المساعدات في غزة.. تخفيف المعاناة أم إدارة الأزمة؟

29.09.2026 08:59 PM

كتب: عماد وليد كباجة

من أكثر ما يلفت الانتباه في المساعدات المقدمة إلى غزة، سواء كانت غذائية أو إيوائية أو صحية أو تعليمية، أن القاسم المشترك بينها في كثير من الأحيان هو ضعف الجودة وغياب الديمومة. وكأن الهدف لم يعد تقديم ما يحتاجه الإنسان فعلًا، بل تقديم شيء يمكن تسجيله في تقرير باعتباره «مساعدة» وصلت إلى المستفيد.

المشكلة ليست دائمًا في غياب الأموال أو الإمكانات، فالمؤسسات والجهات المانحة ترصد أموالًا كبيرة للتعامل مع الأزمة، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يصل إلى الإنسان بهذه الأموال؟ وهل صُممت المساعدة لتخفيف المعاناة مؤقتًا، أم لتوفير حل يحفظ كرامة الإنسان ويعالج جزءًا من المشكلة؟

في الغذاء، قد يصبح معيار النجاح هو عدد السلال أو الطرود التي جرى توزيعها، أكثر من النظر إلى قيمتها الغذائية ومدى ملاءمتها للاحتياج الحقيقي للناس. وفي التعليم، نجد حقائب وقرطاسية بمواصفات متواضعة، بينما يفترض أن تكون الأدوات التعليمية جزءًا من عملية إعادة بناء جيل فقد الكثير خلال الحرب. وفي القطاع الصحي، تتكرر المشكلة بأشكال مختلفة؛ مساعدات قد تسد فجوة عاجلة، لكنها لا تبني قدرة صحية قادرة على الاستمرار.

أما الإيواء، فربما يكون المثال الأكثر وضوحًا. الخيمة التي يفترض أن تحمي الإنسان من المطر والحر والبرد تتحول في كثير من الأحيان إلى حل مؤقت لا يحتمل طويلًا، فتتآكل وتتمزق بفعل الظروف الجوية، ويجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى البحث عن مساعدة جديدة بدل أن ينتقل من مرحلة الطوارئ إلى مرحلة الاستقرار.

وهنا يبرز سؤال أكبر: هل أصبحت المساعدات في غزة جزءًا من إدارة الأزمة بدل أن تكون طريقًا للخروج منها؟

لا يعني ذلك بالضرورة أن كل مؤسسة أو جهة تقدم المساعدة تتعمد إطالة المعاناة، ولا يمكن تجاهل القيود المفروضة على إدخال المواد والمستلزمات إلى غزة، بما في ذلك ما تسمح به سلطات الاحتلال الإسرائيلي وما تمنعه. كما أن المؤسسات الإنسانية تعمل في ظروف بالغة التعقيد، وتواجه قيودًا لوجستية وأمنية وسياسية حقيقية.

لكن هذه القيود لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لانخفاض الجودة أو غياب التخطيط طويل الأمد.

فالإنسان في غزة لا يحتاج فقط إلى أن يقال له إن «مساعدة وصلت إليه». هو يحتاج إلى غذاء جيد، ومأوى قادر على الصمود، وخدمة صحية تحفظ حياته، ومدرسة توفر تعليمًا حقيقيًا لأطفاله. الفرق كبير بين أن تخفف عن الإنسان ألمه اليوم، وأن تتركه في الظروف نفسها منتظرًا المساعدة غدًا.

المشكلة إذن ليست في المساعدة نفسها، بل في فلسفة المساعدة. حين يصبح نجاح المؤسسة مرتبطًا بعدد الطرود الموزعة، أو عدد الخيام التي نصبت، أو عدد الحقائب التي سلمت، فقد يتحول الإنسان من صاحب حق إلى مجرد رقم في تقرير إنجاز.

غزة تحتاج إلى الانتقال من منطق «الاستجابة» إلى منطق «التعافي»، ومن إدارة الاحتياج إلى بناء القدرة على تجاوز الاحتياج. تحتاج إلى مساعدات ذات جودة، قابلة للاستمرار، وتراعي أن ما يقدم اليوم يجب ألا يتحول إلى عبء جديد على الناس غدًا.

فالمطلوب ليس أن نُبقي الإنسان حيًا داخل أزمته إلى ما لا نهاية، بل أن نساعده على الخروج منها.

المساعدة الحقيقية ليست التي تجعل المعاناة أقل قسوة فقط، وإنما التي تجعل نهايتها ممكنة.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير