها، ولا تستطيع توفير حماية حقيقية لقراها ومزارعيها أمام اعتداءات المستوطنين، تصبح أمام سؤال جوهري: ما حدود وظيفتها الوطنية؟

لقد نجح الاحتلال في نقل جزء كبير من الصراع من مواجهة بين الفلسطيني والاحتلال إلى إدارة فلسطينية للفلسطينيين ، وهذه ربما واحدة من أكثر نتائج أوسلو قسوة؛ أن يصبح الفلسطيني منشغلًا بمن يحكمه داخل النظام الفلسطيني، بينما يواصل الاحتلال توسيع سيطرته على ما يفترض أن يكون وطنه.

ولذلك فإن الحديث عن «احتلال خمس نجوم» ليس مجرد عبارة ساخرة، بل توصيف لمعادلة سياسية: الاحتلال يحتفظ بالقوة والسيطرة، والسلطة تتحمل أعباء الإدارة، والمستوطنون يتحركون على الأرض، والفلسطيني يدفع الثمن.

والأخطر من ذلك كله أن الاحتلال عندما يطمئن إلى غياب رد الفعل الشعبي الواسع، فإنه لا يرى سببًا للتراجع ، فالاحتلال لا يفهم البيانات وحدها، ولا المؤتمرات، ولا المناشدات؛ إنه يقرأ ميزان القوة على الأرض ، وكلما رأى أن الأرض تُصادر دون رد فعل واسع، وأن القرى تُحاصر دون تضامن شعبي كافٍ، وأن الاعتداءات تمر دون أي مواجهة سياسية ومجتمعية حقيقية، يصبح أكثر جرأة على الانتقال إلى الخطوة التالية.

لقد حان الوقت لطرح السؤال الذي جرى تأجيله طويلًا: هل ما زالت السلطة أداة في طريق التحرر الوطني، أم أصبحت جزءًا من منظومة إدارة الاحتلال؟

هذا السؤال لا يستهدف موظفًا أو مؤسسة أو شخصًا بعينه، بل يستهدف وظيفة سياسية كاملة ، لأن السلطة التي لا تستطيع تغيير معادلة الاحتلال، وفي الوقت نفسه تضيق مساحة التحرك الشعبي ضده، تجد نفسها عمليًا داخل معادلة تخدم استمرار الوضع القائم، حتى لو لم يكن ذلك هو هدفها المعلن.

أما الاحتلال، فهو المستفيد الأكبر.

فهو يريد الفلسطيني أن يبقى منشغلًا بالانتخابات وتصارع على النفوذ، بينما يواصل المستوطن التوسع، والجيش يواصل الاقتحامات متى شاء، والأرض تتغير كل يوم.

هكذا يصبح الاحتلال أكثر راحة، وأكثر أمنًا، وأقل كلفة.

وهكذا أيضًا يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: هل نحن أمام سلطة فلسطينية تعيش تحت الاحتلال، أم أمام احتلال يعيش براحة تحت مظلة السلطة ؟

هذه هي المعضلة التي يجب أن تُطرح قبل أي انتخابات، وقبل أي حديث عن تجديد الشرعيات، وقبل أي صراع على المقاعد والمواقع ، لأن القضية في النهاية ليست من سيجلس على كرسي السلطة، بل ماذا بقي من الأرض التي يفترض أن تحكمها هذه السلطة أصلًا.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير