الضفة الغربية على حافة تصعيد جديد: هل تتجه إسرائيل إلى تكرار نموذج غزة؟

كتبت: تمارا حداد
تدخل الضفة الغربية مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي المتدرج، في ظل تزامن الإغلاق العسكري الواسع للمدن والقرى الفلسطينية مع تشديد القيود على الحركة، وتصاعد اقتحامات المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، إلى جانب تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الداعية إلى شن حرب واسعة في الضفة على غرار ما جرى في قطاع غزة. هذا التزامن يطرح سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام إجراءات أمنية مرتبطة بالأعياد اليهودية فقط، أم أمام مسار سياسي وأمني أوسع يستهدف إعادة تشكيل واقع الضفة الغربية؟
أعلنت إسرائيل إغلاقاً شاملاً للضفة الغربية ومعابرها حتى الثالث من تشرين الأول، بذريعة تأمين فترة عيد العرش اليهودي، مع تشديد الإجراءات على الحواجز والطرق. وتأتي هذه الخطوة في منطقة تعاني أصلاً من شبكة واسعة من الحواجز والعوائق التي تقيد حركة الفلسطينيين بين المدن والقرى.
لكن الإشكالية لا تكمن فقط في الإغلاق المؤقت، وإنما في ما يمكن أن ينتج عنه من تراكم سياسي وأمني واقتصادي. فحين تصبح حركة الفلسطينيين مرتبطة بمواعيد الأعياد الإسرائيلية، وتتوقف حياة المدن والقرى على قرارات عسكرية متغيرة، يتحول الإغلاق من إجراء أمني مؤقت إلى أداة لإعادة تنظيم المجال الجغرافي الفلسطيني وفرض مزيد من السيطرة على الأرض والسكان.
الأكثر دلالة هو ما صدر عن سموتريتش، الذي دعا الجيش الإسرائيلي إلى "الذهاب إلى الحرب" في الضفة الغربية وتنفيذ ما قامت به إسرائيل في غزة، متحدثاً عن تفكيك البنية الفلسطينية المسلحة، ومهاجماً السلطة الفلسطينية.
هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خطاب سياسي عابر، خصوصاً أنها تأتي في ظل تصاعد العمليات العسكرية والاعتقالات وهجمات المستوطنين والاستيطان. كما أنها تعكس، على المستوى السياسي، وجود تيار داخل الحكومة الإسرائيلية يدفع باتجاه نقل منطق الحرب من غزة إلى الضفة، مع اختلاف الظروف الجغرافية والسياسية والأمنية بين الساحتين.
غير أن تطبيق نموذج غزة في الضفة لن يكون نسخة مطابقة. فالضفة ترتبط بشبكة مدن وقرى متداخلة، وبوجود السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وبالاقتصاد الإسرائيلي، وبالقدس، وبمناطق مصنفة وفق اتفاق أوسلو، فضلاً عن وجود المستوطنات والطرق الالتفافية. لذلك فإن أي عملية عسكرية واسعة قد تحمل تداعيات تتجاوز البعد الأمني لتطال مستقبل السلطة الفلسطينية والعلاقة بين مكونات النظام السياسي الفلسطيني.
وفي المقابل، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تحول التصعيد إلى مسار تراكمي باستمرار إغلاق للمدن، اقتحامات، اعتقالات، هدم منازل، مصادرة أراضٍ، توسع استيطاني، واعتداءات للمستوطنين، بحيث يصبح الفلسطيني أمام واقع أمني جديد لا يحتاج إلى إعلان رسمي بضم الضفة، وإنما يتشكل تدريجياً على الأرض.
وتبرز القدس باعتبارها إحدى أكثر نقاط الاشتعال حساسية. فقد شهد المسجد الأقصى خلال الأيام الأخيرة اقتحامات واسعة للمستوطنين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، تخللتها طقوس وصلوات دينية، في وقت ارتفعت فيه القيود على الوصول إلى البلدة القديمة والمسجد.
وفي الخليل، أُغلق الحرم الإبراهيمي أمام المصلين المسلمين لعدة أيام بذريعة الأعياد اليهودية، بالتزامن مع تشديد الإجراءات على الطرق المؤدية إليه.
وهنا تتجاوز القضية مسألة الإغلاق الأمني، لأن المقدسات تمثل في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي قضية سياسية ودينية شديدة الحساسية. وكلما تكررت الاقتحامات والطقوس داخل الأقصى، أو جرى إغلاق الحرم الإبراهيمي أمام المسلمين، تزداد احتمالات انتقال التوتر من مواجهة سياسية وأمنية إلى مواجهة ذات أبعاد دينية، وهو ما يرفع مستوى الخطورة إقليمياً.
كما أن توقيت التصعيد يحمل دلالة سياسية، إذ تأتي هذه الإجراءات في بيئة إسرائيلية داخلية تشهد تنافساً سياسياً حاداً، فيما تسعى الأحزاب والقوى اليمينية إلى إبراز مواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين والاستيطان والقدس.
أما فلسطينياً، فإن استمرار الضغط على المدن والقرى قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى الاحتقان الشعبي، خصوصاً إذا تزامن مع الاعتداءات الاستيطانية أو سقوط ضحايا أو وقوع اقتحامات كبيرة للمقدسات. ولذلك فإن المعادلة خلال الفترة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة إسرائيل على ضبط مستوى التصعيد.
والسيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب ليس بالضرورة اندلاع حرب شاملة في الضفة دفعة واحدة، وإنما استمرار سياسة "التصعيد المتدرج" باستمرار عمليات عسكرية موضعية، إغلاقات وحواجز، اعتقالات، توسع استيطاني، زيادة في نشاط المستوطنين، وتشديد السيطرة على المناطق المصنفة "ج"، بالتوازي مع الضغط على السلطة الفلسطينية.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن يؤدي هذا التصعيد المتدرج إلى نقطة يصعب عندها احتواء الأحداث. فحادث كبير في الأقصى، أو الحرم الإبراهيمي، أو إحدى مدن الضفة، يمكن أن يشكل شرارة لتوسيع دائرة المواجهة.
وعليه، فإن الضفة الغربية تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالأعياد اليهودية أو بإجراءات أمنية مؤقتة، بل تتقاطع مع مشروع أوسع لإعادة صياغة الواقع السياسي والجغرافي والأمني في الضفة.
من المؤكد أن استمرار الإغلاق والاقتحامات والاستيطان والاعتداءات، مع غياب مسار سياسي جدي، يجعل احتمالات التصعيد أعلى، ويجعل الضفة الغربية مرشحة لأن تكون إحدى أكثر ساحات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حساسية خلال المرحلة المقبلة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


